الحائرون بين يناير ويونيو في مصر

الاثنين 2016/01/25

مع أن عددا ليس هينا من المصريين يعتقدون أن ثورة 25 يناير التي تحل ذكراها الخامسة اليوم ثورة بامتياز، إلا أن هناك من ينكرون ذلك، ويتشبثون بأن الثورة الحقيقية جرت في 30 يونيو 2013، ووسط هؤلاء وهؤلاء هناك شريحة أكبر تؤمن بأن كلا من يناير ويونيو ثورة، ساهم فيها المصريون للتخلص من نظامين طاغيين.

هذه الشريحة الكبيرة، أو ما يوصف بشريحة الحائرين، غير مقتنعة بالاستقطاب المفتعل الذي يحاول أن يكرسه فريقا يناير ويونيو لأسباب سياسية، فلكل منهما أهدافه التي تجعله ينكر الآخر، حتى أصبح الإنكار وسيلة للوجود، وقاعدة للتوسع، ونافذة للهروب من المواجهة الشعبية والقانونية، وبدونه (أي الإنكار)يفقد كل فريق جانبا من قوته السياسية.

الناظر للمشهد المصري من الخارج، قد لا يرى جيدا التفاصيل الحقيقية للشد الذي ظهرت ملامحه عقب 30 يونيو 2013، حيث أراد من قامت ضدهم ثورة 25 يناير (أنصار نظام مبارك)، العودة للحياة السياسية فحاولوا ركوب موجتها الثانية في يونيو، والإمساك بزمام الموقف، على غرار جماعة الإخوان التي أمسكت بالزمام عقب ثورة يناير، وقفزت على السلطة.

وقد ارتاح كل فريق إلى هذه المعركة، التي اتخذت أشكالا متعددة، سياسية وأمنية واقتصادية واجتماعية، وأخذ كل منهما يوجه للآخر اللكمات والطعنات، وهو لا يريد القضاء عليه، لأن الوجود أصبح سر الحياة، بالمعنى السياسي للكلمة، فالاختفاء تماما يعني انتهاء المباراة، وإعلان الفائز، وفي هذه الحالة يستعد لمواجهة فريق ثالث، يمثل الكتلة الحرجة الكبيرة من المصريين، والذي يرى أن يناير ثورة، ويونيو مكملة لها، وأن كلا من أنصار مبارك والإخوان، يريدون تحقيق أهدافهم الخاصة.

لذلك يسعى الفريق الأول والثاني إلى تهميش الفريق الثالث، والتصميم على أن يكون خارج الملعب، أو يتم التكسير والهدم في الهياكل الرئيسية للآخر، على أمل أن يقتنع أفراد الفريق الثالث بالانضمام لأحدهما، وتعظيم استفادته العددية، من هنا زادت حدة المعركة السياسية، وكلما تأخذ ملامحها طريقها للهدوء، يقوم من بيدهم مفاتيح مختلفة للتأثير بإشعالها، حفاظا على مكاسبهم، أو سعيا وراء بقاء الباب مفتوحا، لأن إغلاقه يؤدي للموات.

من يرون في هذا الكلام قدرا من اللوغارتمات السياسية، أقدم لهم شرحا، ربما يساعد على تقريب الصورة للأذهان، فقد أصبح المشهد المصري يعج بالتعقيدات التي تجعله يصعب أحيانا على الفهم، خاصة عند من يتعرضون أو يطربون لاتجاه سياسي واحد.

الحكاية ببساطة تدور بين فريقين من الانتهازيين في مصر، أحدهما يمثله أعضاء الحزب الوطني (الذي حكم أيام مبارك) ومعهم شلة كبيرة من المنتفعين، سياسيون ومثقفون وإعلاميون ورجال أمن واقتصاد، وهؤلاء يرون أن 30 يونيو لم تخلص البلاد من كابوس الإخوان فقط، بل أعادت الاعتبار لحكم مبارك الذي ناصروه لنحو ثلاثين عاما، بالتالي يجب استمرار المواجهة على سخونتها مع الإخوان، وتصويرهم وحلفائهم من المتشددين وجناح من اليساريين، بأنهم العدو الحقيقي وتضخيم خطرهم الداهم، لأن انتفاء الخطر معناه الالتفات لفساد رجال الحزب الوطني.

العزف على وتر هذه الفوبيا جعل قطاعا من المصريين، يكفرون بثورة يناير، التي أخرجت الإخوان من القمقم وهددت الأمن والاستقرار، ومكنت أنصار مبارك من العودة والتوسع والانتشار في المشهد العام، فبعد فترة من الاختفاء، بسبب الرفض الساحق، أصبح ظهورهم في وسائل الإعلام ومشاركتهم في الندوات شيئا عاديا، وترشحهم في انتخابات البرلمان أمرا مقبولا.

وتمكن هؤلاء أيضا من تحسين صورتهم في مجالات مختلفة، بل حصلوا على تعاطف شعبي، وأنهم لم يرتكبوا جريرة واحدة، تبرر الانقلاب عليهم في ثورة يناير، التي ألصقوا بها تهمة المؤامرة، لتفريغها من مضمونها السياسي والاجتماعي، ووصم من ناصروها بأنهم “حفنة من المتآمرين”.

أما الفريق الثاني، لم يتوقف عن وصف ثورة يونيو بأنها “مؤامرة فلول الوطني على حكم الإخوان العادل”، وكالوا جميع الاتهامات لها، لتبرير إخفاق الجماعة، وإخفاء رغبتهم العارمة في الاقصاء، وأنكروا خروج الملايين الذين أيدوها.

الفريق الإخواني، ومن لف لفه من اليساريين، استثمر جملة كبيرة من الإخفاقات والأزمات تواجه النظام الحاكم حاليا، ليعزز اتهاماته، واستفاد من الظهور الفاضح لعدد من رموز الحزب الوطني في المشهد، السياسي والاقتصادي والإعلامي، ليدلل على أن ثورة يونيو “مؤامرة” كان غرضها تمكين أنصار مبارك من العودة.

ووجد هؤلاء فرصة في حدوث تجاوزات للتأكيد على تكرار التصرفات التي كانت تمارس خلال فترة حكم مبارك، وتم توظيف بعض الانتهاكات الأمنية للإيحاء بذلك، وتحريض الناس على الثورة ضد النظام الراهن، على أنه لا يختلف عن سابقه، وهو ما جعل أنصار هذا الفريق يمعنون في تشويه صورة ثورة يونيو بشكل مبالغ فيه.

الحرب المشتعلة، والتي استخدمت فيها وسائل مشروعة وغير مشروعة، أضحت مصيرية لكل فريق، لأن توقفها يضر بهما معا، فاختفاء فكرة العدو من أجندة رجال مبارك، دليل انتهاء دورهم كرأس حربة ضد الإخوان، وإشارة على وقف حال الارتباك، وارتفاع الأمن والاستقرار في مصر، ما يمنح الفرصة للتفرغ لمحاسبة من ارتكبوا جرائم فساد، لذلك من الضروري استمرار النفخ في خطر الإخوان.

كما أن الفريق الثاني، إذا أوقف المعركة بين يناير ويونيو، قد يفهم منه أنه استسلم، ويعرض أنصاره لموجة جديدة من الإحباط، تدفعهم للهروب والانفضاض عن التنظيم، الذي من المرجح أن يدخل طور النسيان، بالتالي من الأفضل أن يستمر العراك ساخنا، ومده بكل عوامل الاستمرار الممكنة، وتصوير كل مناسبة على أنها فاصلة، وإذا مرت فإنه يتم التفكير في مناسبة أخرى، اعتمادا على تمديد خيوط الأمل، خوفا من شيوع اليأس والإحباط.

الحائرون بين الفريقين، ارتاحوا عندما تضمن الدستور المصري تأكيدا واضحا في ديباجته أن يناير ثورة ويونيو ثورة مكملة لها، ومنبع القلق ليس من عدم احترام الدستور، لكن من صمت الدولة على المعركة الحامية التي تنتهك الدستور، وهو ما جعلها تبدو مستمتعة بالتجاذبات السياسية الحالية، فقد تخلصها من الفريقين معا، وتنتصر للغالبية من الحائرين.

كاتب مصري

9