الحاضنة الشعبية والميليشياوية في ليبيا

الحاضنة الشعبية لم تُلق بعد بكامل ثقلها في الأزمة الليبية وهي حتما ستنحاز إلى من يرفضون حكم الميليشيات وتمثل رديفا للحواضن الوطنية التي لا تتقاتل للحصول على غنيمة هنا أو هناك.
الاثنين 2020/07/20
الشرعية العملية يمتلكها أبناء البلد

البيانات التي صدرت متتابعة يوم السبت، وقيل إنها تمثل قبائل وأعيانا في ليبيا، لا يوجد فيها اسم زعيم قبيلة أو شخص ينتسب لأي من القوى المجتمعية الكبيرة التي جرى الزج بها. جاءت كلها بصياغة عدائية متقاربة ومجهولة المصدر، ما يعني أن جهة واحدة وقفت خلفها ووزعتها، تريد أن تحد من الآثار الإيجابية التي أحدثها لقاء مشايخ ليبيا مع الرئيس عبدالفتاح السيسي في القاهرة، الخميس.

منح لقاء القاهرة الذي حضره كبار مشايخ القبائل الليبية وممثلوها، بالصوت والصورة والاسم، والمنطقة التي جاءوا منها، في الشرق والغرب والجنوب، تفويضا جديدا لمصر ليتدخل جيشها عسكريا. ولن أعيد تكرار ما قيل في الاجتماع الذي بثته فضائيات مصرية وعربية، لأن رسالته واضحة، بينما الرسائل التي تتابعت بعد مضي ثلاثة أيام عليه، بدت مبتورة وغرضها إلغاء التأثيرات الناجمة عن لقاء القاهرة.

لم تجد حكومة الوفاق في طرابلس، المدعومة من تركيا، سوى اللغة الركيكة للتشويش على أي إنجاز يحققه المعسكر المقابل لها، والتشكيك في أي تطور يتم إنجازه، فعندما تدمر قاعدة الوطية يُقال إن طائرات مجهولة ضربتها، وعندما يحضر كبار القبائل يُقال إنهم لا يعبرون سوى عن أنفسهم، وهكذا تكر السلسلة حلقاتها لإيهام الناس بأن حكومة الوفاق جهة شرعية وحيدة، مع أنها فقدت هذه الميزة منذ ثلاثة أعوام، بانتهاء العمر الافتراضي لاتفاق الصخيرات.

الشرعية العملية يمتلكها أبناء البلد، لأنهم وحدهم قادرون على حمايته، وليسوا بحاجة إلى استيراد مرتزقة للدفاع عنهم، وهي الخطيئة التاريخية التي ارتكبتها حكومة الوفاق وتحاول مداراتها بالهجوم على خصومها، وتدوير وتقليب المفردات بما يوحي بأن للمرتزقة الذين ترسلهم تركيا حقوقا، ويكفي إلقاء نظرة على الفيديوهات التي تبثها قنوات عدة وتتضمن شخصيات تحارب على جبهات القتال لنعرف هويتهم.

أصبح الخطاب التركي طاغيا في طرابلس، فعندما تؤيد أنقرة حكومة الوفاق وتضخ إليها المعدات العسكرية وتمدها بالمرتزقة فهي تؤيد حكومة شرعية، وتعتقد أن وقوفها مع المعارضة السورية في وجه النظام الحاكم في دمشق يندرج تحت إطار مساندة الديمقراطية، ولا تعبأ بنسبة المغالطات التي تصيغها وتقدمها للعالم، فالمُهمّ ترويجُ أنّها تملك شرعية لتعزز حضورها حتى لو كانت كاذبة.

عرفنا الكثير من تفاصيل التحركات التركية المريبة، لكن المشكلة أنها بدأت ترشح بروافدها على مواقف بعض القوى الكبرى، فالبيان الذي صدر مساء السبت عن قيادات ألمانيا وفرنسا وإيطاليا ويحذر من استمرار تدفق الأسلحة على ليبيا، وينذر بفرض عقوبات على من يخرق حظر تصدير الأسلحة للطرفين، لم يأت على ذكر تركيا بالاسم، وهي المعروف أنها تقوم بذلك برا، وبحرا، وجوا.

كما أن حديث الولايات المتحدة عن المرتزقة كان يقتصر على اتهامات توجه لشركة “فاغنر” الروسية التي قيل إن عناصرها تقف بجوار الجيش الوطني الليبي، ولم تشر واشنطن إلى تركيا بوضوح، وهي التي سنّت هذه العادة مبكرا.

المرة الوحيدة التي تحدث فيها تقرير أميركي عن مرتزقة سوريين، شحنتهم أنقرة إلى طرابلس على دفعات، كان من خلال تقرير أعدته وزارة الدفاع الأميركية، وجرى الإعلان عنه الخميس الماضي، واقتصر على رصد ما بين 3500 – 3800 شخص قالت إن تركيا نقلتهم إلى ليبيا في الأشهر الثلاثة الأولى من العام الجاري.

توقف التقرير عند هذه الفترة لأسباب فنية أو سياسية لا يعني أن هذا هو العدد الكلي، فالنسبة الأكبر التي نقلت حتى شهر يونيو قدرها المرصد السوري لحقوق الإنسان بنحو 12 ألف شخص، ما يعني أن هؤلاء يمثلون كتلة حرجة في الحرب التي يتقاتل فيها جانبان لا يملك أحدهما هذا الرقم النظامي فعليا.

قدم البنتاغون دليلا عمليا، بصرف النظر عن الأرقام والتوقيتات، يؤكد أن تركيا مسؤولة عن نقل آلاف المرتزقة، وعسى أن تتجرأ وزارة الخارجية الأميركية وتستفيد من هذه الإدانة وتوقف العبث والتلاعب بالألفاظ، حيث أصبحت مشغولة فقط بـ”فاغنر”، وفي كل مرة يتم تسليط الأضواء فيها على مرتزقة تركيا تقلب الدفة بالحديث عن روسيا، ولا تريد تصديق النفي المتكرر لموسكو، بينما أنقرة اعترفت عيانا بيانا، ويبدو أن واشنطن أو أيّا من الدول الأوروبية لا تريد الاقتراب منها صراحة.

تستمد تركيا حاضنتها الشعبية في ليبيا من المرتزقة والإرهابيين والميليشيات المسلحة، وتصر على التعامل معهم كأنهم ضمن مواطني الدولة التي تدعي أنها ذهبت إلى نصرتها، وهي التي اتفقت فقط مع جناح فيها ميوله السياسية متطرفة، وتتحدث عن الشرعية دوما في حين أن وجودهم في ليبيا أو غيرها بلا شرعية حقيقية.

يشير المنطق الإنساني إلى محاربتهم والتخلص منهم وليس الاعتماد عليهم، ثم السعي لمساعدتهم على الانخراط في الجيش النظامي، وفتح المجال نحو تسويق فكرة خصخصته، ما يضاعف من صعوبة تشكيل مؤسسة عسكرية رسمية في ليبيا، لتبقى مفاتيح الحل والعقد ودواليب الدولة برمتها في يد مرتزقة يدينون لمن يدفع لهم أكثر.

لن يضفي هؤلاء شرعية على الوجود التركي، وبالطبع لن يؤدي إلى التقليل من أهمية الشرعيات الرئيسية التي حصلت عليها مصر، من الجيش الوطني والبرلمان والقبائل، وتمثل حواضن شعبية قوية، أو يمنعها من التدخل العسكري، إذا رأت ضرورة في ذلك، فمن الصعوبة أن ترضخ ليبيا لحكم يحميه مرتزقة وعصابات مجرمة، حتى لو نجحوا في إيجاد أمر واقع جزئي يقبل بهم، ففي لحظة معينة سوف ينتفض الليبيون.

الحاضنة الشعبية العريضة لم تلق بعد بكامل بثقلها في الأزمة، وحتما ستنحاز إلى من يرفضون حكم الميليشيات، وهي تمثل رديفا للحواضن الوطنية الثلاث التي لا تتقاتل للحصول على غنيمة هنا أو هناك، بل تعمل على استقرار الدولة ومنع تفتيتها، ومواجهة من يجدون في الفوضى ملاذا سياسيا وأمنيا لتحقيق طموحاتهم.

من الصعوبة أن يستمر طويلا صمت المجتمع الدولي، بعد أن كشفت العديد من التقارير طبيعة المهمة التي تشرف عليها تركيا، وما يمكن أن تنطوي عليه من مخاطر تهدد دول جنوب أوروبا، والتي لن يعد الخجل مجديا معها.

وإذا أخفقت الدول الغربية في التصدي الآن، فسوف ترتد توابع دورها في ليبيا إلى صدرها، فسلاح المرتزقة بات كثيفا وعابرا للحدود، ومن الممكن توظيفه بطرق متباينة، ما يفرض القيام بوقفة دولية حاسمة قبل أن يتحول إلى حاضنة ترعاها تركيا وتسبغ عليها الشرعية التي تتبناها، ليكونوا وكلاء لها في حروب قادمة.

8