الحاضنة الاجتماعية تتصدى للحاضنة الإرهابية في ليبيا

الحاضنة الاجتماعية خرجت عن تحفظاتها، وشرعت في تكوين شبكة أمان متعددة الأوجه لدعم الجيش الليبي في مواجهته مع الحاضنة التي تأوي الإرهابيين.
الأحد 2020/02/23
دعم لامحدود لمؤسسة الجيش

لم تتوان القبائل الليبية عن ممارسة دور سياسيّ مركزي على مدار السنوات الماضية، لكنه لم يكن فاعلا بالدرجة الكافية، ربما انتظارا لمزيد من الوضوح في رؤى الأطراف المنخرطة في تفاصيل الأزمة، وربما لعدم اقتناع بعض القوى بهذا الدور والسّعي الحثيث لإبعادها عن المشهد، لأنها تعلم امتلاكها لكثير من مفاتيح الأزمة. حتى جاء مؤتمر شيوخ القبائل وأعيانها في ترهونة ليعيد إلى المكون الاجتماعي دوره المؤثر.

أخذ هذا المكوّن يستشعر الخطر مع تصاعد التدخلات التركية في الأزمة الليبية، وأصبح دوره مطلوبا، بل تمّ استدعاؤه على عجل، عقب توالي نقل الآلاف من العناصر الإرهابية والمتشددين والمرتزقة إلى طرابلس الذين أراد من دفعوا بهم التوطن في ليبيا، ما يخل بتركيبة مجتمعية تقليدية في البلاد، بكل ما تنطوي عليه من تداعيات تهدد الثوابت والقواعد الراسخة التي تتكون منها الدولة، وتنطلق غالبية التوازنات منها حتى لو بدا ذلك في وقت من الأوقات غامضا أو محدودا في تأثيراته.

تدرك القوى الليبية أن هناك معركة لكسر العظام السياسية والعسكرية تدور رحاها بين فريقين متصارعين، أحدهما يتزعمه المشير خليفة حفتر قائد الجيش الليبي، ويقف خلفه قطاع طويل من الوطنيين العسكريين والمدنيين، والآخر يقوده في الظاهر فايز السراج رئيس المجلس الرئاسي، رئيس حكومة الوفاق، وتتحكم في قراراته تركيا والميليشيات المسلحة.

وتدور في العلن والخفاء أيضا، حروب طاحنة على المستوى العسكري، نجح الجيش الوطني في تحقيق انتصارات عدة في غالبية محاورها، والتحقت بها معركة تفاوضية شرسة غير مباشرة، تتمثل في المناقشات الجارية في جنيف بين فريقين من العسكريين (5 + 5)، متعثرة ولا تزال نتائجها مجهولة، على الرغم من أجواء التفاؤل التي تعمّد إشاعتها أخيرا غسان سلامة المبعوث الأممي إلى ليبيا، وحاول فيها تأكيد أهمية الطريق الذي يسلكه.

تفكيك العقدة التركية

قطع الطريق أمام الأطماع التركية
قطع الطريق أمام الأطماع التركية

من المنتظر أن يشهد المستوى السياسي معركة أشد صرامة بين الفريقين المتصارعين عندما يتم تدشين مفاوضاته بمشاركة 40 شخصية في الـ26 من فبراير، ومرجّح تأجيلها في ظل التجاذبات الراهنة حول آلية اختيار ممثلي كل طرف، ومن يحق له المشاركة من عدمها، فالهوة شاسعة، ومن الضروري تضييقها حتى يتسنى للحوار أن يكون مجديا.

لذلك لن تختلف، حال التئامها، عن نتائج المستوى العسكري في الجولة الأولى بجنيف، ومن الصعوبة أن تتجاوز العناوين العريضة التي وضعها المستوى الاقتصادي في القاهرة منذ حوالي أسبوعين، وجاءت مخرجاته عقيمة، مؤكدة أن الحوارات المقبلة قد تشبه “حوار الطرشان”، من دون فك العقدة الرئيسية جراء الدور الذي تلعبه تركيا والعصابات المسلحة والإرهابيون، وألقت بظلالها على جميع المستويات، وجعلت أفق كل تسوية ممكنة بعيدة.

تشير تصرفات فريق السراج إلى أنه لا يريد تفكيك العقدة التي يرتكن إليها حاضره ومستقبله، ويضع العصيّ وسط عجلات أيّ تقدم فيها، ومهما طرحت مبادرات أو جرت لقاءات ومفاوضات، سوف تظل عملية الخلل الذي أوجده طوفان المرتزقة والإرهابيين بمعرفة تركيا، كابحا لأيّ تسوية سياسية، لأن هؤلاء جاؤوا ومعهم معدات عسكرية للحرب الطويلة، وأهداف متشابكة تجعل من ليبيا حاضنة اجتماعية لهم، وربما أحفادهم.

تعد انتفاضة القبائل في ترهونة قبل أيام بداية لسلسلة من الانتفاضات الاجتماعية لمواجهة فلول المرتزقة وداعميهم، ومساندة الجيش الوطني الليبي في عملية تحرير طرابلس. ومتوقع أن تتواصل اللقاءات على المستوى القبلي الذي لم تنتبه إليه جيدا الكثير من الطروحات السياسية في السابق، أو تعمدت تغافله، مع أنه أحد أهم رُمانات الموازين في دولة مثل ليبيا تلعب فيها القبيلة دورا كبيرا يفوق الأدوار التي تلعبها الأحزاب والقوى السياسية المختلفة.

خرجت الحاضنة الاجتماعية عن تحفظاتها، وشرعت في تكوين شبكة أمان متعددة الأوجه والأغراض لدعم الجيش الليبي في مواجهته الممتدة مع الحاضنة السياسية التي تأوي الإرهابيين، الأمر الذي يقوض الكثير من الأسس التي اعتمدت عليها تركيا في مزاعمها بأنها تدعم حكومة الوفاق الوطني التي تحظى بشرعية دولية.

بصرف النظر عن المغالطة في هذه المسألة وأهدافها، فإذا وضعت الشرعية المزعومة أمام الشرعية الاجتماعية الكاسحة سوف تتبدد الأولى وتحرج أصحابها، وهو ما يؤكد أن الالتفاف القبلي الواسع حول المؤسسة العسكرية الليبية يقدم لها دعما ماديا قويا، سوف تظهر نتائجه عندما تستكمل الفصول المتبقية في البنود التي حددها مؤتمر برلين بشأن ليبيا.

تآكل الأجسام الموازية

التفاف قبلي واسع حول المؤسسة العسكرية الليبية
التفاف قبلي واسع حول المؤسسة العسكرية الليبية

في المقابل، يتزايد التآكل في الأجسام التي تعتمد عليها أنقرة، وهي المجلس الرئاسي وحكومة الوفاق ومجلس الدولة الاستشارية، وبضع عشرات من أعضاء مجلس النواب الذين انتخبوا لهم رئيسا جديدا أخيرا (حمودة أحمد سيالة). وكلهم لا يتمتعون بوزن سياسي فما بالنا بالوزن الاجتماعي؟ الذي يعد نقطة الانطلاق لكثير من الخطوات خلال الفترة القادمة.

حاولت القيادات الإسلامية تنحية البعد الاجتماعي في ليبيا مرارا، وعزفت على وتر احتقانات سابقة، واستغلت خلافات قديمة، وأججت ثارات جديدة، وعملت على تغذيتها بالفتن والاستقطابات من هنا وهناك كي تتمكن من إخماد مارد القبائل، فهي تعلم مدى الخطورة التي تمثلها وحدة هذا المكون على التيار الإسلامي الذي يفتقد إليه تماما، ويقدم عليه المكون العقائدي، مصحوبا بإغراءات ورشاوى مادية سخية.

أوجد هذا التيار كيانات قبلية موازية وتابعة له دون وزن حقيقي على الأرض. وأهم ما ميّز اجتماع القبائل في ترهونة خلوّه من العنصر المؤدلج، وتغليبه العناصر الوطنية وتماسكها في مواجهة الحواضن الإرهابية التي تريد عدم مبارحة الدولة الليبية، وتأكّد هؤلاء أن التهديدات جادة بما لا ينفع معها التقاعس أو التراخي في مواجهتها، قبل أن يأتي يوم ويتضخم فيه دور المرتزقة والمتطرفين ويصعب اقتلاعهم.

تنطوي انتفاضة القبائل على رسائل سياسية متعددة لمن يهمهم الأمر. ففي الداخل تحيي سلاحا اجتماعيا بتّارا قام بدور مفصلي في كثير من الأزمات التي مرت بها ليبيا، وتقدم للجيش الوطني غطاء مهما في مرحلة اعتمد فيها أعداؤه على الترويج لخصومات مفتعلة بين المؤسسة العسكرية والقبائل، في محاولة لربطه بشخص قائده المشير حفتر وليس عموم الليبيين، ونفي الجذور الاجتماعية للمؤسسة العسكرية العريقة التي يقودها.

يبدو صعود نجم القبائل ودورها المؤثر في الأحداث السياسية في تزايد. وسوف تشهد الفترة المقبلة فعاليات عديدة لهم مع اختيار جسم يعبّر عنهم، ويصب في اتجاه دعم الخطوات التي يتبناها الجيش الليبي في مواجهة الإرهابيين والمرتزقة، ما يعزز موقفه أمام المجتمع الدولي، وأنه يحظى بشرعية شعبية ومجتمعية تفوق الشرعية السياسية التي يتشدق بها خصومه.

تحيل هذه المعطيات إلى البعد الخارجي مباشرة، حيث تجاهلت الكثير من المبادرات الغربية الدور المحوري للقبائل، وكرست جهودها في الحوار مع بعض الرموز السياسية، أو ما يسمّى بالقشرة الظاهرة التي حاولت شخصيات إسلامية معروفة بميولها التركية والقطرية تصديرها، على اعتبار أنها تمثل الجناح القبلي في ليبيا.

أخفقت كل الحيل، وبدأت القبائل تسترد دروعها التي أُهملت عن قصد أو دونه، ما يضع الملتقى الوطني الجامع الذي يريده مبعوث الأمم المتحدة على المحك، فالأسماء التي تسربت لحضوره لا تمثل الوزن النسبي الكبير للقبائل وما تحمله من مكونات دقيقة، يلتقي على عتباتها السياسي مع العسكري.

تكمن أهمية تفعيل سلاح القبائل في قطع الطريق على كثير من المناوشات الجانبية التي أرادت أن تجعل السياسي يتقدم على الاجتماعي، لأنها تعرف حجم الدور الذي يقوم به هؤلاء، وتشابكاتهم في المجالات المتباينة. ولذلك فالعودة إلى الحاضنة الاجتماعية تحمل مفاجآت تتجاوز حدود مقاومة الحاضنة الإرهابية.

6