الحاجة لإحياء السلام بجنوب السودان

الاثنين 2017/10/16

التحركات التي تقوم بها حاليا دوائر إقليمية ودولية لمحاصرة الحرب الأهلية وإنقاذ دولة جنوب السودان، تؤكد أن هناك رغبة لطي الصفحة الماضية، وتشي الطريقة التي تتعامل بها قوى معنية مع الأزمة بأنها جادة هذه المرة في تطويق الخلافات من منابعها الرئيسية والبحث عن حل عملي لها.

الاجتماع الذي عقده وزراء خارجية منظمة “إيغاد” في جوبا يومي الجمعة والسبت الماضيين، من الركائز المهمة لترتيب الأوضاع وتنفيذ اتفاق السلام الذي جرى توقيعه في أديس أبابا في أغسطس 2015 بين فريق الرئيس سلفا كير وخصمه اللدود رياك مشار، وناقش وزراء خارجية السودان وإثيوبيا وكينيا وأوغندا وجيبوتي والصومال، مع رئيس جنوب السودان، تفاصيل دقيقة لتجاوز العقبات التي اعترت الاتفاق وحالت دون تنفيذه حتى الآن.

اجتماع جوبا لوزراء “إيغاد” سبقته سلسلة من اللقاءات والمحادثات في عدد من دول الجوار وعلى مستويات مختلفة، لكن جميعها فشلت في تحريك التسوية السياسية وتحطمت على صخرة المسافة الواسعة بين الغريمين، كير ومشار، واستمرت نيران الحرب الأهلية مشتعلة في بلد فقير يعاني أصلا من ويلات المرض والجهل والفقر، وزادت المعارك إليه ارتفاعا في معدلات الهجرة واللجوء والمخيمات، التي أحرجت قوى دولية لأنها أخفقت في الضغط على الطرفين المتصارعين وعدم وضعهما أمام مسؤولية تفرض على كليهما التنازل لإنقاذ جنوب السودان.

الأجواء السياسية بدأت تتحسن خلال الأسابيع الماضية، وتفتح أفقا جديدا لتطبيق اتفاق أديس أبابا الذي وقع عليه كل طرف وهو غير راض عنه، وفسر كل فريق بنوده بطريقة متباينة عن الآخر منحته في النهاية التعامل مع الاتفاق بالصورة التي يرتضيها.

لذلك فالتأكيد على تطبيق الاتفاق في الوقت الراهن يعني أن ثمة اتجاها إيجابيا يحاول فرض إرادته، وعدم ترك الأمور على ما هي عليه من غموض وقتامة ألقت بظلالها على الأمن والاستقرار في جنوب السودان.

في سياق البحث عن مخرج، تحاول لجنة الحوار الوطني في جنوب السودان التفاهم مع رياك مشار الذي يعيش في جنوب أفريقيا منذ فرض الإقامة الجبرية عليه، لكنه يرفض التجاوب معها قبل أن يتم وقف الحرب الأهلية كأولوية سابقة على أي حوار، وذهبت إليه في جوهانسبرغ يوليو الماضي ثم أكتوبر الجاري، ولم تلتقه وفشلت الضغوط التي مورست عليه من جنوب أفريقيا وجهات إقليمية أخرى في حثه على عقد اللقاء، لأنه يدرك أن لقاء وفد اللجنة ينطوي على اعتراف ضمني باستمرار إقامته خارج البلاد.

مشار يعاني مرارات سياسية كثيرة، بعد أن تخلت عنه قوى إقليمية ودولية وانحازت إلى صف سلفا كير، وارتضت نفيه لجنوب أفريقيا، والتمهيد لإخراجه من المعادلة السياسية برمتها، بل وتحميله وحده مسؤولية الفوضى في البلاد، ومع أنه جرى تعيين الجنرال تعبان دينق في منصب نائب الرئيس (خلفا لمشار) وأصبح زعيما صوريا للمعارضة المسلحة إلا أن الفوضى لم تنته.

كل ذلك والحرب لم تتوقف ولم يتخلّ كير عن جزء من طموحاته وتشبث بالاستمرار في الحكم، وسط تواصل القتل والتشريد.

ما يؤكد أن مشار لا يزال رمزا للمعارضة الصلبة وعنوانا لقبيلة النوير التي ينحدر منها وتقطن غالبيتها شمال غرب جنوب السودان، أن دينق لم يقنع أبناء قبيلته بقيادته المعارضة ولم يقنع الأوساط التي تسارعت خطواتها نحو السلام، ولم يقنع كير نفسه أنه قادر على ضبط إيقاع البلاد بالتعاون معه.

بقاء مشار رقما عسكريا وسياسيا مهما يضاعف من صعوبة التحديات التي يواجهها كير، ويفرض على الأخير تقديم تنازلات واضحة بشأن تنفيذ اتفاق أديس أبابا، لأن كل الخطوات التي اتخذت لإبعاد نائبه السابق لم تحقق أغراضها، ولا يزال الرجل زعيما حقيقيا للمعارضة، وتعتقد الدول المنخرطة في الأزمة أنه قادر على إغلاق ملف الحرب الأهلية، إذا تم التوصل معه إلى تفاهمات تقنعه بأن هناك تغيرات كبيرة على الأرض والرئيس سلفا كير عازم بجدية على المضي في طريق السلام.

الحاصل أن دول “إيغاد” تسير في مسارين حاليا لتجاوز العقبات المزمنة التي أدت إلى عرقلة اتفاق السلام، الأول إقناع الرئيس سلفا كير بتقديم تنازلات سياسية يقلل بها مخاوف المعارضة، وأهمها الإفراج عن بعض المعتقلين وتهيئة المناخ أمام إجراء انتخابات رئاسية تنافسية، والالتزام بتنفيذ اتفاق أديس أبابا بلا مواربة أو مراوغة، وقيام دول الجوار بالكف عن التدخلات في شؤون جنوب السودان، وتقديم المساعدات الكافية لوقف التدهور الأمني.

المسار الثاني استمرار التواصل مع جناح مشار، بحسبانه زعيما قويا للمعارضة، ومحاولة فك الحصار المفروض عليه تدريجيا، وتمهيد التربة لعودته إلى جوبا قبل إجراء الانتخابات الرئاسية، لأنه الوحيد القادر على جمع شمل أطياف المعارضة وهو في نظر معظمها أيقونة لمواجهة صلابة سلفا كير.

كما أن خطوة رفع العقوبات الأميركية على السودان مؤخرا، تتجاوز تأثيراتها حدود الخرطوم، وسوف تكون لها روافد إيجابية على جوبا من زاوية التزام الرئيس عمر البشير بوقف المعارك في دارفور، وجنوب كردفان ومناطق التماس عموما مع جنوب السودان، والكف عن أي تدخلات عبر الحدود المشتركة، ما يسد أحد منافذ الدعم التي تقدم لقوات مشار من قبل الخرطوم، وإجباره على العودة إلى طاولة المحادثات دون شروط مسبقة.

وقف الحرب الأهلية بالنسبة للولايات المتحدة يمثل أهمية حيوية، لأن استمرارها كبدها خسائر فادحة في شرق أفريقيا، وعطل الكثير من مشروعاتها السياسية والأمنية، وهي بحاجة إلى ضبط المعادلة المختلة لصالح الصين وسد المنافذ التي تتسرب منها إيران، ما يتطلب الارتكان إلى محاور عدة، بينها إثيوبيا وكينيا وأوغندا وجنوب السودان، فضلا عن السودان الذي يقترب من إعادة تأهيله ودخول نادي التوازنات الأميركية الجديدة في منطقة تأثرت بالحرب الأهلية.

بالتالي فالحاجة ماسة إلى إحياء السلام في جنوب السودان وتحقيق مصالح قوى كبرى، خاصة أن الأثمان التي دفعتها الدوائر التي تورطت في الحرب، بشكل مباشر أو غير مباشر، أصبحت باهظة ويصعب أن يظل الحال على ما هو عليه سنوات أخرى.

كاتب مصري

9