الحارسة الشخصية مهنة محل سخرية واستهجان

يرى الكثيرون أن لجوء بعض الرجال إلى النساء لحمايتهم وحراستهم مجرد “شــو”، ودعاية لجلب الشهرة، ويقول متخصصون في علم الاجتماع إن المجتمعات العربية المحافظة لن تتقبل ذلك الأمر بسهولة.
الأحد 2016/10/16
نساء نجحن في مهمة \"الليدي غارد\" رغم الاستهجان

استنكرت قطاعات كبيرة في المجتمعات العربية، مشهد النساء اللواتي قمن بمهمة الحارس الخاص للعقيد الليبي الراحل معمر القذافي، الذي كان حريصا علي أن تقوم بحراسته عناصر نسائية من دول أفريقية، كان يُطلق عليهن "الأمازونيات" والـ"حارسات الثوريات" في تسعينات القرن العشرين.

المشهد كان وقتها غير مألوف، نظرا لطبيعة المرأة، باعتبارها كائنا ضعيفا، لا يقدر على خوض العمل في وظائف تعرضها للخطر، وربما الموت.

مؤخرا أثار الفنان السوري، جورج وسوف، ضجة كبيرة، بعد نشره مجموعة من الصور على صفحته الرسمية على فيسبوك، برفقة سيدة، وكتب عليها "أبو وديع مع حارسته الشخصية نرمين"، وعندئذ تكرر ما سبق وأن واجهه القذافي من انتقادات، بسبب استعانته بالنساء لحمايته، حيث تسابق الكثيرون لتوجيه اللوم والتعليقات الساخرة، لاعتماد أبو وديع، على أنثى ضعيفة في بنيانها الجسدي، بالمقارنة مع الرجال، لحمايته.

هكذا تبيّن أن مرور الزمن بين المشهدين لم يغير شيئا، ولم يكن كافيا لتغيير النظرة المجتمعية للمرأة، التي تعمل في الحراسات الشخصية، ورأى البعض أن تلك المهنة تحتاج إلى رجل ذي قدرات بدنية كبيرة، وعضلات مفتولة، تثير الخوف والحذر والحيطة، وليس إلى فتاة تضج بالأنوثة والنعومة.

وأكد متخصصون نفسيون في تحليل الشخصية لـ"العرب"، أن الغرض من استعانة البعض بالسيدة الحارسة، أو "الليدي غارد"، هو إظهار هؤلاء المحميين للعالم من حولهم أنهم أقوياء في ذواتهم، ولا يخشون على حياتهم، ولا يريدون حماية، وبالتالي فإن وجود الحارسات الشخصيات معهم، الهدف منه مجرد السعي للشهرة، وليس الحماية.

تقبل البعض من المجتمعات العربية فكرة الأمن النسائي، لكن كنساء تحرسن نساء مثلهن، وليس رجالا، حيث بات من المألوف وجود فتيات يعملن في مجالات تأمين المتاجر والفنادق ودور السينما والنوادي والهيئات الخاصة والبنوك، وحتى الأماكن العامة.

وظيفة الليدي غارد من الصعب أن تتقبلها العقليات الذكورية التي ستعتبرها نوعا من الاستفزاز والاحتقار لفحولتهم

كما قبلت فكرة حراسة النساء للمباني السيادية، مثلما حدث في مارس 2016، عندما باشرت أول خمس نساء عملهن الجديد كحارسات لمبنى مجلس الأمة الكويتي (البرلمان)، بعد أن قرر البرلمان الاستعانة بالشرطة النسائية، لحراسة مبناه لأول مرة في تاريخ الكويت.

كان المستهدف إمكانية التعامل مع النساء والفتيات ليقمن بالاطّلاع على الأدوات الشخصية للنساء، تماشيا مع القوانين، وتطبيقا لحقوق المرأة، التي أقرتها منظمة الأمم المتحدة في العام 2001، والتي أكدت أن التفتيش الخاص بأدوات المرأة يجب أن يتم من خلال امرأة مثلها، وإلا فلا يصح تفتيشها احتراما لها ولحقوقها.

وتفضل بعض الدول، انتداب حارسات شخصيات في فرق الحراسة المخصصة للشخصيات المرموقة من السيدات، سواء زوجات الملوك أو رؤساء الدول، أو شخصيات سياسية أو شخصيات مستهدفة، ترافقهن في مختلف الفعاليات الرسمية، والمناسبات الخاصة والمهرجانات، وغيرها،

أما عمل المرأة في الحراسات الشخصية كحماية للرجال فهو أمر مستبعد، ومن الصعب بمكان أن تتقبله العقليات الذكورية، التي ستعتبره نوعا من الاستفزاز والاحتقار والمسّ بمبدأ الفحولة.

وأشار العميد محمد السيد، أحد الكوادر في الأمن العام بمصر، إلى أن وظيفة الليدي غارد، لن يقبلها المجتمع طبقا للعرف السائد، وتساءل: كيف يحرس الجنس اللطيف الجنس الخشن؟ ويرى أن عمل الحارس الخاص الرجل، أو البودي غارد، يحتاج إلى مجهود كبير، لا يتناسب مع السيدات، للفروق في البنية الجسمانية بين الذكر والأنثى.

وأوضح السيد لـ”العرب” أنه لا يوجد في القانون المصري ما يسمّى بالحارس الشخصي من الأساس، لما يمكن أن يسببه من حقد مجتمعي، خاصة أن الحالة الأمنية في مصر ليست بالدرجة التي تستدعي وجود من يقوم بحراسة الشخصيات في المنتديات العامة أو الفنادق.

إمكانية أن تصبح المرأة حارسة خاصة لأحد الرجال أمر يحتاج للمزيد من الوقت، كي تثبت التجربة نجاحها أولا قبل مطالبة المجتمعات العربية بتقبلها

ولا يوجد حتى الآن في وزارة الداخلية المصرية معاهد للتدريب على ذلك، سوى معهد خاص يسمى المعهد الفني للتنمية البشرية، لتنمية قدرات ضباط الشرطة، ويمنح دورات نظرية.

ما يقوله عميد الشرطة يبدد حلم هند وجيه عثمان، أول فتاة مصرية قررت أن تدخل مجال الحراسات الخاصة، وهي المهنة التي ظلت حكرا على الرجال لفترة طويلة، وقد أرادت أن تثبت أنه لا فرق بينها وبين الرجال.

هند لجأت إلى المعهد الفني للتنميـة البشرية بوزارة الداخلية، للحصول على دورة في هذا العمل، إلا أن تقدمها لم يتم قبوله بسهولة، كما قالت لـ”العرب”، لكن مع إصرارها ومؤهلاتها البدنية العالية، التحقت بالدورة واجتازتها بنجاح.

وترى الشابة العشرينية أنّ من يعمل في مجال الحراسات يجب أن يتمتع بمواصفات مهمة؛ مثل توفير الأمن والأمان الكامل للشخصية التي يحرسها، والأهم من ذلك قوة الملاحظة، ورد الفعل السريع، واكتشاف الأخطار قبل وقوعها.

مع أن هند حصلت على رخصة تعترف بامتلاكها تلك الصفات، إلا أنها لم تحقق هدفها الذي سعت إليه وهو القيام بحراسة شخصيات دبلوماسية.

لكن محمد منير، مدير التسويق والمبيعات بإحدى الشركات المتخصصة في عمليات التأمين والحراسة، والتي تضم بين كوادرها عناصر نسائية، قال إن حلم هند ليس مستحيلا، وإنها من الممكن أن تعمل في البداية كحارسة شخصية لإحدى السيدات، حيث أن المرأة أثبتت تفوقها بالفعل في مهنة الليدي غارد.

ولفت منير لـ”العرب” أن شاغلات هذا المنصب في الشركة (الحارسة الشخصية)، قد خضعن لتدريبات متخصصة، أشرف عليها ضباط سابقون، كانوا قد أنهوا خدمتهم في وزارة الداخلية، وذلك لإطلاعهن على أحدث الأساليب الدفاعية، والتعرف على مواطن الخطر التي تحيط بالشخصية المطلوب حمايتها، بالإضافة إلى تدريبات نفسية، على أيدي خبراء تنمية بشرية وأطباء نفسيين، لتمكينهن من السيطرة على مشاعرهن تماما، سواء كان ذلك تجاه السيدة التي تقوم بحراستها، أو الأماكن المهمة.

وقال منير إن المتدربات خضعن لاختبارات حركية صعبة، وبعضها غير متوقع، كتمثيل موقف تتعرض فيه الشخصية المحروسة لخطر مفاجئ، ومن ثم فإن على الحارسة أن تتصرف بسرعة، فضلا عن اختبارات نفسية متخصصة، لمعرفة سرعة الاستجابة وردود الفعل، والسيطرة على الأعصاب، والتصرف بحكمة إزاء أي موقف مفاجئ.

وأوضح أن كل شيء في بدايته يكون صعبا، لكنه ليس مستحيلا، ففكرة الأمن النسائي منذ بداية العمل بها قوبلت باستنكار شديد من المواطنين، وووجهت ببعض التشكيك، لكنهن نجحن في نهاية المطاف، في تغيير النظرة المجتمعية، وتحويلها من الاستخفاف والتقليل من شأنهن، إلى الاعتراف بقوتهن، وما يتمتعن به من ذكاء خاص، وسرعة بديهة عن غيرهن من الفتيات.

وشدد منير على أن إمكانية أن تصبح المرأة حارسة خاصة لأحد الرجال، كما يحدث في أميركا والهند وروسيا وغيرها، أمر يحتاج للمزيد من الوقت، كي تثبت التجربة نجاحها أولا قبل مطالبة المجتمعات العربية بتقبلها.

كاتبة من مصر

20