الحاج وراق: الآثار الكارثية للنظام السوداني نتيجة منطقية للإسلام السياسي

الجمعة 2014/05/09
سلطة الإسلاميين لا تقوم على خدمة "الرعية" وإنما على معاقبتها

القاهرة - في قمّة الثورة الشعبية ضدّ نظام الإخوان في مصر، العام الماضي، أطلق المفكر السوداني، الحاج ورّاق، مبادرة لتكوين تحالف عريض من “قوى الاستنارة” في المنطقة العربية لمواجهة التنظيم الدولي للإخوان المسلمين الذي قال، إنه يعمل تحت مظلة أميركية عن طريق بعض دول المنطقة، واعتبر أن هزيمة الإخوان في مصر ستؤثر على وجودهم في المنطقة.

وهذه المبادرة هي واحدة من مبادرات عديدة وكتابات فكرية كثيرة بارزة في نقد العقل الديني، التي يؤكّد من خلالها ورّاق أن الإسلام السياسي يقوم على كذبة أصلية، مثلها مثل الخطيئة الأصلية، حيث يدعي أتباع هذا التيار أن اختياراتهم دينية ومقدسة وهي في الأصل اختيارات دنيوية بشرية.

ويضيف الحاج وراق، في حواره، أن حركات الإسلام السياسي تزعم أنها “ممثلة لله تعالى في الأرض”، وهذا الزعم بالإضافة إلى تناقضه المنطقي، فإنه كذلك يعكس جرأة على المولى عز وجل لا يقبلها أي وجدان ورع. خذ مثلا ما أورده المفكر بلامنتز، في سياق آخر، قوله: إنك إذا رأيت امرأة جميلة، هل يحق لك الإدعاء بأنها خطيبتك دون أخذ موافقتها؟ أليس في هذا افتراء وإفك مبين؟ وكذلك الحركات الإسلامية التي تدعي أنها تمثل الإسلام، دون أن يوحى لقادتها من المولى عز وجل ودون أن تأخذ رأي المسلمين أنفسهم حول إدعائها.. مثل هذا الاستكبار وهذه الغطرسة لا يمكن أبدا أن تجدها لدى متدين ورع أو ذي وجدان مستقيم.


التجربة السودانية


اهتم المفكر السوداني الحاج ورّاق في كتاباته بتجربة الحكم في السودان، التي يقول عنها، الآثار الكارثية للنظام القائم في السودان هي النتيجة المنطقية والضرورية لأيديولوجية الإسلام السياسي، وأهم دلائل هذه الأطروحة أن الإبادة في أشكالها ومستوياتها المختلفة ترتبط بمصادرة الديمقراطية وحقوق الانسان، بالأجهزة الأمنية غير المراقبة مما يجعلها تمعن في انتهاك الحقوق والحرمات، وبالسلطة السياسية التنفيذية غير المنتخبة وغير المساءلة فتضع أولوياتها في الأمن والدعاية والصرف السياسي قبل أولويات شعبها في الصحة والتعليم والمياه والرفاه الاجتماعي وتجرد العاملين من منظماتهم النقابية والمدنية التي يدافعون بها عن حقوقهم، ثم وبطبيعة السلطة غير المراقبة تتحول إلى عصابة مغلقة وفاسدة ويتحول الفساد إلى نظام شامل ومؤسسي يبدّد الموارد اللازمة للتنمية.

منطلقات التكفير والطاعة العمياء للقادة تستعمل كمنظومة فكرية فقهية لتبرير الإبادة

ويضيف الورّاق، لقد انقلبت الحركة الإسلامية السودانية على الديمقراطية في يونيو 1989 بمبرّرات عديدة، منها ذريعة فكرية ترى في الديمقراطية التعددية نظاما غربيا إشراكيا -من الشرك- كما كان يقول د. حسن الترابي، أمينها العام وعراب النظام خلال فترته الأولى، وبحسب هذه الذريعة فإن النظام الديمقراطي لا يستجيب لمقتضيات النظام (الإسلامي) الواجب تأسيسه على (التوحيد) كأحادية ترفض التعددية الفكرية والثقافية والسياسية، وتحطمت هذه الحجة في الواقع العملي، حيث اتضح أن الاختلاف بين البشر من أهم سماتهم، وإضافة إلى إثرائه للحياة الإنسانية فإن محاولات إنكاره أو مصادرته تنتهي إلى مخاضات الدم والدموع، ولم تعد هذه الحقائق مثار جدل كبير لأن الاختلاف صدع أوساط الإسلاميين أنفسهم، وانتهى النظام (الإسلامي) المتصور بديلا للديمقراطية (الإشراكية) بالزج بـ د. حسن الترابي في المعتقل، وما من حجة على الفشل أبلغ من ذلك!

أما الذريعة الأخرى للانقلاب على الديمقراطية فأقل أدلجة، وتقول إن (الآخرين) كانوا يحضّرون لانقلاب ولذا سبقناهم لحماية أنفسنا، وهي حجة بائسة لأن خطأ الآخرين – إن صح – لا يبرر الخطيئة، وكان من الممكن إفشال الانقلاب بكشفه أو التبليغ عنه أو التعبئة والاستعداد لإجهاضه بدلا عن تنفيذه.

والحجة الثالثة أن البلاد كانت تتآكل حينها من أطرافها ولم يكن من حل سوى إنقاذها بالانقلاب، وخلاف ما تنطوي عليه هذه الحجة من وصاية على البلاد وعلى الآخرين، فإن بؤسها يتضح الآن بمآلات انقلاب (الإنقاذ) الذي أدى فعليا إلى تمزيق البلاد.

وتشترك الذرائع الثلاث للانقلاب على الديمقراطية في أن الحركة الإسلامية تجعل من نفسها مرجعا لذاتها، فهي التي تقرر متى تقبل الديمقراطية ومتى تنقلب عليها، مما يحيل إلى أيديولوجية الإسلام السياسي التي ترى أنه ما دامت غايتها سامية ومقدسة فإن جميع وسائلها تكون مشروعة. والأخطر وبطبيعة الأيديولوجية، لم يكن انقلاب الإنقاذ مجرد انقلاب عسكري للاستيلاء على السلطة السياسية، بل كان انقلابا شموليا لإعادة صياغة كل عالم الإنسان السوداني، بدءا من السياسة وصولا إلى الفكر والاقتصاد والثقافة والفنون والرياضة وحتى طول فساتين التلميذات في المدارس.

وفي بلد متعدد الأديان والثقافات كالسودان أدت محاولة ابتلاع الدولة داخل تنظيم شمولي مغلق وضيّق إلى تقطيع وتمزيق البلاد بالضرورة، وهكذا بعد كثير من مخاضات الدم اختار الجنوبيون بأغلبية ساحقة الانفصال عن دولة الإنقاذ التي لا تحترم التعددية الدينية والثقافية. وفي حال استمرار النظام فإن جرثومة (الجزام) هذه ستؤدي لمزيد من تقطيع أوصال البلاد.

الحاج وراق في سطور
مفكر سياسي وكاتب صحفي سوداني عمل كثيرا على نقد العقل السياسي وتابع ووثق كل مراحل تطوره، اهتم بالحريات العامة وحقوق الانسان وقضايا المرأة وصدرت له مجموعة من الكتب من بينها: "حركة الترابي: أسلوب الخطابة واتجاهات الممارسة"، "مقدمات أساسية في فهم الديمقراطية"، "معارك فكرية بيني وبين الإسلاميين"، "مساهمات في نقد الإسلام السياسي"


تيار إصلاحي


العديد من الإسلاميين يعترفون بالآثار الكارثية لسلطة الإنقاذ على البلاد -وفق الورّاق- إلا أنهم يتهربون من الوصول إلى الاستنتاج النظري الأساسي، وهو صلة هذه الكوارث بمنطلقات الإسلام السياسي. ويطرح مثالا على ذلك الإسلامي المخضرم، الدكتور الطيب زين العابدين، الذي رغم نزاهته التي جعلته موضع احترام لدى غالبية الديمقراطيين، وأنا من بينهم، يكتب في ورقة أكاديمية منشورة أن مستوى انتهاكات حقوق الإنسان والفساد في ظل الإنقاذ يفوق جميع العهود السياسية السابقة في تاريخ السودان الحديث، ولكنه مع ذلك، يستنتج أن السبب في ذلك وصول الإسلاميين إلى السلطة بالانقلاب العسكري، وهو استنتاج خجول، لأن كلا نظامي عبود ونميري كانا نظامين عسكريين، ولكن الانتهاكات والانحطاط لم يصلا إلى مستويات الإنقاذ! كما تجدر الملاحظة إلى أن نظام نميري وبعدما لوثته الإسلامية المتأخرة اتجه إلى طبيعة أكثر انغلاقا وتسلطية، فصرّح رئيسه في عام 1984 (بعد إعلان التشريعات الإسلامية صار الجند جند الله وصارت معصية الحاكم معصية لله).

وإذا تغاضينا عن حقيقة أن اعتماد الانقلاب كآلية للوصول إلى السلطة يرتبط بمنطلقات الإسلام السياسي التي تقدس العنف وترى بأن غاياتها المقدسة تبرر استخدام كل الوسائل للوصول إلى تلك الغايات، إذا تغاضينا عن ذلك، فلا يمكن التغاضي عن الاستنتاج النظري بأن سلطة الإنقاذ ولأنها تدعي تمثيل الإسلام فإنها وبطبيعة ادعائها نفسه صادرت الحريات أكثر وبالتالي استرخصت الدماء ونهبت المال العام أكثر.

ما يتردد عن وجود فساد داخل النظام يمكن تبريره بأنه يرتبط بأشخاص ولا يمس المشروع الإسلامي بشيء والدليل تقديم البعض للنيابات. وعن هذا الأمر، يقول الحاج الورّاق، إنه لا يمكن إنكاره حتى من مؤيدي النظام، فالسودان الدولة رقم 173 من 176 دولة في مؤشر منظمة الشفافية العالمية عام 2012. لكن الفساد يرتبط بالمنطلقات الفكرية الرئيسية -المنطلقات التي تستهين بالحكمة الإنسانية التي تراكمت عبر آلاف السنين وساهم فيها المسلمون أنفسهم- من ضرورة وجود مؤسسات وآليات المراقبة والمساءلة والشفافية والنظم الإدارية والمحاسبية الملائمة؛ ولكن سلطة الإنقاذ بادعاءاتها عن الأسلمة والتأصيل وعن (خيرية) و(صحابية) منسوبيها، حطمت أو قوضت أو أضعفت المؤسسات والآليات الكفيلة بمكافحة الفساد، كرقابة البرلمان المنتخب انتخابا حرا ونزيها، واستقلال القضاء والإعلام الحر المستقل، ولهذا انتهت إلى فساد شامل ومؤسسي، وانتهى أدعياء (الملائكية) إلى أسوأ ناهبي المال العام في تاريخ السودان الحديث.

والأهم أن الإبادة تجد جذورها في المنطلقات الفكرية الأساسية للإسلام السياسي، مثل ادعاء تمثيل الله تعالى على الأرض، والذي يفضي بالضرورة إلى الانغلاق والتعصب وعدم قبول الاختلاف والمغايرة، كما يفضي إلى اعتبار المخالفين لحزب (الله) إما كفرة أو مرتدين أو منافقين مما يؤدي إلى استسهال القمع وجز الرقاب. إضافة إلى منطلقات الهوية المغلقة وغير التاريخية (نحن) – المسلمين (والتي تنتهي إلى الإسلاميين) في مواجهة (هم) – وتبدأ (هم) بالمختلفين دينيا وتنتهي بالمختلفين سياسيا، حتى وإن كانوا داخل حركة الإسلام السياسي نفسها، و(نحن) و(هم) في قطيعة حدية بلا مشتركات إنسانية تجمع كل البشر، ومثل هذا الفهم يرتّب منطقيا رفض المنجزات الإنسانية التي طورها غير المسلمين، من جانب، ومن جانب آخر يرتّب أيضا عدم قبول التعدد والاختلاف وبالتالي الإقصاء والتهميش وتبرير الانتهاكات. فضلا عن منطلقات تقديس العنف (الجهاد) وتصويره كآلية شاملة وكونية للتغيير، بل وجعله معيارا لولاء وإخلاص الأعضاء، وهذه مع منطلقات التكفير والطاعة العمياء للقادة وذهنية ونفسية (المؤامرة)، تشتغل كمنظومة فكرية فقهية تُجيز وتبرّر الإبادة.

تعصب وانغلاق المتأسلمين يمثلان حالة من الشذوذ عن مخزون التجربة التاريخية السودانية


شرعية الإسلام السياسي


يشير المفكر السوداني إلى أن شرعية سلطة تيار الإسلام السياسي ليست مرتبطة بخدمة المحكومين وإنما بمعاقبتهم، وفي ذلك مخالفة حتى لما استقر عند المسلمين الأوائل بأن واجب الحكام (سد الجوعة وتوفير الحرفة)، ولكن الأهم أن ذلك ينتهي إلى سلطة تشرّع نفسها بالسماء الزائفة بديلا عن أرض الناس واحتياجاتهم وهمومهم ومطالبهم وآمالهم، سلطة تذهل عن توفير المياه الصحية لمواطنيها لأنها مشغولة بالتجسّس عليهم وتتبع عوراتهم وحلق شعور الشباب، وتدفع مواطنيها إلى حياة اجتماعية غير كريمة ومع ذلك فإنها “سلطة شرع الله” التي تشكل معارضتها (ردة) تستوجب شنّ (الجهاد) أي العنف المقدس.

ولأنه عنف “ممثلي العناية الإلهية في الأرض”، كما يدعون، ضد الكفرة والمنافقين وعملاء المؤامرة الصليبية الصهيونية، فإنه عنف وثوقي لا يشك ولا يتردد، وبالتالي عنف باهظ ومتوحش، وفي حال مقاومته – خصوصا مقاومة مسلحة – فإنه يصل إلى تتويجه الأعلى – إلى العنف بلا عقال قانوني أو أخلاقي أو ديني، عنف غياب العقل والوجدان، عنف الجنجويد والإبادة الجماعية.

لقد قاد ادعاء الحركة الإسلامية الأصولية تمثيل الله تعالى في الأرض، إلى نتيجتين كارثيتين، فمن ناحية، قاد إلى الاستهانة بالوسائل، بغض النظر عن أخلاقياتها. ولأن الغايات غير متناهية، بمعنى أن أية غاية كليةـ كمملكة الله في الأرض أو الفضيلة أو العدالة أو الحرية ـ ليس لها حد نهائي، فكلما تحققت في مستوى معين، يمكن تطويرها إلى أعلى، وبالنتيجة، فإن الغاية النهائية لن تتحقق أبدا، وما يتحقق فعلا هو جماع الحركة تجاه تلك الغاية، أي أن ما يتحقق فعلا إنما هي الوسائل، وبالتالي، فإن الوسائل لا يمكن فصلها عن الغايات، والذي ينفق عمره يكذب ويتآمر وينتهك الحقوق والحرمات في انتظار غاية ما، فسيجد أن حصيلة حياته العملية إنما هي وسائله من كذب وتآمر وخوض في الدماء.

والنتيجة الكارثية الثانية للإدعاء الأصولي أنها سحبت تمثيلها للمقدس على نفسها كحركة، فصارت هي نفسها مقدسة، وكذلك هيئاتها وقياداتها، والأهم أن القداسة انسحبت على وسائلها وممارساتها السياسية، بغض النظر عن أخلاقياتها. وفي ذلك خطأ منطقي بيّن، لأن إضافة النسبي إلى المطلق لا تُحوّل النسبي إلى مطلق، وبالتالي، فإن إضافة الدنيوي إلى الديني لا تُحول ما هو بشري إلى مقدس. ولتخطي هذه المفارقة، فإن قيادات الإسلاميين تعتمد حيلتين أيديولوجيتين، الأولى حيلة (التأصيل)، أي الاستشهاد بآية قرآنية أو حديث نبوي أو واقعة في السيرة النبوية، واقتطاع هذا الاستشهاد، دون هدى وبلا نور، من سياقه الكلي – سياقه الديني والأخلاقي والتاريخي، ومن ثم توظيفه أيديولوجيا على الوقائع المغايرة والقائمة حاليا.

أما الحيلة الثانية، فإعادة التسمية، حيث تسمى ممارسات الحركة الإسلامية بأسماء مستوحاة من المناخ الديني، بما يجعل هذه الممارسات تندرج في سياق مختلف عن سياقها الفعلي. وبواسطة هاتين الحيلتين، فإن الكذب على الجماهير يتحول إلى (تدابير) ويتحول نقض العهود إلى خدعة والحرب خدعة. ويصور استهداف المدنيين والأبرياء بوصفه جهادا. ويتحول اغتيال القيادات والرموز إلى مجاهدة لأئمة الكفر، وتتحول المحسوبية والمظالم إلى (تمكين)، وتسمى بيوت الأشباح حيث يمارس تعذيب المعارضين بيوت (التوبة)، ويتحول التزوير إلى عبادة !! والتحسس والتجسس إلى (أمن مجتمع).

البلاد متعددة الأديان والثقافات، وأيدلوجية النظام السوداني بغض النظر عن النفاق أيديولوجية أحادية وإقصائية. وفي بلد تكوّنت فطرته وسجاياه على السماحة والاعتدال، فإن تعصب وانغلاق المتأسلمين يمثل حالة من الشذوذ عن مخزون التجربة التاريخية السودانية، وإذ عدلت الخصائص والوشائج الاجتماعية السودانية القوية بعضا من غلواء المشروع الابتدائي الأصلي للمتأسلمين، فإنه لا يزال أدنى من أن يفي بمتطلبات العيش الوطني المشترك. وهذا فضلا عن كونه يصطدم مع مقتضيات المواطنة الإنسانية في العالم المعاصر – عالم حقوق الإنسان- حيث إضافة المتأسلم الأصولي لهذا العالم (فقه التوحش)، فقه العقاب ومصادرة التنوع والاختلاف، وهو فقه حين يكون أمينا مع منطلقاته يصل إلى جز الرقاب وأكل الأكباد والقلوب، كما يفعل مجاهدو داعش والنصرة في القرن الحادي والعشرين.

12