الحاخام إيهودا غليك والهيكل المدفون تحت الأقصى

الأحد 2014/11/09
غليك تعرّض لتهديدات بسبب سلوكه المستفز

اشترط أهل القدس على جيش العرب المسلمين ألا يسلموا مدينتهم إلا للخليفة عمر بن الخطاب، فذهب أمير المؤمنين راكباً من المدينة إلى الشام، ولما وصل سلّموه المفاتيح، وكتب عهدته العمرية الشهيرة، فلما حان وقت الصلاة طلب أن يختاروا له موضعا ليقيم عليه المسجد، فقالوا: صلّ هنا يا أمير المؤمنين، وقال آخرون: بل صلّ هنا يا أمير المؤمنين، ولكن عمر تلفت يميناً ويساراً وقال: أين كعب الأحبار؟ فجاؤوا به، فقال عمر: أين أصلّي يا كعب؟ فقال كعب بسرعة: هنا يا أمير المؤمنين، فكرّر عليه عمر السؤال ثلاث مرات، وهو يشير كلّ مرة إلى مكان، فقال له عمر بن الخطاب: ولكني رأيتك تخلع نعليك حين مررت بذاك الموضع من الأرض، فحاول كعب التهرّب، فقال له عمر: قد رأيتك، وأمر ببناء الجامع في الموضع الذي خلع كعبٌ فيه نعليه وهو يمرّ به، رغم أنه كان أرضاً خربة.

هذا ما يرويه التاريخ، وما استند إليه كثير من المؤرخين اليهود، من أن المسجد الأقصى، بني فوق البقعة المقدسة عند اليهود، التي يؤمنون أن هيكل سليمان، كان مقاما فيها، قبل أن يتم تخريبه.

ولكن تلك الرواية من كثير مما سمّي بالإسرائيليات التي وضعها الحاخام كعب وغيره في التاريخ العربي والإسلامي، ولا يعرف مدى دقتها، ولا سبب إصرار عمر بن الخطاب على بناء الجامع فوق الأرض الخربة، وكيف يستقيم هذا ويتفق مع زجر عمر بن الخطاب نفسه لكعب الأحبار عن رواية الحديث، وقوله له: “والله لئن لم تنتهين لألحقنك بأرض القردة”، وكذلك قول معاوية بن أبي سفيان عنه: “إنا لنبلو عليه الكذب”، كما لم يقبل كبار من الرواة النقل عن كعب الأحبار مثل النووي وابن قتيبة.


هيكل سليمان المفقود


مرت دهور، وهيكل سليمان الذي يتغنى به اليهود، مطمور تحت غيوب التاريخ، فلم ينبش أحدٌ الأرض للبحث عنه، حتى في أزمنة انحطاط الحكم العربي الإسلامي للأراضي المقدسة، وحتى في ذروة هيمنة الملوك في عهد الحروب الصليبية، فبقي الهيكل قميص عثمان اليهودي، الذي يجذبهم إلى فلسطين.

مرت دهور، وهيكل سليمان الذي يتغنى به اليهود، مطمور تحت غيوب التاريخ، فلم ينبش أحدٌ الأرض للبحث عنه، حتى في أزمنة انحطاط الحكم العربي الإسلامي للأراضي المقدسة، وحتى في ذروة هيمنة الملوك في عهد الحروب الصليبية، فبقي الهيكل قميص عثمان اليهودي، الذي يجذبهم إلى فلسطين

وقبل أيام أطلقت النار على إسرائيلي من أصول أميركية، هاجر مع أسرته في سن التاسعة فقط إلى أرض الميعاد، وعرف في إسرائيل بأنه رمز استفزاز الجيش والشرطة، وأنه داعية استرداد الهيكل من تحت المسجد الأقصى، إيهودا غليك، وقد اشتهر غليك بأنه قائد حملات النضال في سبيل الحق اليهودي في الصلاة داخل المسجد الأقصى، والصعود إلى جبل الهيكل، وكان قد بدأ نشاطه من داخل حزب الليكود، قبل أن يتم تكليفه برئاسة مؤسسة “تراث جبل الهيكل”، ليتكرّس كقائد لمنتدى المستوطنين في الضفة الغربية. وبعد عوفاديا يوسف، من الصعب أن تجد في إسرائيل يمينياً أكثر تطرفاً من إيهودا غليك، فقد نشط في مجال تشجيع الهجرة إلى إسرائيل، وعمل على مدى عشر سنين في وزارة الاستيعاب والهجرة، وناطقاً رسمياً باسم الوزير بولي أدلشتاين، ومديراً لمركز “الهوية اليهودية”، ووقف في وجه قرار آرييل شارون بفك الارتباط مع غزة وسحب الجيش منها.


حارس الهيكل


قدّم غليك نفسه كرأس حربة لمشروع استرداد الحق اليهودي في البقعة المقدسة، وكثيراً ما هاجم أعضاء الكنيست والحكومة الإسرائيلية لتقاعسهما عن الاهتمام بهذا الحق، مما تسبب في حرمان اليهود من الصلاة فيه وزيارة جبل الهيكل، وخاض من أجل هذا أشكالاً مختلفة من الاحتجاجات، كالمسيرات بالتشارك مع موشيه فايغلين، بهدف اقتحام المسجد الأقصى، وهدفه الرئيسي تحويل مناشداته ومطالبه إلى قانون إسرائيلي ملزم صادر عن الكنيست.

ودأب إيهودا غليك على كتابة المطالبات والبيانات وإرسالها إلى الحكومة الإسرائيلية للضغط عليها من أجل تحقيق هدفه، حتى أنه صرّح مرة قائلا: “جبل الهيكل هو مصدر حياتي ومصدر رزقي أيضاً”.


ابن البروفيسور


عاش إيهودا غليك بداية حياته في مدينة بئر السبع، في أسرة ربّها الوالد البروفيسور شيمعون غليك، مدير كلية الطب في جامعة بن غوريون، فدفع ابنه إيهودا لدراسة التوراة وتاريخ الشعب اليهودي حتى حصل على الماجستير فيهما، واتخذت حياته شكلاً محافظاً فحرص على بناء عائلة كبيرة فهو والد لثمانية أبناء، وخلال العام 2013 أصدرت شرطة الاحتلال، أمرا بحظر دخوله للحرم القدسي، فأعلن الإضراب عن الطعام احتجاجاً، وقال إن إسرائيل “حررّت القدس لكنها لم تحرر شرطتها بعد من الخوف والجبن، إزاء العدو الإرهابي”.

لكن ومع دعم شيمعون لولده وتنشئته على تلك الصورة، إلا أنه لا يبدو راضياً عن فقدان إيهودا السيطرة على نفسه، فقد صرّح مؤخراً للإذاعة الإسرائيلية بأنه يؤيد دخول اليهود إلى الحرم القدسي لكنه هو شخصيا لا يقوم بذلك، وأقر بحق المسلمين في الصلاة فيه، ولكنه وصف ولده إيهودا بأنه “ناشط معطاء وليس متطرفاً”، وأضاف: “كان غليك هدفا منذ أيام لتهديدات محددة في وسائل الإعلام الفلسطينية وكانت الشرطة على علم بذلك”.

قدّم غليك نفسه كرأس حربة لمشروع استرداد الحق اليهودي في البقعة المقدسة، وكثيرا ما هاجم أعضاء الكنيست والحكومة الإسرائيلية لتقاعسهما عن الاهتمام بهذا الحق، مما تسبب في حرمان اليهود من الصلاة فيه وزيارة جبل الهيكل، وخاض من أجل هذا أشكالا مختلفة من الاحتجاجات


لماذا الهيكل


الجبل الذي يطالب به غليك هو جبل المُريا، وعلى جبل المُريا، حسب التوراة وقعت كل الأحداث الكبرى في التاريخ الديني، قصص آدم وحواء وفداء ابن النبي إبراهيم بكبش وبالقرب من هذا المكان بنى النبي والملك سليمان بأمر الإله هيكلاً للرب قرابة العام 1000 قبل الميلاد، وكانت تقدم عليه الذبائح الدموية الكفارية من البقر والغنم صباحاً ومساءً لمدة ألف سنة، ثم دُمر هذا الهيكل مرتين بسبب عصيان اليهود للرب (كما يعتقدون)، وكان آخر تدمير سنة 70 للميلاد، وبتدميره تخلخلت اليهودية، لأنه دون الذبائح الكفارية تكون عبادتهم ناقصة ومرفوضة، وهذا هو السبب في وقوفهم أمام حائط المبكى في مدينة القدس يترحمون ويبكون، ليعيدهم الله إلى سابق مجدهم ويسمح لهم ببناء الهيكل الثالث، وعلى هذا الجبل أيضاً، وفي مكان يُدعى جُلجُثة، أي الجمجمة، صُلب المسيح أيضاً، ليكون فداءً ثانياً، بدلاً عن تضحية إبراهيم بابنه، وحسب الديانة المسيحية، فإن الرب قرّر أن يفتدي بابنه الناس، ويسمح للضالين بصلبه، نيابة عن خطايا البشرية كلها، وليفدي آدم وحواء وهابيل وكل من يؤمن به من الطرح في جهنم والنار في اليوم الأخير، وليكفر عنهم بدمه الطاهر بشهادة الإنجيل.


محاولات لثني الإسرائيليين


يحاول كثيرون في إسرائيل وليس آخرهم إيهودا غليك، إعادة بناء الهيكل، وتم وضع المخططات المعمارية والميزانيات، من أجل هذا المشروع، وقالت منظمة العدل والتنمية لحقوق الانسان إن بناء هيكل سليمان الذى تم ذكره بالتوراة داخل القدس حال العثور على أنقاض الهيكل الذي تعرضت أجزاء منه للدمار سيدفع غالبية اليهود بمختلف الدول الأوروبية والأفريقية ويهود الشرق للهجرة إلى إسرائيل لإقامة مملكة أورشليم الأبدية، وطالبت المنظمة كافة الحاخامات اليهود داخل إسرائيل والولايات المتحدة بضرورة التأكد من وجود هيكل سليمان باستخدام أجهزة متطورة للكشف عن الآثار اليهودية في فلسطين وداخل الأردن والبحر الميت لأن اكتشاف الهيكل والآثار اليهودية يؤكد يهودية إسرائيل، وأشار المتحدث الإعلامي للمنظمة زيدان القنائي أن تحقيق النبوءات الواردة بالتوراة أو اكتشاف هيكل الرب سيؤدى بالفعل إلى إقامة الدولة اليهودية بالقدس وإقامة دولة إسرائيل الثانية بعد تدمير الدولة اليهودية الأولى في عهد نبوخذ نصر والتي كانت تضم العراق وسوريا والأراضي الفلسطينية، ولفتت المنظمة إلى أن الولايات المتحدة الأميركية وعددا من الدول الأوروبية من بينها السويد تسعى إلى عرقلة بناء الهيكل اليهودي كي لا تخسر الإدارة الأميركية الحلفاء العرب بدول الخليج والأردن.


من أطلق النار على غليك


وكشفت التحقيقات أن غليك كان قد تعرّض لتهديدات في الماضي، بسبب سلوكه المستفز، وكان أحد الشهود في تقديم تلك المعلومات والده نفسه، ولكنه لم يشر بإصبع الاتهام إلى الفلسطينيين فقط بل إلى الشرطة الإسرائيلية معهم، وبعد إطلاق النار عليه في آخر شهر أكتوبر ـ تشرين الأول من هذا العام 2014، اتهمت الشرطة الإسرائيلية الأسير السابق معتز حجازي، بإطلاق ثلاث رصاصات على غليك، نُقل على إثرها للعناية الفائقة في مستشفى “شاعري تسيدك” بين الحياة والموت، وقالت شاهدة عيان لإذاعة الجيش إن مطلق النار تحدث بلغة عبرية مع غليك وتثبت من هويته وقال له: “أنا مضطر لذلك فقد تماديت في استفزازاتك”، وأضافت إنها كانت تخرج من المحاضرة وكانت ساحة المعهد خالية عدا شخص وقف إلى جانب دراجة نارية يرتدي السواد ظنّت أنه أحد الحراس، لكنه رمى غليك بأربع رصاصات وفر من المكان.

ولا يغيب عن البال، أن الصراع داخل إسرائيل، بين معتدلين ومتطرفين، سياسيين ومتدينين، في أقصى درجات التناقض، الذي كانت من نتائجه عملية اغتيال اسحق رابين رئيس الوزراء الإسرائيلي بسبب دوره في عملية السلام مع الفلسطينيين، على يد متطرف يهودي، ولا تسمح إسرائيل لليهود بالصلاة في باحة المسجد الأقصى، ولكنها تخصص لهم أوقاتاً للزيارة، وهو ما كان غليك يطالب بتغييره، وعكسه تماما ومنع العرب المسلمين من دخول الباحة، التي يجاورها حائط البراق (جدار المبكى) الذي يعتبره اليهود آخر بقايا هيكل سليمان.

7