"الحاضر الذي يفيض" أوديسة هذا العصر

فكرة العرض انبنت على المزج بين أوديسة هوميروس المتخيلة وبين أوديسة أناس حقيقيين شاءت لهم أقدارهم أن يهجروا أوطانهم مرغمين.
الاثنين 2019/12/09
مزج بين الخيال والسينما بالمسرح

بعد “إيثاكا” التي مثلت جزءا أولَ من أوديسة زمننا هذا، عن الصعوبات التي واجهت أوليس للعودة إلى مملكته وأسرته، تقترح البرازيلية كريستيان جاتاهي جزأها الثاني في عمل بعنوان “الحاضر الذي يفيض”، عن خروج تيليماك بحثا عن أبيه، مازجة عمل هوميروس بالخيال، والسينما بالمسرح.

البرازيلية كريستيان جاتاهي هي سينمائية ومخرجة مسرحية، تمزج في أعمالها الفنين الرابع والسابع، وتقدّم أعمالا في صيغ تقع بين التخييل والتوثيق، وتضع علاقة الجمهور والممثل موضع تساؤل.

بدأت عام 2011 بإنتاج “جوليا” عن مسرحية أوغست ستنرنبرغ، ثم شفعتها عام 2014 بـ”هَبْ أنهم ذهبوا إلى موسكو” عن مسرحية تشيخوف “الأخوات الثلاث”، وأضافت إليهما عام 2015 “الغابة التي تمشي” عن مسرحية شكسبير “ماكبث" أعقبت عام 2017 بـ”قانون اللعبة” عن شريط جان رونوار بالعنوان نفسه. ثم انتقلت إلى الميثولوجيا الإغريقية منذ العام الماضي، لتنكب على أوديسة هوميروس، فأخرجت جزأها الأول “إيثاكا”، وأنجزت هذا العام الجزء الثاني وعنوانه “الحاضر الذي يفيض”، الذي يعرض الآن على خشبة “أوديون”.

وفي هذا الجزء الثاني، اختارت جاتاهي تقديم أوليس وبينيلوبي معاصرَين، فركزت على الجانب الآخر من الأوديسة، جانب متخيل بطله تيليماك، ابن أوليس، الذي استبطأ عودة أبيه فسعى في البحث عنه، ومن خلال هذا المسعى، تربط بين تيه ملك إيثاكا عبر ضفاف المتوسط، بعد نهاية حرب طروادة، وبين تيه من اضطر إلى مغادرة بلاده وأرضه وأسرته كُرها، وهذا هو الجانب الواقعي.

تقول جاتاهي “خرجتُ لملاقاة تائهين حقيقيين، كي يقدّموا شهادات عن حياة المنفى التي يحيَونها، كصدى لما عاشه أوليس بطل هوميروس من مشقات وشدائد”. فالفكرة التي انبنى عليها العمل هي المزج بين أوديسة هوميروس المتخيلة وبين أوديسة أناس حقيقيين شاءت لهم أقدارهم أن يهجروا أوطانهم مرغمين، فألصقت بهم صفة مهاجرين أو مغتربين، دون البحث عمّا يعانون من آلام وما يختزنون من تجارب وقدرات، فضلا عن رغبتهم الشديدة في العودة إلى ديارهم. فالأوديسة في نظر المخرجة البرازيلية هي ما ينطوي عليه كل واحد منا من مشاعر وأحاسيس، وما يمكن أن يستخلصه منها من حكايات، ما ولد أبعادا لا يمكن الإلمام بها في مشروع واحد.

مزج بين السينما والمسرح
مزج بين السينما والمسرح

بواسطة الكاميرا، سعت إلى سرد حكايات المنفيين المعاصرين، الذين اضطرتهم معاناتهم إلى نسيان ما عاشوه، والتوقّف عن التفكير في الغد. من فلسطين ولبنان واليونان وجنوب أفريقيا إلى غابات أمازونيا، تنقلت لتسجل مصائر من أخرجوا من ديارهم عنوة، وتصوّر أراضي حرثتها الصراعات السياسية وأعمال العنف المسلطة على البيئة، تستهدي في تنقلاتها بعمل شعري أسطوري صيغ قبل ثلاثة آلاف سنة.

وفي كل مرة تصادف جاتاهي أناسا يمكن أن يشكّل معيشهم صدى لأوديسة هوميروس. ففي لبنان صوّرت ممثلين سوريين عبروا عن استعدادهم لأداء فصل كيركي الساحرة، وفي جنوب أفريقيا، وجدت فنانين لاجئين من زمبابوي وملاوي لتمثيل فصل الدخول إلى هاديس ملك عالَم الموتى. وأنهت تجوالها في بلادها البرازيل، حيث تتقاطع حكايتها العائلية مع حكاية أوليس.

ولكن إذا كان بطل هوميروس عند عودته إلى إيثاكا قد سمع العراف تيرسياس يدعوه إلى اقتفاء آثار أسلافه، حيث الناس لم يروا البحر قط، فإن جد المخرجة لم يعثر على جثته إثر تحطم طائرة تقله في الغابات الأمازونية، أي في مكان لا يرى فيه الناس البحر أيضا.

لقد تحوّلت الخشبة لدى جاتاهي إلى “أرض حرام” بعبارة أحد النقاد، حيث لا مجال للممثلين كي يعبروا بألسنتهم. كمرآة معكوسة للجزء الأول، حيث احتل المسرح الجانب الأكبر من العرض، تغيّر الوضع في الجزء الثاني فحلت الشاشة، أو كادت، محل الممثلين، فإذا نحن أمام شريط يُعرض، وأمام ممثلين جالسين وسط الجمهور، يتفاعلون بين الحين والآخر مع أبطاله.

الخشبة لدى جاتاهي تحوّلت إلى "أرض حرام"
الخشبة لدى جاتاهي تحوّلت إلى "أرض حرام"

والحق أن خلط الأجناس والفنون هو سمة تميزت بها المخرجة البرازيلية، منذ أعمالها الأولى، ولئن وفّقت في ما قدّمته سابقا من مزج ماهر بين السينما والمسرح، فإنها أخفقت فيه هذه المرة، حيث طغت السينما على المسرح، بل ألغته.

ولئن كانت الفكرة جريئة، فإن وضعها موضع التطبيق جعل العرض متكلفا. ورغم المحاولة الجادة لتحطيم الحدود بين ماض فيلمي وحاضر ركحي، تحوّل العمل إلى مجموعة من الشهادات تتوالى داخل إطار تقني معقّد أفقدها زخمها وحرارتها.

ويسجل للعمل إثارته موضوعا ساخنا هو معاناة الإنسان الذي يُجتث من أرضه وجذوره. تقول جاهاتي “عادة ما نربط الأوديسة بالحركة، بالتنقل، ولكن ثمة علاقة قوية بمسألة السكن، وضرورة العودة إلى الوكر. الفلسطينيون يُعتبرون لاجئين، والحال أنهم على أراضيهم، بجوار بيوتهم، وهو ما يماثل وضع الناس في أمازونيا. البيت الذي نفقده يقع في الجوار، ولكن يستحيل بلوغه.

 عند الحديث عن الأوديسة، غالبا ما نفكّر في عبور شاسع، ورحلات كبرى، ولكن الجوهر أبعد من ذلك. أين بيتك؟ هل تبعد إيثاكاكَ مسيرة عشر سنوات، عشر دقائق أو عشر ثوان في حاضر لا يأتي أبدا؟ بيتك هو أسرتك، وتاريخك، والجذور التي أرغِمتَ على تركها”.

16