الحاجة للحج زمن الدواعش

نظرة مغلوطة عن الإسلام تشكلت بفعل تركيز الجماعات الإرهابية على تحويل شحنة النصوص الدينية الإسلامية إلى حركات عنيفة تصادر البعد الروحي للإسلام وتغتال العقل المسلم المتميز ـ تاريخيا ـ بالإبداع والانفتاح والتسامح. ولعل العلامات الطقسية المميزة للإسلام باعتباره دينا للوحدة الحافظة للتنوع هي الحج، وهو تجمع ضخم تتجلى فيه قيم المساواة والتضامن والإيمان بين شعوب مسلمة تنتمي إلى كل أصقاع الأرض.
الثلاثاء 2015/09/22
كل ثقافات العالم تجتمع في مناسبة الحج لتكريس التنوع داخل الوحدة

قد تكون الأمة الإسلامية اليوم في أمس الحاجة إلى رافعة حقيقية لفعل “عودة الروح” لديها في سياق بات فيه الإسلام موضع اتهام وانتقاص من الخارج جراء أفعال المتطرفين والإرهابيين من داخل الجسم المسلم.

اليوم، يتجاوز الحج العمل التعبدي الطقسي المتواتر سنويا ليبلغ مقام الضرورة الدافعة للضرر ويصل مستوى الحتمية الفكرية والسياسية والاجتماعية والمعرفية بما يعنيه الحج من تأصيل لثوابت الإسلام وبما يحمله من معاني التسامح والاعتدال والوسطية.

يدرك داعش ويعرف الدواعش من ورائه القيمة التأسيسية للحج والمقاصد الجوهرية للركن الخامس للإسلام لاسيما منها تلك المتناقضة استراتيجيا مع التفكير الإرهابي الظلامي، لذا فليس من باب الغرابة أن يهدد تنظيم الدولة الإسلامية أكثر من مرة بهدم الكعبة الشريفة وتدمير أول بيت وضع للناس.

هنا أيضا تصبح الكعبة الشريفة محور الرهان بين أتباع التكفير وأصحاب التفكير، فالأوائل يعتبرونها مجسما ماديا لا يقدم ولا يؤخر، فيما يقاربها “المفكرون” على أنها لقاء الأرض بالسماء وارتقاء المادة نحو العلياء.

لا تزال المنظومة الإسلامية مقصرة في الرد المفحم على دعاوى تنظيم الدولة الإسلامية، لعدة اعتبارات لعل من بينها التحالف المبرم بين بعض التيارات الإخوانية والتنظيم الإرهابي والتقارب العلني الرسمي بين أنقرة والمجموعات التكفيرية في سوريا قصد تحقيق مآرب عسكريّة تغيّر من موازين القوى على الأرض.

وفي سياق “التغافل” الرسمي عن خطر التنظيمات التكفيرية “تفكيرا وتفجيرا”، يصبح الحج بمثابة الرد المبين والاستدلال القويم على هوان قراءة “داعش” للدين الإسلامي الحنيف.

ففي الحج تسقط كافة دعاوى التضليل والتفسيق المذهبي على صعيد عرفة ومنى حيث يتساوى الجميع بلباس واحد في مكان واحد وزمان واحد، فلا أسماء ونعوت تزيد من شرذمة الأمة الإسلامية وتنصب مقاصل الإعدام لـ”الآخر”، فالكل متحد تحت راية الإسلام.

بيد أن هذه الوحدة المقاصدية لا تعني البتة الأحادية الفكرية أو الاجتماعية أو الأنثروبولوجية، ذلك أن الحج يؤصل لـ”تنوّع” صلب الوحدة وهو مبدأ يتناقض جوهريا مع الأصل الفكري الذي يبني عليه الدواعش كافة أفعالهم والقائم على الأحادية الفكرية ضمن الأحادية المذهبية، في هذه النقطة بالذات تصبح الكعبة الشريفة بصفة خاصة عنوان الثراء صلب الوحدة الإسلامية ويستحيل الحج بصفة عامة الاستدلال الأبرز على صحة معادلة “التنوع ضمن الوحدة” وعلى عجز المقولات الفقهية لتنظيم الدولة الإسلامية عن تحقيق غايات الإسلام السمحة وعن الوصول إلى جوهر الإسلام الحق.

هكذا تصبح حرب الوجود الإسلامية متمثلة في الصراع بين معادلتي “التنوع ضمن الوحدة” و”الأحادية صلب الأحادية” وهو صراع موصول من سوريا إلى العراق ومن ليبيا إلى تونس، حيث لا يزال أصحاب الطرح الاستئصالي يحاربون التاريخ والآثار والحضارة ويدمرون كل شاهد عن التلاقح الإنساني، لا فقط لأن منظومة إدراكهم لم تستكنه بعد مفهوم المغايرة ولكن أيضا لأن الإسلام عندهم “إسلامات” عديدة يختارون منه ما يتطابق مع تنطعهم ويلغون ما يتعارض مع ظلاميتهم حتى وإن وصل بهم الاستبداد في الرأي إلى حد التلويح بتدمير بيت الله الحرام وتقويض كافة آثار الأنبياء والصالحين.

هكذا يتحول الحج إلى مدرسة أخلافية وفكرية وفقهية سامية تستوجب الاستفادة من مقاصدها وغاياتها وتفعيل رؤاها لإقناع الشباب السابح مع تيارات التكفير والتضليل بالعدول عن الوقوف أمام أبواب جهنم، ذلك أن الميدان أقوى دليل من البرهان كما أن المعاينة أكثر صدقا من الخبر.

أليس من اللافت أنّه في صميم توجس وتخوّف الدواعش من الحجر وسعيهم الدائم إلى تدمير كل أثر حي يعمد الحاج إلى تقبيل حجر والطواف بآخر ورجم ثالث حيث يعيد الحج الحجر إلى حقيقته المتمثلة في إثبات القدسية ونفيها انطلاقا من مدى القرب والبعد عن الذات الإلهية فيما يبقى “العقل الداعشي” رهين التمسك بمقولات تغرير الحجر بالبشر في تسفيه مخيف للذات البشرية ولقدرتها على التمييز والتخيير. إن كان من عنوان لحج موسم هذا العام فليكن حج “عودة الروح” لأمة مفتونة بأم الفتن ومكلومة في مقاصد دينها المفترى عليه من الداخل أولا ومن الخارج ثانيا.

13