الحاجة ترتقي بالفطر إلى مرتبة اللحوم على مائدة السوريين

لم تتوقف حياة السوريين في ظل الأزمة التي طالت لسنوات وتسببت في نقص فادح في المواد الغذائية خصوصا، فتفتقت قرائحهم على طرق جديدة وأخرى مبتكرة لتوفير غذائهم وطبخه، بل وصل بهم الأمر إلى اكتشاف مواد غذائية تضاهي في قيمتها اللحوم بأنواعها، إنه الفطر الذي يسمّى اللحم النباتي.
الخميس 2017/08/10
اللحم النباتي ليس وردا

دوما (سوريا) - داخل غرفة تتدلى منها أكياس معلقة في السقف، يتفقد أبونبيل حبات الفطر التي تفرّعت عنها، ليتأكد من درجة الحرارة والرطوبة لضمان جودة الإنتاج الذي بات بديلا عن اللحوم على موائد السكان المحاصرين في الغوطة الشرقية لدمشق.

ويقول أبونبيل (50 عاما)، وهو مدير مشروع لزراعة الفطر تنفذه مؤسسة محلية في مدينة دوما، “لجأنا إلى زراعة الفطر باعتباره مادة غذائية عالية القيمة تعادل اللحمة ويمكن زرعه ضمن البيوت والأقبية والأماكن الضيّقة”.

ويعيش سكان الغوطة الشرقية منذ أكثر من أربع سنوات ظروفا صعبة في ظل حصار مطبق من قوات النظام للمنطقة التي تعد أحد آخر أبرز معاقل الفصائل المعارضة قرب دمشق.

وتسبب الحصار بنقص كبير في المواد الغذائية، وتراجعت قدرة السكان على تأمين احتياجاتهم مع ارتفاع في الأسعار لا سيما منها اللحوم.

ويوضح مدير العلاقات العامة في مؤسسة عدالة للإغاثة والتنمية المنفذة لمشروع إنتاج الفطر مؤيد محي الدين أن الفكرة “جاءت من نقص المواد الغذائية في الأسواق”، مضيفا “كنا نتقصى لإيجاد مصدر بروتينات وأملاح معدنية جيّدة عوضا عن مادة اللحم مرتفعة السعر.. ووجدنا فكرة زراعة الفطر كحل بديل”.

ورغم أن الغوطة الشرقية كانت تعد قبل اندلاع النزاع في العام 2011 منطقة زراعية بامتياز وتعرف بجودة إنتاجها لا سيما للفواكه والخضار، إلا أن زراعة الفطر لم تكن مألوفة، وفق ما يقول محي الدين، رغم سهولة زراعتها وقلة رأس المال المطلوب لذلك.

ويضيف “لم تكن هذه الزراعة موجودة في الغوطة قبل الأزمة، وتعرفنا عليها عبر الإنترنت من مناطق يشبه وضعها وضع الغوطة الشرقية”.

تتطلب عملية إنتاج بذور الفطر وزراعتها وصولا إلى القطاف عناية خاصة. ووفق أبونبيل تتراوح المرحلة الأولى بين 15 و25 يوما، يتم خلالها إنضاج بذور الفطر داخل غرفة قليلة الإضاءة مع حرارة لا تتجاوز 25 درجة ورطوبة عادية.

وخلال هذه المرحلة، يتم تقطيع حبات فطر ذات جودة عالية إلى شرائح رقيقة توضع بين ألواح صغيرة من الكرتون داخل وعاء بلاستيكي معقم ومقفل بانتظار انتشار الفطر على شكل عفن، قبل مزجه مع حبوب شعير مسلوقة ومعقّمة تشكل لاحقا بذور الفطر.

الحاجة أم الإختراع

ويشرح المتطوع في المشروع أبوأحمد (32 عاما)، آلية العمل في المرحلة الثانية، إذ يتم غلي أكياس معبأة بالتبن داخل قدر كبير لمدة نصف ساعة بهدف التعقيم، ثم تعلق الأكياس لتصفيتها من المياه.

وإثر ذلك يتم “وضع التبن على طاولة التعقيم ورش مادة الجبس عليه لتعديل نسبة الحموضة فيه”، قبل أن يعبّأ هذا المزيج في أكياس بلاستيكية. وتوضع خمس طبقات من المزيج في الأكياس وتنثر بذور الفطر بينها، قبل نقلها إلى غرفة خاصة تعرف بالحاضنة.

وبحسب أبونبيل، تحتاج هذه المرحلة إلى ما بين 25 و45 يوما، مع حرارة تبلغ 25 درجة مئوية ورطوبة فوق الـ80 بالمئة وإضاءة وتهوئة جيدة، وفي نهايتها يتم القطاف بمعدل 4 أو 5 مرات.

وللحفاظ على درجات الحرارة والرطوبة المطلوبة تتم الاستعانة، وفق القائمين على المشروع، بمولدات كهربائية تعمل بدورها على محروقات يتم استخراجها محليا من مادة البلاستيك مع ارتفاع أسعار الوقود وندرتها.

ومنذ بدء المشروع قبل ثلاثة أشهر بلغ الإنتاج “1300 كيلوغرام من الفطر تقريبا يتم توزيعها على 600 شخص أسبوعيا”، بحسب أبونبيل.

ويوزع الفطر “مجانا على العائلات الأشد فقرا وتلك التي تعاني من سوء تغذية أو إصابات في النخاع الشوكي وتحتاج إلى تغذية”.

بديل السمك والدجاج

مع استمرار الحصار، بات اللحم ترفا لا تقوى عائلات كثيرة على تحمل كلفته خصوصا بعدما تجاوز ثمن الكيلوغرام الواحد العشرة دولارات.

وتقول أم محمد (50 عاما) وهي والدة لأربعة أولاد، “إذا كنت قادرا على الحصول على الفطر فأنت في نعمة كبيرة.. كما لو أنك تأكل صحن سمك أو دجاج أو لحم”.

وتضيف السيدة التي ترتدي ثوبا وحجابا أسود وتعيش في منزل متواضع شبه خال من الأثاث، “إذا كنا غير قادرين على إحضار تلك اللحوم، بإمكاننا الحصول على الفطر”.

ويعتبر الفطر من الأطعمة الفاخرة ويتميز بنكهة خاصة تجعله مرغوبا فيه من معظم متذوقيه، ويستعمل بطرق عديدة جدا مثل القلي والتحمير والطبخ وتحضير أنواع من الشوربة مع الخبز وفي تحسين الطعم لبعض الأطعمة مثل البيتزا والسجق والكتشب وبعض الأجبان كما يدخل في صناعة التعليب والتجميد والتجفيف والتخليل.‏

وتذوق أبوعدنان الصيداوي (30 عاما) الفطر للمرة الأولى قبل فترة قصيرة. ويقول وهو مستلق على سريره نتيجة إصابته بكسور عدة في رجله وظهره جراء غارة استهدفت دوما في أبريل الماضي “وصلني صحن فطر منذ ثلاثة أو أربعة أسابيع، لم أكن أعرفه ولم نتناوله من قبل”.

ويشرح مع ابتسامة خفيفة “تعلمنا طريقة طبخه من الإنترنت. في اليوم الأول، قلينا الفطر مع البصل وفي اليوم الثاني مع الشاكرية”، الطبق السوري التقليدي الذي يتكون بشكل رئيسي من اللبن والبصل واللحوم ويقدم مع الأرز، مضيفا “الفطر لذيذ في الطبخ وأحببناه مع الشاكرية”.

وجبة غنية بالفوائد سهلة الزراعة

وعلى غرار الكبار، لم يتذوق أطفال دوما يوما الفطر. وتروي المسؤولة عن مركز للدعم النفسي في المدينة، تعرّف نفسها باسم رشا، الدهشة التي اعترتهم حين رأوا الفطر للمرة الأولى بعد توزيعه عليهم في شهر رمضان الماضي، باعتباره “يضم الألياف ويحتوي على الكثير من المكمّلات الغذائية”.

وتقول “نظمت لهم ورشة صغيرة في المركز حتى يتعرفوا على طريقة طبخه.. وعندما عرضته أمامهم سألوني، آنسة ما هذا؟ ورد؟، فأجبتهم لا إنه فطر. كانت تلك أول مرة يرونه فيها”.

وتضيف “يستخدم الفطر في تحضير وإعداد الكثير من الوجبات الشهية ذات القيمة الغذائية العالية خاصة بعد أن ثبت أنه يعمل على زيادة الحيوية والنشاط ويخفض نسبة السكر في الدم ما يفيد مرضى السكري، كما يحتوي على إنزيمات عديدة تساعد في هضم الجسم للأغذية المختلفة”.‏

وجدير بالذكر أن الفطر ينتشر طبيعيا أيضا في الغابات، ولكن يجب التمييز بين الفطر السام والفطر المأكول، فالفطر جميل الشكل والملون يكون غالبا ساما، كما يلاحظ على الفطور السامة وجود جيب في منطقة اتصال القدم مع الوسط، لذلك يجب التأكد من عدم سمية الفطر قبل جمعه من الطبيعة.

الفطر في السويداء

تجربة زراعة الفطر ليست حكرا على منطقة دوما في دمشق بل سبقتها تجارب أخرى في مناطق سورية أخرى كالسويداء واللاذقية.

وفي زاوية صغيرة من منزله يقوم المهندس وليد زغير بزراعة الفطر مستغلا ركنا مهجورا وشجعته في ذلك معرفته بعملية الإنتاج وبساطة التعامل مع هذا المنتج، حيث استطاع إدخال صناعة الفطر إلى أسواق السويداء بعد عدة تجارب أجرتها مديرية الزراعة لإنتاج أنواعه محليا، وهو منتج غذائي مطور عن الفطر العادي، وساهم بفضل ذلك الإنتاج في تأمين مصادر رزق بديلة في مواجهة الحرب الاقتصادية التي يعاني منها الشعب السوري.

ويقول زغير إن زراعة الفطر زراعة مميزة لأنه يوفر فرص العمل، ولأن مكان زراعته متوفر في كل مكان مثل الكراج والقبو والكهوف والبيوت المهجورة ولا تستدعي زراعته شروطا عالية الدقة.

وبدأ الاهتمام بزراعة الفطر في المنطقة بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة خاصة بعد الارتفاع الكبير لأسعار اللحوم البيضاء والحمراء، لا سيما وأن هذا الفطر يتميّز بقيمته الغذائية العالية لاحتوائه على نسبة مرتفعة من البروتينات والحديد وعلى جميع الأحماض الأمينية الأساسية لجسم الإنسان ونسبة كبيرة من فيتامين “ب” المركب. ويحتل الفطر الموقع الوسط بين لحوم الأبقار والأغنام والدجاج والسمك من جهة وبين الحبوب الخضار من جهة أخرى، لذا تمت تسميته باللحم النباتي أو لحم الفقراء.‏

وأشار عمر سعيد، مهندس من مديرية الزراعة والمهتم بإنتاج أنواع هذا الفطر في السويداء، إلى أن هذا الفطر سيحظى خلال الفترة المقبلة بأسواق استهلاكية واعدة نظرا لتوفّر الظروف الملائمة لزراعته في المنطقة التي يرغب مزارعوها في كسر قاعدة زراعة المحاصيل التقليدية الأخرى.

ولفت إلى أن إنتاج الفطر يعد من المشاريع الاستثمارية الزراعية الناجحة، إذ يتراوح متوسط إنتاج المتر المربع بين 20 و30 كيلوغراما في الدورة الزراعية التي تستغرق ثلاثة أشهر أي ما يعادل 120 و150 كيلوغراما سنويا، ما يضمن مردودا اقتصاديا عاليا.

وأضاف “إن أهمية مشروع الفطر الزراعي لا تأتي فقط من مردوديته العالية والأهمية الغذائية والطبية للفطر بل يمكن الاستفادة من الخلطة الغذائية المستخدمة في إنتاج الفطر بعد نهاية موسم الإنتاج لتسميد الأشجار المثمرة والخضار وفي إنتاج الغراس المثمرة ومشاتل الخضار”.

وجبة جديدة

الفطر في اللاذقية

نعيم أحمد صاحب مزرعة في اللاذقية تحول من العمل في الحدادة إلى زراعة الفطر، وكان ذلك عن طريق الصدفة، إذ دله على هذه الفكرة أحد أصدقائه الذي شاركه في المشروع، يقول “بدأنا بالزراعة وتعرضنا للفشل لمدة سنتين متتاليتين نتيجة عدم الخبرة، وكانت الخسائر كبيرة جدا في البداية وبأرقام عالية، لكن حاليا بدأنا نعوض تلك الخسائر ونحقق أرباحا جيدة”.وأضاف “تعاونت مع مشروع إنتاج الفطر في السلمية، وحاليا أتعاون مع شركة فطر حديثة تؤمن لنا الخبرات والمواد الأولية ونحن نقدم العمل والتجهيز والإنتاج، فنحن نشتري الخلطة جاهزة ومزروعة بالبذور ونقوم بتحضينها لمدة 15 يوما، ثم نقوم بالتغطية بمادة البيتموس لمدة 21 يوما مع المراقبة والمتابعة اليومية بشكل جيد، وبعدها تأتي مرحلة الإنتاج التي تستمر من حوالي شهر ونصف الشهر إلى شهرين يعطي خلالهما الفطر من 4 إلى 5 أفواج، ويتراوح إنتاج المتر المربع لدينا ما بين 20 و30 كيلوغراما”.

ويتابع نعيم “المشروع عبارة عن غرفتي إنتاج، تتم الزراعة في أحواض على أربعة رفوف معدنية، وكل حجرة مزودة بجهاز تبريد ومراوح للتهوئة وكذلك أجهزة ترطيب ضبابي لتأمين الظروف الملائمة لنمو الفطر، أما المساحة المزروعة فعليا فتقدر بحوالي 250 مترا مربعا”.

ويضيف “المشروع ينجح إذا توفرت الشروط المناسبة والخبرة، ويعمل في المشروع خمسة عمال أساسيين، ولكن خلال مرحلة القطاف نحتاج في الفوجين الأول والثاني إلى أكثر من ذلك من أجل عمليات القطاف والتنظيف والتعبئة كي لا يحدث لدينا خلل في عملية الإنتاج نتيجة تفتح الفطر عند التأخر في قطافه، مما يجعله غير مرغوب فيه من قبل المستهلك”.

وعن المشكلات التي يعاني منها كمنتج للفطر الزراعي يقول “في البداية كنا نعاني من مشكلة التسويق، ولكن بعد أن تعرّف المستهلكون على الفطر الطازج وأنه أفضل من المعلّب زاد الطلب عليه وحُلّت هذه المشكلة، وأصبحنا نسوق بضاعتنا في دمشق بالإضافة إلى السوق المحلي في اللاذقية”. ويضيف “حاليا نعاني من مشكلات ارتفاع تكلفة المواد الأولية وكذلك ارتفاع تكاليف عمليات النقل، بالإضافة إلى الانقطاع المستمر للتيار الكهربائي، أما بالنسبة إلى الأمراض فهي تحت السيطرة حيث أصبحت لدينا خبرة كافية لاكتشاف المرض في بداياته، فنعالجه لنحد من انتشاره”.

20