الحالة الإسلامية في الراهن الليبي

الجمعة 2015/04/17

دخل الإسلام ليبيا في عهد مبكر من انبلاج فجره. والمجتمع والعادات والتقاليد والأفكار والاثنيات والأقليات لم تتهاو تحت سنابك الخيول الإسلامية. لكن ثمة إضافة تحققت بالتوحيد والصلاة والصيام والزكاة وقوافل الحجيج وعمارة المساجد.

استمر المجتمع الليبي ينمو ويتمدد أو يتقوقع على مضامينه حسب الظروف والمتغيرات والأغيار الذين تهاطلوا عليه. أما الإسلام السياسي فهو حالة متأخرة في التكوين الليبي رغم حالة القداسة التي أضفاها الليبيون على المشائخ والأئمة والأولياء والصالحين ومعلمي القرآن.

تاريخ الإسلام السياسي أعلن عن نفسه منذ وفاة الرسول محمد عليه الصلاة والسلام ومنذ لحظة اجتماع سقيفة بني ساعدة وما رافقه من صراع على السلطة بين المهاجرين والأنصار، وحتى قبل أن يوارى جثمان صاحب الرسالة تراب المدينة.

منذ نشأ تنظيم الإخوان المسلمين في مصر عام 1928 بدا أن ثمة رعاية ما تدفع التنظيم لينتشر ويتمدد، لم تكن غايات التنظيم مجرد إحياء الدين واستنهاض همم المسلمين، ولكن التنظيم الدقيق وصرامته كانت تشي بتطلعات شرسة لهذا التنظيم.

بعد 20 سنة وجد تنظيم الإخوان المسلمين دارا أخرى في ليبيا لينتشر فيها ويتمدد على يد المصري عزالدين ابراهيم مصطفى، وعدد من المعلمين المصريين. غير أن المناخ السياسي في ليبيا لم يترك للإخوان حرية الحركة، فظل وجودهم محتشما وحضورهم خافتا، ولم يكن المجتمع معنيا بالممارسة الدينية السياسية خاصة مع انسجامه المذهبي.

الإسلام السياسي في ليبيا لم يقف عند حدود تنظيم الإخوان، الذي تهاوى تحت الضربات القاصمة لنظام القذافي، ولكن تشكيلات أخرى أخذت تتوالد، بعضها ارتبط بالحالة الليبية الخالصة، وبعضها جاء وافدا في شكل فروع لتنظيمات إسلامية وجهادية متمركزة في أقطار عربية وإسلامية أخرى.

حزب التحرير الإسلامي والحركة السلفية وأنصار السنة والجماعة المقاتلة وحركة التكفير والهجرة وجماعة التبليغ وحركة التجمع الاسلامي وغيرها، تباينت أدوارها وأنشطتها داخل المجتمع الليبي، وكذلك مواقفها من السلطة على امتداد 60 عاما.

الملك إدريس السنوسي استند على رصيد الحركة السنوسية الديني في تأكيد أحقيته بالسلطة، فيما اندفع معمر القذافي نحو تثوير الفكر والتراث الإسلاميين، مقدما نفسه كمصلح إسلامي، مستخدما جمعية الدعوة الإسلامية كذراع عالمية لتقديم نفسه كإمام للمسلمين، مشددا على ضرورة اعتماد القرآن الكريم مرجعا في كل التطبيقات المجتمعية، مقللا من أهمية الأحاديث النبوية مما أوقعه في صدام مع كثير من الحركات الإسلامية.

استمرت الشعارات الإسلامية مادة مثيرة في التعاطي مع الشأن السياسي الليبي، وانكبَّ الجميع على الاستعانة بالنصوص المقدسة والتراث الإسلامي وتاريخ الصراعات الإسلامية، ترجيحا لكفة تسيدها أو استعادة توازنها، فيما تناهبت المشاعر الإسلامية مواقف الليبيين بين مؤيد، ومستنكر لقمع الحركات الإسلامية المتدثرة بأجندات سياسية.

الأمر الذي جعل المجتمع يسقط بسهولة أمام “الغواية” الدينية الإسلامية التي أجاد الكثيرون استخدامها. بعد إسقاط النظام السياسي الذي شيده معمر القذافي على مدى 40 عاما، أعلنت عديد الحركات الإسلامية عن نفسها بحلة سياسية، مبدية عزمها خوض الصراع السياسي من أجل الوصول للسلطة وفقا لقواعد اللعبة الجديدة.

الإخوان المسلمون أبانوا عن أنفسهم من خلال حزب العدالة والبناء، أما الجماعة المقاتلة فقد انقسمت إلى حزبين؛ هما حزب الوطن وحزب الأمة، كما تشكلت أحزاب إسلامية أخرى صغيرة كحزب الأصالة وحزب الإصلاح والتنمية. إلى جانب هذه التنظيمات السياسية الإسلامية تسعى بعض التشكيلات الإسلامية المسلحة التي تمثل القوة الضاربة والرادعة والقامعة، بقوة، نحو تثبيت واقع سياسي إسلاموي جديد في ليبيا.

كاتب ليبي

9