الحاكم والمفكر.. وإمكانيات تفادي الخراب العربي

السبت 2016/09/10

في اجتماع المكتب الدائم للأدباء والكتاب العرب، قال الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء وحاكم دبي، مخاطبا المشاركين “الأدباء والمفكرون يحملون مسؤولية نشر روح التسامح بين الناس”.

“المفكرون” مفردة تكاد تكون شبه معدومة في عموميات السياسة العربية، وربما الشيخ محمد بن راشد أول حاكم معاصر يمر عليها كاعتراف رسمي بأهمية الفكر ودور المفكر، ليس فقط في نشر روح التسامح، ولكن في نهضة وتقدم المجتمعات.

هل يشهد الفكر العربي مرحلة انتقالية من ثورية الأيديولوجيات المستوردة ضد الحاكم، إلى العمل معه لأجل الإصلاح والخروج من صراعات القوى العظمى بسلام؟

عندما يتحدث الإعلام الغربي عن احتمالات اندلاع حرب عالمية ثالثة تتخذ من الشرق الأوسط ميدانا لها، لا بد من تحطيم جدار العزل الذي أقامته المؤسسات والتنظيمات الدينية بين الحاكم والمفكر لترسيخ كينونتها، مرة بتكفير المفكر، ومرة بترهيب الحاكم وإثارة البلبلة ضده.

ما أنتجته ثورات الربيع العربي من فوضى وعنف كشف عن جوهر الخلل في طبيعة المجتمعات العربية. لم تكن سياسة الحاكم أو الدكتاتور حقيقة المشكلة، ولكن دوره كامن في تغييبها والعجز عن إيجاد الحلول لها. قمع المؤسسات والتنظيمات الدينية للفكر العربي المؤمن بالوحي والمشكك بالتاريخ منع المفكرين من التمهيد للتغيير التدريجي من قاعدة الهرم إلى قمته، وتهديدها للحاكم جعله في موقع الدفاع عن النفس بنظام قمعي استبدادي يعمل لأجل الحفاظ على السلطة لا إدارتها. ماذا لو تم التغيير من خلال الحاكم لا من خلال قوى استعمارية وجدت في التنظيمات والمؤسسات الدينية وسيلة لتأجيج الصراع الداخلي وفرصة لعودتها بمسميات مختلفة؟

لو كانت العلاقة بين المفكر والحاكم قائمة على منفعة غايتها الصالح العام، كما أشار الشيخ محمد بن راشد، لتجنبت الشعوب العربية خراب الانتقال من الدكتاتورية إلى الديمقراطية.

لا وقت عند الحاكم ليكون مفكرا، ولا للمفكر قدرة ومؤهلات ليكون حاكما. ولكن عندما يرى الشيخ يوسف القرضاوي، وهو الأب الروحي لتنظيم سياسي ديني يسعى للاستيلاء على الحكم، في الفقهاء ورثة للأنبياء، ويرى فيهم علي خامنئي المرشد الأعلى للثورة الطائفية الشيعية ورثة الوحي بالنسب والدم، فهذا يعني أن ليست هناك سلطة في الدولة تعلو على سلطة الفقيه أو رجل الدين. لهذا ليس مستغربا لجوء الرئيس علي عبدالله صالح إلى سلطة خامنئي لاستعادة الحكم، أو بشار الأسد للحفاظ عليه.

إذا كانت القوى العظمى تريد الأرض العربية لبناء قواعد عسكرية وأسواق، والصهيونية تطارد حلما مقدسا، وإيران تريد رسم هلال طائفي تستعيد به مجدها الإمبراطوري، وتركيا تسعى إلى سلطنة إخوانية، فماذا يريد العرب؟

في كتابه “تصادم الحضارات” رأى صموئيل هنتنغون أن التصادم بين هويات الثقافات سيكون مصدر الأزمة بعد الحرب العالمية الباردة، بينما توعد السياسي المخضرم هنري كيسنجر، الشرق الأوسط بحرب عالمية ثالثة، تكون فيها إيران المسمار الأخير في نعش الدب الروسي والتنين الصيني، كيف يرى العرب دورهم في هذه التكهنات التي صارت تُترجم على الواقع؟

الحضارات المتصادمة في رؤية هنتنغون هي تراكم زمني للمعرفة، والتطور الذي يتوعد به كيسنجر العالم هو ثورة معرفية حديثة، فهل بإمكان الإسلام التاريخي ردم الهوة بين الماضي والحاضر في الحضارة الإسلامية، أو إحداث ثورة معرفية تواجه التطور الغربي في حالة حدوث حرب نووية؟

يبدو أن التجربة الإماراتية التي حققت قفزة نوعية واتخذت حيزا واضحا بين دول العالم المتقدمة في مجال البناء والإعمار، تمكنت من تشخيص المشكلة، ووجدت أن فتح الطريق بين الحاكم والنخبة من المفكرين فرصة لنهضة فكرية تبحث في الحلول ومواجهة الأزمات. هل ستتوقف باقي الشعوب العربية عند هذه التجربة الناجحة، وتعتمد على مفكريها في تحرير المعرفة والانتقال من الحروب الأهلية إلى التقدم والازدهار كالإمارات؟ سؤال ليس من السهل الإجابة عليه، لكنه بالتأكيد ليس متأخرا.

كاتبة عراقية

9