الحاسة الخامسة

الخميس 2015/10/08

ارتبطت حاسة البصر بفنون الرّسم والنّحت والمعمار والمسرح والسينما، وارتبطت حاسة السّمع بفنون الشعر والقصص والموسيقى والغناء، وارتبطت حاسة الشم بصناعة العطور، وارتبطت حاسة الذوق بفنون الطبخ، وأمّا حاسّة اللمس فقد يذهب الظنّ إلى أنّها لم ترتبط بأيّ منتوج ثقافي يذكر، ومن ثم يتم القفز عليها نحو افتراض حاسة سادسة.

لكن هل أنصفنا الحاسة الخامسة؟ عادة ما يقال إنّ ثقافة العين هي ثقافة النهار، حيث تعمل العين جيدا في ضوء النهار. وأمّا ثقافة الأذن فإنها ثقافة الليل، حيث تشتغل الأذن جيدا حين تضعف الرؤية. سأفترض شيئا آخر: ثقافة اللمس هي الأهم على الإطلاق. ذلك أن حاسة اللمس هي أولا، حاسة الجسد: فإن كان البصر حاسّة العين، والسمع حاسة الأذن، والشم حاسة الأنف، والذوق حاسة اللسان، فماذا عن حاسة اللمس؟ إنها لا تنحصر في اليدين كما يقال للأطفال، بل تشمل كامل جسد الإنسان.

ثانيا، حاسة الحياة: فقد يعيش الإنسان بلا سمع ولا بصر، قد يعيش أيضا بلا ذوق ولا شم، لكنه دون حاسة اللمس لن يستمر على قيد الحياة؛ فدون لمس الأشياء والهواء لن يشعر بأي وخز أو احتراق أو جرح أو نزيف أو لدغة أو لفحة أو قرحة، ما يجعله مهددا بفقدان الحياة في أي لحظة. لذلك، ليس مستغربا أن تكون حاسة اللمس أول حاسة تنشأ عند الجنين.

ثالثا، حاسة الإدراك: فإننا لا نرى الأشياء بل نرى صور الأشياء، أي انعكاس الضوء عليها.

إننا لا نسمع الأشياء بل نسمع أصواتها. وإننا لا نشم الأشياء بل نشم روائح الأشياء التي لها رائحة. ولا نتذوق الأشياء بل نتذوق طعم الأشياء التي لها طعم. لكن، حين نلمس فإننا نلمس الأشياء ذاتها. اللمس هو الحاسة الوحيدة التي تضعنا في احتكاك مباشر مع الأشياء، وتجعلنا ندرك الشيء ذاته وليس صوته أو صورته أو رائحته أو طعمه.
رابعا، حاسة المتعة: فلكل حاسة متعتها لكن الأصل في كل المتع هو اللمس. فلوحة الرّسم قبل أن تكون أشكالا وألوانا تسرّ الناظر فإنها لمسات يد فنان، ومعزوفات الموسيقى قبل أن تكون أصواتا وإيقاعات تمتع الأذن فإنها نقرات يد فنان، وكذلك نقول عن الطبخ والعطور بالنسبة إلى ملامس الصانع. ثم إن منتهى الشعور بمتعة البصر أو السمع أو الشم (وأما الذوق فقد نعتبره نوعا من اللمس بواسطة اللسان) هو قدرة المنتوج الفني على مداعبة الجسد، فيحلق به عبر التخيل والانشراح والتماهي والانجذاب.

خامسا، حاسة العيش المشترك: فإن الأجساد البشرية تحتاج إلى البقاء على مسافة قريبة من بعضها البعض، تحتاج إلى التقارب والتلامس. ولعل التدليك حاجة حيوية للأجساد، بل التصافح نفسه حاجة حيوية. وبالدلالة اللغوية فإن القدرة على التصافح هي القدرة على الصفح أيضا. أثناء التصافح نتبادل حرارة الحياة التي تسكن أجسادنا. لذلك نفهم كيف يرفض المتباغضون التصافح.

إن انعزال الأجساد عن بعضها البعض يعني بداية تدهور مستوى الشعور بالحياة. وإنّ الميل إلى التباغض والتباعد يعني وجود فراغات لتسلل ثقافة الموت والكراهية، وإماتة ما هو إنساني في الإنسان.

24