الحاج الهوني.. ذلك الرجل الرشيد

الاثنين 2016/04/18

يستحق الحاج أحمد الصالحين الهوني في الذكرى العاشرة لوفاته أكثر من وقفة وأبلغ من كلمة، فالرجل كان ظاهرة في ميدانه، وكلما أوغل في الغياب اتضحت تلك الصورة وأظهرت سيرته والذكريات المحفوظة عنه، ما تمتع به من تضحية وصبر وقدرة على النظر إلى البعيد، وبعض البعيد ممّا نحن فيه.

في صباح الثامن عشر من أبريل عام 2006، جاء الخبر الذي لا ريب فيه، لقد أسلم الحاج أحمد الصالحين الهوني روحه إلى بارئها في بيته بتونس العاصمة، وفي دقائق معدودات أصبح الخطب الجلل خبرا تتداوله وسائل الإعلام، وقد كنت، بشخصي المتواضع، صحافيا مبتدئا في صحيفته “العرب”، شاء القدر أن يتم تكليفي بتحرير خبر الوفاة وإذاعته على عجل عبر الموقع الإلكتروني “العرب أونلاين”، وكم كان الشعور قاسيا ومروّعا حين بدأ خبر النعي يتصدر الموقع في ذلك الصباح، أما حين بدأ الإخوة الزميلات والزملاء يلتحقون بمكاتبهم، فقد كانت الفاجعة أكبر، وكانت المشاعر مزيجا من الحزن على الفقيد الكبير والخشية من الآتي، وقد ارتسمت على وجوه الجميع أسئلة حائرة عن المصير وعن حال “العرب” بعد رحيل مؤسسها.

ولكن الله سلم، فقد بقيت تلك الصحيفة على عهد عميدها، وظلت وفية لجميع أبنائها، وها هي بعد عشر سنوات من غياب مؤسسها قامة إعلامية شامخة تجلب الفخر. ومهما استدار الزمان، ستظل المبادئ، التي آمن بها الحاج الهوني حتى مات، هي الأبقى من كل السياقات الطارئة في هذا الزمن العربي الرديء. وقد يكون من عفو الله ورحمته بالحاج الهوني أن قبض روحه مبكرا، فلم يدرك وضعنا الراهن ولم يعرف ما عرفنا في ظل “الربيع العربي” المزعوم، فلربما مات كمدا وحسرة عن مآل أمة حلم بها يوما واحدة قوية تذود عن حياضها مشرقا ومغربا، فأصبحت مستباحة ومحل تطاول العماليق والأقزام.

في آخر أيامه، كانت بعض الخواطر تنتاب الحاج الهوني، بعضها يترجم إحساسا بدنو الأجل، والبعض الآخر استشعار منه بأن أحلامه وطموحاته القومية العربية تتكسر الواحدة تلو الأخرى، وكانت افتتاحياته التي كان يكتبها بفطرة العربي الأصيل يعتصرها الألم على الوضع العربي المهين، ورغم محاولاته الإيحاء بأن المستقبل أفضل، كان يشعر بنذر عاصفة تملأ الأفق، خصوصا بعد غزو العراق وتدميره. ومن المؤكد أن صدمته ستكون أعظم، لو علم بأن الخراب الذي عمّ العراق، قد ضرب بلده الأم ليبيا وحولتها لعنة “الثورات” إلى أنقاض، ومثلها أصبحت سوريا واليمن، بعدما ضاع الصومال وأصبح السودان سودانيْن، والقائمة مفتوحة لتخريب ما تبقى من أوطان العرب.

حين نقف فوق هذا الركام الهائل من الدمار يخطر بالبال الحاج أحمد الهوني والخيرون من أمثاله، فمن نكد الدنيا أن أصوات الوعظ والدعوة إلى السبيل القويم قد غيّبها الموت المحتوم، ومن بقي مدافعا عن البقية الباقية من المبادئ العربية الأصيلة تضج عليه ألسنة الإرهاب والطائفية. ففي سنوات قليلة انقلب كل شيء، ولم يعد هناك من رجل رشيد يقول كلمته متحديا كل العواقب والتبعات، بعد أن أصبح الزمن غير الزمن والقيم غير القيم. لقد أصبح الوطن الذي تخيله الحاج الهوني والمواقف التي خطها على صدر صحيفته، كيانا في مهب الضياع، فيه من الارتهان إلى الماضي أكثر مما فيه من التعلق بالمستقبل، وحتى الحلم بفجر جديد يكاد يكون ضربا من المحرمات، وهذه هي النكبة التاريخية، التي لم نحسب لها حسابا حتى أدركتنا بهجمة غادرة.

من تحت هذا العبء الثقيل، ومن أجل رغبة جارحة في معالجة خلل وجودي صاعق، يسجّل الحاج الهوني في ذكرى رحيله العاشرة حضورا متميزا، وهو حضور لم تحل دونه المسافات الجغرافية ولا تغير الأهواء والطبائع، ومثلما نعيناه ورثيناه غداة وفاته، سنظل نذكره في كل عام حبا ووفاء ونقول فيه كلمة طيبة قد تعيد له بعض الفضل. كما نقول كلمة شكر في كل العاملين في صحيفته والذين يصونون أمانته، وقد لا يفوت في هذا المقام توجيه التحية إلى نجله الكريم الأستاذ محمد الهوني، والإخوة الأعزاء علي قاسم ومختار الدبابي وحذام خريف وغيرهم من الرفاق الذين آمنوا بمشروع صحيفة “العرب” التي أصبحت كالشجرة كلما رسخت امتدت لها فروع وأغصان، وقد كبرت الشجرة وهيهات أن تنحني، فألف تحية ممزوجة بمشاعر الحنين للإخوة في “العرب”، ورحم الله الحاج أحمد الصالحين الهوني، وسبحان من له الدوام.

كاتب تونسي

12