الحارة الشعبية في مصر لا تقدّم دائما سينما مشوقة

فيلم "دماغ شيطان" سلسلة من الجرائم العبثية تقودها الخيانة والفوضى.
الجمعة 2021/01/22
الأحياء الشعبية ثيمة مكررة

لا شك أن تراكما مشهودا في تاريخ السينما المصرية يكفي لاتخاذه رصيدا كافيا للارتكاز عليه والنهل منه وخاصة في التجارب أو الأعمال السينمائية الجديدة التي يفترض أنها لم تغادر ذلك التراكم المعروف. لكن هناك أعمال تقع في فخ التقليد أو الاستسهال والنمطية، فتكون وكأنها تكرار لما سبق لا إضافة فيها.

السينما المصرية في اقترابها الشديد أو التصاقها بالواقع لم تترك موضوعا من موضوعات الحارة الشعبية إلا وطرقته، ولهذا فإن المضي في هذا النوع من الأفلام، إنما يستوجب دون أدنى شك أن يحمل الفيلم الجديد شيئا من الاختلاف، أو ما هو جديد في الشكل والمعالجة والبناء الدرامي.

لكن فيلم “دماغ شيطان” للمخرج كريم إسماعيل، لم يغادر تلك النمطية وبقي يسير في نفس ذلك المسار عبر اتخاذ الحارة الشعبية خلفية لأحداث متوالية تشتمل على خليط من الجريمة والخيانة والأحداث المشتعّبة.

جرائم متتالية

في البدء سوف تقع جريمة قتل يرتكبها شاب معاق أراد أحد الجيران الاعتداء عليه، وها هي الأسرة مجتمعة وأمامها جثة لرجل مصاب بطعنة في القلب، فلا يكون من الأم (الممثلة سلوى خطاب) إلا الاستنجاد بابنها سيد (الممثل باسم سمرة) الذي سوف يكون في لقاء غرامي مع سحر (الممثلة رانيا يوسف) التي تخون زوجها وتطارح “سيد الغرام” في وسط القبور.

الفيلم تم إنجازه في 12 يوما، فكانت أحداثه متضاربة تشوبها الفوضى وشخصياته هامشية بلا أهداف واضحة
الفيلم تم إنجازه في 12 يوما، فكانت أحداثه متضاربة تشوبها الفوضى وشخصياته هامشية بلا أهداف واضحة

وعلى الجهة الأخرى هنالك النسيب ناصر (الممثل عمرو عابد) الذي سوف يفقد زوجته بعد وقت قصير من ولادتها، ليقوم المخرج برسم هذا المشهد الغريب: سحر العائدة من لقاء غرامي تجلس قبالة الأم التي تطالب بإخراج الجثة التي تم إخفاؤها تحت السرير الذي تستلقي عليه الزوجة المتوفاة.

ولكي يكمل المخرج تلك التوليفة من الأحداث المتلاحقة سوف يقدم لنا زوج سحر الذي اكتشف خيانة زوجته، وليتم زجه هو وسيد في السجن في ظهور مفاجئ وغريب لضابط الشرطة وحرّاسه وهم يسوقون الاثنين إلى مركز الشرطة.

لكن الحوار الذي يدور بين الضابط وبين سيد هو من أغرب ما يكون، فالضابط يتشدّد ويصرخ تارة ثم يتحدث بهدوء وود مع سيد، ولا نعرف ما هي الغاية من كل ذلك، ولماذا أصلا تم زج سيد وغريمه في السجن؟

ولا تنتهي الأمور عند هذا الحد، فالجثة في الميكروباص وتتم المقايضة بها وبسيارة سيد إلى أن يجلب المال قبل التبليغ عنها. ويلجأ سيد إلى سحر التي تعطيه المال في مقابل قتل زوجها ليعيشا معا، لكنها فجأة تجهز على الزوج بضربة ثم نشاهد الاثنان وهما يحملان كيسين فيهما أجزاء من جسد الزوج مقطعة.

هكذا ببساطة يتم ارتكاب جرائم القتل تباعا وكل من يقف في الطريق يمكن أن يقتل ويتم نقله إلى المقبرة القريبة ليتم دفنه بمعرفة حارس المقبرة صديق سيد. وبذلك تتنوع مهمة حارس المقبرة بين دفن القتلى والتخلص من جثثهم، وبين توفير مكان للقاء الغرامي.

هذا التشوه والاعوجاج في الرؤية جعلا المخرج يتخبط في تقديم السيناريو الذي كتبه عمرو الدالي، وعلى الرغم من كونه كتب عدة سيناريوهات لأفلام ومسلسلات سابقة، إلا أن كتابته هذه وما فيها من عثرات لا تشير إلى نضج الخبرة بما فيه الكفاية.

ومن هنا سوف ننظر إلى مجمل الجوانب الفنية والإنتاجية لهذا الفيلم من منطلق المعالجة الأكثر واقعية للأحداث التي تميز بها.

فعلى صعيد الدراما افتقر الفيلم إلى أي تسلسل منطقي للأحداث يمكن أن تشدّ المشاهد، بل إن الفيلم بأحداثه هذه قدّم فكرة موغلة في “الركاكة”، وهي أن أسهل الطرق هي القتل وتقطيع الجثة أو إخفاؤها.

دراما مهتزة

أداء مميز وشخصيات هامشية
أداء مميز وشخصيات هامشية

لا يرتكز الفيلم على حبكة رئيسية رصينة مع بث حبكات ثانوية مستهلكة ومتوقعة، وبذلك بدت أحداثه مفككة وتحتاج إلى وعي كامل قبل زج الشخصيات في تلك الدوامة المفرغة من محتواها.

وعلى الرغم من الأداء المتماسك للممثل عمرو عابد، إلا أنه من المستغرب إشادته بدوره بل بهذا الفيلم، إذ يقول في مقابلة معه “انتهيت من تصوير فيلم بعنوان ‘دماغ شيطان’ مع باسم سمرة ورانيا يوسف، وأراهن عليه. فكرته جديدة ومهمة، وأعتقد أنه سيحقق نجاحا جماهيريا كبيرا”.

أما الممثلة المعروفة والمخضرمة سلوى خطاب، فتتحدث عن الفيلم قائلة “الفيلم تم إنجازه في ظروف سيئة جدا، بالإضافة إلى الإنتاج”، مضيفة أن “المخرج لم يأخذ وقته في إخراج الفيلم بطريقة جيّدة. الفيلم تم تصويره في 12 يوما فقط”.

على صعيد الدراما افتقر الفيلم إلى أي تسلسل منطقي للأحداث يمكن أن تشدّ المشاهد، بل إن الفيلم بأحداثه هذه قدّم فكرة موغلة في "الركاكة"

فيلم تم إنجازه في 12 يوما، أحداث متضاربة تنم عن فوضى وشخصيات بلا أهداف واضحة سوى كونها هامشية، كل ذلك غطّى على بلورة الشخصية الدرامية الرئيسية التي ضاعت في وسط تلك الدوامة غير المنطقية من الأحداث.

أما على صعيد المكان وجماليات الصورة، فيبدو أن فريق العمل قد غابت عنه ضرورة أن يحمل الفيلم حسّا جماليا وإحساسا بالمكان ولو كان فقيرا، سواء من ناحية استخدام الإكسسوار والديكور والإضاءة أو التصوير في أماكن حقيقية وما إلى ذلك من معطيات.

وبدا الفيلم في وضعه الجمالي والتصويري شبيها بأي مسلسل، فالأساس هو الحوار الذي يغلب عليه الصراخ والشخصيات تشبه بعضها البعض في استعداداتها الإجرامية. أما على صعيد المكان، فالبؤس في اختيار المناظر وأماكن التصوير كان هو الغالب لدرجة أنه من الصعب أن يعلق بالذهن مشهد واحد يستند إلى عناصر جمالية كافية، وكان الفشل واضحا في تجاوز ذلك من خلال الإضاءة واللون وزوايا ومستويات الكاميرا.

وإذا ما انتقلنا إلى ذلك النوع من السرد الذي أظهره الفيلم، فإنه يوقعنا في رتابة عجيبة وكأننا أمام فيلم من أفلام الخمسينات أو الستينات، حتى الصلاة على الجنازة وكيفية أدائها وحتى التلاوة القرآنية وحتى غسل المرأة وتكفينها وغير ذلك من الهزل والغثاثة في عرض تفاصيل هامشية لا قيمة لها، يضاف إلى كل ذلك افتعال كبير في أفعال بعض الشخصيات كشخصية الضابط أو الذي سرق الباص ويساوم عليه.

14