الحاجز المائي المصري يثير حفيظة حماس ويضيق عليها الخناق

تسعى القيادة المصرية منذ مدّة للتخفيف من وطأة الخطر الإرهابي في شبه جزيرة سيناء من خلال التضييق على جميع الطرق والطرائق التي يعتمدها الإرهابيون لتنفيذ عملياتهم وتأمين إمداداتهم المادية واللوجستية والبشرية بشتى السبل، مثل مشروع الحاجز المائي الذي يقيمه الجيش المصري على طول الحدود مع غزة. غير أنّ هذا التحوّط الأمني المصري المشروع يبدو أنّ حركة حماس لم تستسغه، من منطلق عدائها المعلوم للنظام المصري القائم، وهو ما يدفعها اليوم لمحاولة التشويش عليه خاصة بعد إعلان القاهرة أنها تنسق مع السلطة الفلسطينية حول هذه الاحتياطات.
الاثنين 2015/09/28
توافق ظاهر بين القاهرة والسلطة الفلسطينية يوحي بتطور العلاقات في المستقبل

القاهرة- كشف مصدر دبلوماسي مطّلع عن توقعات مصرية بإقدام حركة حماس على خطوات تصعيدية “يائسة” تجاه السلطة الفلسطينية وربما مصر، في محاولة لتفادي مواجهة المزيد من التراجع السياسي الواضح الذي تعيشه في الفترة الأخيرة، نتيجة تفضيل قادتها الولاء لتنظيم الإخوان الدولي على مصالح الشعب الفلسطيني في قطاع غزة.

وتجدّد السجال، مؤخرا، بين حركتي فتح وحماس، على خلفية تصريحات الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي حول التنسيق مع السلطة الفلسطينية بشأن الحاجز المائي الذي يقيمه الجيش المصري على طول الحدود مع غزة.

وشنت حماس التي تسيطر على القطاع منذ ما يزيد على 7 أعوام هجوما عنيفا على الرئيس الفلسطيني قبل أيام قليلة من حضوره مراسم رفع علم فلسطين فوق مبنى الأمم المتحدة في نيويورك في الثلاثين من الشهر الجاري.

وقالت حماس على لسان سامي أبو زهري، المتحدث باسمها، إن التصريحات المصرية حول التنسيق مع السلطة بشأن إغراق الأنفاق أسفل الحدود المصرية الفلسطينية، تعدّ دليلا قاطعًا على ما أسماه بـ”المؤامرة التي يقودها عباس لخنق غزة”، داعيا إلى “موقف وطني ضد سياسات أبومازن التي جلبت الكوارث لغزة”، وفق تعبيره.

تقهقر سياسي

قدّر خبراء سياسيون مصريّون متابعون للشأن الفلسطيني أن تكون التصريحات العدائية الجديدة الصادرة عن حماس، مقدمة لخطوات تالية تهدف إلى تصعيد المواجهة مع أبومازن وحركة فتح، خاصة في ضوء التراجع الواضح الذي تعيشه حماس سياسيا، مقابل التقدم التماسك الذي تبدو عليه حركة فتح.

إغلاق غالبية الأنفاق أهدر على حماس مئات الملايين من الدولارات كانت تجنيها من تجارة التهريب

وتداول نشطاء من حماس على مواقع التواصل الاجتماعي، تسجيلا لمقابلة تلفزيونية مع محمود عباس يعود تاريخها إلى 6 يوليو 2014، أقرّ فيها أنه صاحب فكرة إغراق الأنفاق التي يستخدمها الفلسطينيون للتخفيف من وطأة الحصار المفروض عليهم.

وقال الخبراء إنّ حماس تعاني منذ فترة، بسبب إخفاقاتها وعدم وضوح رؤيتها السياسية، حيث دخلت في صراع غير محسوب مع القاهرة، تماشيا مع دعوة جماعة الإخوان ودولة قطر لعدم الاعتراف بالنظام الجديد في مصر، دون إدراك لعواقب ذلك على العلاقات المستقبلية، ومن ثم سيولة الحياة في القطاع، كما أن إغلاق غالبية الأنفاق بين رفح المصرية والفلسطينية، أهدر على حماس مئات الملايين من الدولارات كانت تجنيها من تجارة التهريب المتبادل من وإلى مصر.

وفي المقابل يقول الخبراء، إنّ السلطة الفلسطينية ممثلة في حركة فتح حققت نجاحات مهمة على الصعيد السياسي، آخرها تمكنها من الحصول على قرار من الأمم المتحدة برفع علم فلسطين على مبناها بأغلبية 119 صوتا، مقابل رفض إسرائيل وأميركا و6 دول أخرى، في اختراق حيوي لمحاولات الحصار الإسرائيلية.

وكشف المصدر الدبلوماسي لـ”العرب” أنّ ما يعزز موقف فتح في مواجهة حماس، هو نية النظام المصري تطوير التعاون مع السلطة الفلسطينية الشرعية في رام الله في الفترة المُقبلة، وهو ما كشفت عنه جزئيا تصريحات الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، عقب لقائه عباس في نيويورك، منذ يومين، مشدّدا على ضرورة عودة السلطة للسيطرة على المعابر.

وكان السيسي قد صرح عقب اللقاء الذي تم على هامش حضورهما اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، أنه لا يمكن أن تهدف هذه الإجراءات إلى الإضرار بالأشقاء الفلسطينيين في قطاع غزة، وإنما تهدف إلى حماية الحدود المصرية، والمساهمة في الحفاظ على الأمن القومي لمصر وفلسطين.

حجج واهية

احتياطات مصرية تعكس شدة مخاطر الأنفاق

تعود فكرة الحاجز المائي المصري إلى اقتراح قدّمه عدد من زعماء القبائل في شمال سيناء، في أعقاب تكرار بعض الحوادث الإجرامية، لوضع حد للإرهاب، خاصة أنها ستكون أقل تكلفة من إنشاء منطقة عازلة بين غزة وشمال سيناء، كما أنها لا تتطلب إجلاء عشرات الآلاف من سكان المنطقة.

وأفادت مصادر أمنية مصرية لـ “العرب” أنّ الحاجز الذي أقامه الجيش على حدود قطاع غزة، يمتد بطول 13 كيلومترًا، وهو عبارة عن “أحواض للأسماك”، حيث قام سلاح المهندسين بحفر أحواض مائية كبيرة بطول الحدود مع قطاع غزة؛ بهدف تربية الأسماك وخلخلة التربة وغمر أعماقها بمياه البحر المتوسط لمكافحة حفر الأنفاق.

ويرى عدد من المراقبين، أنّ الجيش المصري يعتبر الأنفاق أحد المصادر الرئيسية لدخول الجماعات والعناصر التكفيرية المسلحة إلى سيناء، وتقديم الدعم اللوجيستي لهم وإمدادهم بالأسلحة والذخائر، وتوفير الملاذ السريع والآمن لهم، بعد تنفيذ عدد من العمليات الإرهابية الغادرة، ضد عناصر القوات المسلحة والشرطة المصرية.

وأكدت مصادر عسكرية مصرية متطابقة، أنّ سلاح المهندسين بدأ فعلا حفر أحواض مائية عميقة منذ فترة، وتم تجهيز مضخات مياه وكافة لوازم مشروع الأحواض السمكية لنحو 18 مزرعة سمكية على طول الحدود مع غزة، يتم فيها تربية أسماك البوري والغمبري.

وأوضحت المصادر، في تصريحات خاصة لـ”العرب” أنّ عملية الحفر تمت على أعماق كبيرة تصل إلى 30 مترًا، لتصبح أحواض سمكية كبيرة مع استمرار ضخ مياه البحر المتوسط، من خلال خراطيم ومضخات كبيرة، بهدف زيادة ترشيح مياه البحر في عمق التربة، لتزيد من غمر الأنفاق وتساهم في انهيارها. وكلما جفت مياه أحواض الأسماك، بسبب انسياب المياه في جوف التربة، واصلت قوات الجيش ملء الأحواض بالمزيد منها حتى تتشبع أعماق الأرض وتصبح غير صالحة لحفر الأنفاق.

ومن ناحيتها، واصلت حركة حماس إداناتها للخطوة المصرية، من خلال تقديمها لحجج واهية، بذريعة تأثيرها الضار على البيئة المائية في المنطقة، وقالت على لسان سامي أبو زهري ‘إن إقامة برك مياه مالحة يمثل خطورة كبيرة على المياه الجوفية، ويهدد عددا كبيرا من المنازل على الجهة الفلسطينية”. نفس التحذيرات أعاد التأكيد عليها مازن البنا، رئيس سلطة المياه الفلسطينية في قطاع غزة، خلال مؤتمر صحفي عقد منذ أيام، قال فيه “ما تفعله مصر بدعوى تدمير أنفاق التهريب، سيؤدي إلى تدمير الخزان الجوفي في المنطقة ويدفع الشعب الفلسطيني في غزة لمواجهة ما يصطلح على تسميته بالمجاعة المائية”.

غير أنّ خبيرا مائيا مصريا، خيّر عدم ذكر اسمه، رد على ادّعاءات حماس بقوله إن قطاع غزة “عبارة عن شريط ضيق ملاصق للبحر ومتأثر به في جميع مناحي الحياة، ولن تكون قناة أو ممر ضيق على الحدود المصرية، أكثر تأثيرا من بحر بأكمله”.

حماس تعاني منذ فترة بسبب إخفاقاتها وعدم وضوح رؤيتها السياسية خاصة بعد أن دخلت في صراع مع القاهرة

وأضاف أن درجة تركيز المياه الجوفية في الشريط الحدودي لسيناء وحتى جنوب العريش وامتدادها داخل قطاع غزة تبلغ عشرة آلاف جزء في المليون، بالتالي فهي غير صالحة للشرب (تتطلب تركيز أقل من ألف جزء في المليون) ولا حتى للري والزراعة، والتي تتحمل حتى ألفين وبحد أقصى ثلاثة آلاف جزء في المليون في زراعات التنقيط المقننة والمدفونة.

وبالتالي فلن تزيد القناة المصرية الحدودية تمليح المياه الجوفية المالحة أصلا، ولو كانت المياه الجوفية في شمال سيناء حتى رفح المصرية صالحة للزراعة ما أوصلت مصر إليها ترعة السلام من نهر النيل، الذي يبعد عنها نحو سبعمئة كيلو متر، وفق تعبيره.

أمّا أمنيا، فقد اعتبر اللواء حسام سويلم الخبير الاستراتيجي، أنّ القناة المالحة تعدّ أحد الحلول الناجعة لإنهاء مشكلة الأنفاق، وأضاف في تصريحات خاصة لـ”العرب” أنّ حفر قناة مائية لا يُغنى عن المنطقة العازلة، وأنّها ستكون فقط لمنع الأنفاق، لافتا إلى أنّ حماس أثبتت أنها تشكل خطرا على مصر، ولابد أن يتم تقنين عدائها السياسي لمصر، والتعامل معها كما يتم التعامل مع إسرائيل.

من جهته، قال يسري قنديل الخبير العسكري والمحاضر بأكاديمية ناصر العسكرية، أنّ القناة تحمي مصر مستقبلاً من أيّ مخاطر، سواء حفر أنفاق أو اقتحام الحدود، وهي تحرك استراتيجي بعيد المدى. وتوقع قنديل أن تُسهم الخطوات التي يقوم بها الجيش بشكل متكامل في تقويض الإرهاب تماماً في سيناء قريباً جداً.

وبدورهم لفت مراقبون إلى أنّه كان من المقرّر أن يقتصر الأمر على حفر قناة مائية فقط، غير أنّ العديد من المعلومات أكّدت للجهات المصرية أنّ المهربين من غير المستبعد أن يقوموا باستخدام ماسورة حديدية أسفل القناة المائية لتفادي تشبع التربة بالمياه، فتقرّر بذلك تنفيذ فكرة أحواض الأسماك التي لا يجدي معها استخدام مواسير صلبة لاستكمال أنفاق التهريب في مناطق متشبعة بالمياه.

6