الحاخام يهودا غليك خليفة كاهانا يقود اقتحامات الحرم القدسي الأخيرة

الأحد 2017/07/23
الحاخام يهودا غليك يطالب بطرد العرب لتكريس يهودية الدولة

القاهرة- لا أحد أكثر سعادة ولا انتشاءً بالإجراءات الأخيرة التي اتخذتها السلطات الإسرائيلية ضد مدينة القدس مؤخرًا من الحاخام وعضو الكنيست يهودا غليك، الذي يعتبره البعض خليفة الحاخام مائير كاهانا، لكن كاهانا كان قد تم استبعاده من الكنيست وحظر حزبه ثم اغتياله على يد أحد الشبان المصريين بالولايات المتحدة، فالحرم القدسي الآن، بات تحت قبضة أشد همجية وقسوة من كل الأوقات الماضية.

اكتست القدس التي استضافت الرسل والأنبياء بمزيد من الأحزان في الأسابيع الأخيرة، فمنذ احتلال إسرائيل لها قبل نصف قرن ثم إعلانها عام 1980 عاصمة رسمية لها، لم يصل التصعيد والاستفزاز الإسرائيليان بها إلى حد منع صلاة الجمعة وتفتيش كل المساجد والمتحف ومكاتب مفتي القدس وإداريي الوقف (400 موظف بتمويل أردني)، وتركيب كاميرات داخل الحرم، ثم الاعتداء بالرصاص المطاطي على خطيب المسجد الأقصى وعشرين آخرين، ما جعلنا أمام تحول نوعي يخالف كل قواعد القانون الدولي بل ويجافي حتى تعاليم الديانة اليهودية وفتاوى الحاخامية الرئيسية.

خطورة الحاخام وعضو الكنيست غليك تكمن في تزعمه جماعة أمناء الهيكل والهيئات المنبثقة منها، والتي -على عكس تيارات يهودية كثيرة- تدعو إلى تغيير الوضع الراهن في الحرم القدسي والسماح لليهود بالصلاة فيه وليس الزيارة فقط حسبما هو الوضع الآن، كما تتمثل خطورته في توظيفه علاقاته داخل إسرائيل (بوصفه تقلد مناصب بارزة في حزب الليكود وفي وزارة استيعاب الهجرة) بجانب علاقاته الخارجية لتحقيق أغراضه.

على هذا يمكن اعتباره بالفعل مهندس اقتحامات الحرم القدسي الأول، والنسخة الأخطر من كاهانا (كان غليك هو المتحدث الرئيسي في الاحتفال بذكرى كاهانا العام الماضي)، وإذا ما طالعنا تاريخ هذه الشخصية وطبيعة أنشطتها نربط على الفور بين التصعيد والدعم والتخطيط الرسمي الإسرائيلي للاعتداءات غير المسبوقة على هذا الحرم.

الاستخباراتي المؤرخ

تنامي قوة غليك وتوغله بدآ منذ وصوله إلى عضوية الكنيست في مايو 2016، ليتوّج بهذا الوصول أنشطته ورحلاته الخارجية التي لا تجعل الأنظار فقط تتّجه نحو احتمالية نشوب حرب دينية شاملة في منطقة الشرق الأوسط، بل وتعبّر أيضا عن تزايد قوة المعسكر الداعي لاقتحام الحرم القدسي على حساب معسكر اليسار العلماني والحريديم والحاخامية الرئيسية في إسرائيل.

لم يوقف أنشطة غليك الاستفزازية تعرضه منذ عامين ونصف العام لوابل من الرصاص أدخله في حالة صحية حرجة، وأصيب بثلاث طلقات في النصف العلوي من جسده بعد انتهاء مؤتمر شارك فيه أعضاء كنيست بينهم شقيق زوجة نتنياهو حاجي بن أرتسي، كما لم تردعه إصابة زوجته بنزيف في المخ ودخولها في غيبوبة منذ نهاية يونيو الماضي.

نشاطه العلني ضد الحرم القدسي لم يمنعه من أن يشارك كضيف شرف في مؤتمر “الإسلام ضد الإرهاب” بتركيا

الحاخام غليك من مواليد 1965 في الولايات المتحدة وكان واحدًا من ستة أطفال أنجبهم أبواه، ثم هاجر إلى إسرائيل عام 1974 وعاش في إحدى المستوطنات ودرّس في الجامعة وخدم في الجيش الإسرائيلي بسلاح المدرعات، ثم سرعان ما انتقل للخدمة في المخابرات الحربية.

حصل غليك على درجة الماجستير في التاريخ اليهودي، وعمل بالتدريس لفترة قصيرة، ثم تم تكليفه بمهام واتصالات رسمية في الاتحاد السوفييتي السابق، وعند فتح أبواب الهجرة تماما أمام يهود الاتحاد السوفييتي تمت مكافأته بتعيينه في وزارة استيعاب الهجرة في مناصب بارزة، منها المتحدث الرسمي باسم الوزارة.

في عام 2005 استقال من الوزارة احتجاجا على الانسحاب أحادي الجانب من غزة، لينطلق في مهمة جديدة أخطر حيث أصبح مديراً عاماً “لمعهد أبحاث وبناء الهيكل”، وفي عام 2008 –وإلى جانب نشاطه كمحاضر في شؤون القدس وجبل الهيكل (الحرم القدسي) أسس صندوق ميراث جبل الهيكل، وقد أنجب غليك أربعة أطفال من زوجته التي سبق لها إنجاب طفلين من زوجها المتوفى كما تبنّى طفلين آخرين.

لحن المظلومية

على “لحن المظلومية” الذي يتغنّى به الحاخام المتطرف هو وزوجته كثيرا، لا يتردد غليك في أن يرتدي من حين لآخر مسوح العاقل المعتدل “نسبيا”، حيث هاجم مؤخرا رئيس قائمة الليكود في الكنيست الذي قال “كنت أتمنى ألا يتدفق العرب لصناديق الانتخابات بهذا القدر”، فردّ عليه غليك بأن “الديمقراطية تقوم على تشجيع إقبال الناس على المشاركة في التصويت”.

كانت تلك إحدى محاولاته المكشوفة لتجميل صورته القبيحة المعروفة للجميع في إسرائيل وخارجها، حيث سبق له وأيّد صلاة النساء أمام حائط المبكى وهو ما يرفضه أغلب الحاخامات، بل وأيّد المسيرة السنوية للشواذ جنسيًا في إسرائيل والتي يهاجمها غالبية المتدينين بعنف وصل إلى حد طعن المشاركين في المسيرة بالأسلحة البيضاء.

علاقات خاصة بتركيا

من مظاهر دور غليك الخطر أيضا أنه شارك، رغم نشاطه العلني المعروف ضد الحرم القدسي، كضيف شرف في مؤتمر “الإسلام ضد الإرهاب” بتركيا عام 2015، والذي رفع خلاله شعار الحوار بين اليهود والمسلمين، وبالفعل زار إسطنبول وتم استقباله بحفاوة واستضافه التلفزيون التركي.

غليك له علاقة خاصة مع تركيا من خلال الشيخ التركي عدنان أوكتار الذي أدلي في السابق بتصريحات اعتبرتها إسرائيل معادية للسامية وتنكّر للمحرقة النازية، لكنه بعد ذلك تقرّب من غليك، وعبّر عن رؤى “غير تقليدية” بالنسبة إلى مستقبل الحرم القدسي، وبالفعل حضر العام الماضي 2016 مندوبون عن الشيخ عدنان إلى إسرائيل وزاروا الكنيست والتقوا رئيس الوزراء وعدداً من كبار المسؤولين الإسرائيليين بصحبة غليك.

التصعيد والاستفزاز الإسرائيليان يصلان إلى حد منع صلاة الجمعة في القدس وتفتيش كل المساجد والمتحف ومكاتب مفتي القدس وإداريي الوقف (400 موظف بتمويل أردني)، وتركيب كاميرات داخل الحرم، ثم الاعتداء بالرصاص المطاطي على خطيب المسجد الأقصى وعشرين آخرين، ما يجعلنا أمام تحول نوعي يخالف كل قواعد القانون الدولي

زيارات غليك لتركيا زادت وتيرتها منذ عام 2009، وحصل على دعم من الشيخ أوكتار الذي صرح علناً بأن من حق اليهود الصلاة داخل الحرم القدسي. شارك غليك في العدوان الأخير على الحرم القدسي من خلال أنصاره، وهاجم في تغريدات “الوضع الراهن” وسخر منه واعتبره “ليس ديانة”، أي أنه يمكن تعديله والخروج على نصوصه، وبالفعل وبالتدريج تم منع موظفي الوقف من الاعتراض على إزعاج اليهود واستفزازهم للمصلين داخل الحرم.

هذا إلى جانب صيام غليك 52 يوما احتجاجا على منع الشرطة لدخوله للحرم لبعض الوقت في أعقاب صدور قرار من مجلس الوزراء بمنع أعضاء الكنيست من زيارة الحرم القدسي، وبالطبع كان المتضرر الأول والأخير هم أعضاء الكنيست العرب، حيث تم منعهم من الصلاة بالحرم.

إسرائيل أكثر يهودية

في العام 2015 حاز غليك على جائزة عوز تسيون “قوة صهيون” وهي جائزة تكرّم الشخصيات التي تقوم بجهود استثنائية لجعل إسرائيل أكثر صهيونية، كما أن منحه مركزاً متقدماً في قائمة حزب الليكود يعدّ تكريما وميزة مادية أيضا، حيث يبلغ راتب عضو الكنيست شهريا نحو 50 ألف شيكل وهو أكبر من رواتب أغلب أعضاء برلمانات العالم بنسبة 50 بالمئة، وينسب لغليك أيضا دوره في الترتيب لزيارة أول رئيس أميركي في المنصب لحائط المبكى، حيث كان قد اقترح على الرئيس دونالد ترامب، الذي أشاد به غليك كثيرا بعد فوزه في انتخابات الرئاسة، أن يزور الحرم القدسي بصحبته.

وفقا لآراء غالبية مصدري الفتاوى في إسرائيل فإنه محظور على اليهودي دخول الحرم القدسي خشية تدنيس قدس الأقداس، لكن المستغرب هو أن المعسكر الداعي للصلاة في الحرم القدسي يرفض وضع الحاخامية الرئيسية لافتة بالعبرية والإنكليزية عند باب المغاربة تعلن فيها الحاخامية، كما تعلن في مطبوعاتها الدورية، أنه محظور وفقا للشريعة اليهودية على أيّ شخص دنس الدخول إلى “جبل الهيكل”، بل ويطالب بتطبيق هذه القاعدة على المسلمين وليس اليهود.

عملت الحركة الصهيونية على الربط بين الحقوق الدينية والحقوق السياسية من خلال العبارة الشهيرة من المزمور 137 “إن نسيتك يا أورشليم تنساني يميني”، حيث يتلوها الأب وقت ختان ابنه، وهي جزء من تلاوة الشكر بعد تناول الوجبات خلال أيام الأسبوع، ومن المكانة الدينية المقدسة التي يزعمها اليهود بالقدس، ومن بينهم غليك، أسست الصهيونية أحد أهم ركائز عقيدتها مستخدمة إياها لتقوية الشعور بالانتماء الجمعي لليهود ودفعهم للهجرة إلى فلسطين مؤكدة على أهميتها الدينية ليلتف اليهود حولها ولتحقق الصهيونية أهدافها المتمثلة في السيطرة عليها.

عقدة القدس

الصهيونية الدينية التي تخدم في الجيش الإسرائيلي، مثلما خدم غليك، نظرت للسيطرة على القدس الشرقية، حيث حائط البراق، على أنه مؤشر لدخـول اليهود مرحلة جديدة تتطلب تحويل الدولة إلى دولة يهودية خالصة، لكي تتمشّى مع بداية تحقيق حلم الخلاص، أي أن الخلاص الديني ترجم إلى مفاهيم قومية، في حين تحرص بعض التيارات الحريدية المتشددة وعلى رأسها جماعة “نطوري كارتا” على عدم زيارة حائط المبكى في القدس لأنه من وجهة نظرهم محتل من قبل الصهاينة العلمانيين.

بشكل مواز نجد عددا من الإسرائيليين يقبلون بحل وسط في القدس، وهو ما عبر عنه أوري أفنيري حينما ذكر أنه “خلال مظاهرة تنادي بشعار القدس عاصمة لدولتين قررنا تجميع توقيعات لإصدار بيان تحت عنوان قدسنا، وبالفعل وقع المئات، وفي 25 يونيو 1995 كانت الدفعة الأولى من التوقيعات من الشعراء والكتاب والفنانين وأساتذة الجامعات والممثلين والشخصيات الإسرائيلية الشهيرة، وقد نشر البيان مع التوقيعات في صحيفتي ها آرتس وجيروزاليم بوست”، لكن من الواضح أنها تحركات رمزية لم تدفع الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة إلى تغيير موقفها من السيطرة على القدس أو تجميد الاستيطان بها.

غليك شارك في العدوان الأخير على الحرم القدسي

على أرض الواقع وجدنا إسرائيل تغلق مكاتب فلسطينية وبيت الشرق في القدس، في حين أن إسرائيل تعتبر أن سكان القدس من اليهود كانوا دوما أغلبية، ففي عام 1967 كان عدد اليهود 197700 بنسبة 74.2 بالمئة من السكان، أما غير اليهود فقد كانوا 68600 بنسبة 25.8 بالمئة وحتى عام 1992 لم يختلف الوضع كثيرا، ثم زادت نسبة الفلسطينيين حيث بلغ عدد اليهود 401000 بنسبة 72.1 بالمئة وعدد غير اليهود 155500 بنسبة 27.9 بالمئة مع ملاحظة سرعة نمو المتدينين عموما والحريديم بشكل خاص في القدس.

وفقا للأرقام الرسمية الإسرائيلية فإن عدد سكان القدس عام 2016 بلغ 850 ألف نسمة، منهم 61 بالمئة يهود، و2 بالمئة مسيحيون، ونحو 37 بالمئة مسلمون، مع الوضع في الاعتبار أن اليهود المتدينين ينجبون بكثافة، فضلا عن بناء المستوطنات بها الأفقية والرأسية بزيادة عدد الوحدات داخل نفس المستوطنة لاستقبال المهاجرين.

الغريب في الأمر أن مواقف المستوطنين وغلاة المتطرفين بقيادة غليك تتعارض حتى مع القوانين الإسرائيلية وليس مع قرارات اليونسكو الأخيرة فقط، فقد حدد قانون القدس الصادر في 30-7-1980 في عهد حكومة بيغين أن “الأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية ستصان من التدنيس أو أيّ مساس بها من أيّ شكل، ومن أيّ شيء من شأنه أن يمس بحرية الوصول لأبناء الديانات إلى الأماكن المقدسة، أو بمشاعرهم نحو هذه الأماكن”. وهو ما لم تلتزم به إسرائيل بالطبع.

من كل ما سبق يتضح أن الهدف من تحركات الحاخام غليك وأنصاره هو سلخ القدس عن الضفة الغربية ثم تفريغها من سكانها المرابطين ونزع السيادة الإسلامية أو الحكم الذاتي عن جبل الهيكل (الحرم القدسي).

ومن ثم فإن غليك يروّج لفكرة أن فعل المسلمين ما يحلو لهم داخل الحرم القدسي أمر غير مقبول، ولا يجب السكوت عنه، ووصل التشدد لدرجة تصوير استمرار الأوضاع الحالية في الحرم القدسي، سيادة المسلمين الدينية عليه، بأنه أمر يتناقض مع الشريعة اليهودية ويجب التصدي له بأسرع وقت، مع أن هناك حاخامات يعرفون بالضبط تخوم الهيكل وهو ما ينفي شبهة تدنيسه ويمنعون شرائح عريضة من المتدينين من اقتحام الحرم.

غليك يروّج لأنه كما يوجد من ينكرون حدوث الكارثة النازية يوجد أيضا مسلمون ينكرون أن الهيكل الأول والثاني أقيما هناك، وهو يزعم أن المسلمين يريدون بهذه الطريقة قطع أيّ علاقة لليهود بالمكان، وفي هذا الإطار يأتي رفض غليك لإجراء أيّ مفاوضات بشأن القدس أو تأجيلها إلى أجل غير مسمى.

8