الحالة السودانية بين الدولة والشعب

قبل البشير وإخوانه لم يكن أحد يتوقع أن يجوع السودان أو يكون في حاجة إلى مَن يقرضه المال لكي ينفقه على الخدمات الأساسية وعلى شعبه الذي كان يعيش دائما في صلح مع الطبيعة.
الأحد 2021/06/06
السودان الجديد يصطدم بالإرث الثقيل لحكم البشير

بعد ثلاثين سنة من حكم جماعة الإخوان وملحقاتها يبدو السودان أشبه بحالة مرضية ليس من اليسير علاجها بمجرد غياب الأسباب ذلك لأن كل العوارض لا تزال تشير إلى أن تلك الحالة يمكن أن تقود إلى الموت إذا لم يتم تطويقها من كل الجهات وبكل الأساليب.

ما فعله الإخوان بالسودان لا يمكن شطبه من الحياة العامة والسياسية السودانية خصوصا بإزاحة عمر البشير وحكومته من الحكم ومحاولة ردم الهوة التي تفصل بين السلطة وحركات المعارضة المسلحة وصولا إلى سلام لم يكن مدرجا على قائمة المشروع الإخواني الذي حول السودان إلى دار حرب دائمة.

فجرائم الحرب التي ارتكبت في عهد البشير ليست سوى المظهر المحلي الذي تجلت من خلاله سياسات الإخوان وهم يتخذون من السودان حاضنة لمشروعهم الأممي بعد أن استسلم لهم البشير سواء بشكل مباشر أو من خلال معلمه حسن الترابي، رجل الجريمة المتحذلق الذي لم ير في قتل السودانيين ما يهز مشاعره الدينية.

لم يكن القتل في الداخل السوداني هو كل شيء. كان ذلك من وجهة نظر الإخوان شأنا سودانيا صاخبا يسمح لهم بالقيام بكل نشاطاتهم التي تنطلق من السودان في اتجاه أهداف تقع خارجه. ولكن هل كان البشير على ذلك القدر المبالغ فيه من البلاهة حيث يسمح لعصابة بأن تتخفى وراء السودان وهي ترتكب جرائم عالمية؟

مشكلة ذلك الأبله أنه صدق أن في إمكانه أن يضبط حركة ضيوفه مثلما ضبط حركة معلمه الترابي الذي انتهى به المطاف لاجئا في قطر ومات هناك. الصحيح أن البشير نفسه كان إخوانيا. وكان تبنيه للفكر الإخواني بداية نهاية كل أسباب الحياة في دولة انتهت فقيرة بالرغم من أنها كانت مؤهلة لكي تصبح واحدة من الدول الثرية في أفريقيا.

قبل البشير وإخوانه لم يكن أحد يتوقع أن يجوع السودان أو يكون في حاجة إلى مَن يقرضه المال لكي ينفقه على الخدمات الأساسية وعلى شعبه الذي كان يعيش دائما في صلح مع الطبيعة.

بعد البشير وسطوة إخوانه ضاعت كل مفاهيم العمل وتدهورت الزراعة وباءت الصناعات التقليدية بالفشل وظهر الطفح العنصري وصار العنف عنوانا لإرادة أقلية حمقاء سعت إلى جر السودان إلى التهلكة وهو ما أنجزته حين غدا السودان محاصرا محروما من نعمة النظر إلى العالم بعيون مفتوحة.

أقفل الإخوان على السودان الباب ووضعوا المفتاح مثل لغم تحت وسادة البشير الذي قرر المضي قدما إلى الهاوية. فالمجتمع الدولي كان قد أبلغ البشير بأنه مطلوب إلى العدالة وعليه أن يضع يده على قلبه كلما فكر في السفر فقد يلقى عليه القبض بدلا من أن يمشي على السجادة الحمراء.

تلك نهاية يستحقها البشير باعتباره مجرم حرب، ولكن ما الذي حدث للسودان في ظل حكم استحق النبذ العالمي؟

ذلك ما سنتعرف عليه بعد سقوط البشير.

السودان الذي حوصر بتهمة تمويل الإرهاب وإيواء الإرهابيين صار عليه أن يدفع تعويضات لأسر الضحايا الأميركيين الذين قُتلوا على أيدي الإرهابيين الذين تكتمت الخرطوم على وجودهم. في الوقت نفسه فإن السودان في حاجة إلى مَن يمده بالمال في مواجهة أزمات شعبه المعيشية. لقد ترك البشير شعبا عاطلا عن العمل. وهو ما تفعله الحركات الإسلامية الأصولية دائما، بغض النظر عن توجهها المذهبي.

اليوم يشعر السودانيون بعد أن اختفت عصا البشير أن من حقهم أن يعملوا بعد سنوات من الضياع قضوها في مسيرات بدائية استثمرها الإخوان في تنفيذ مشاريعهم التخريبية في العالم. كان السودان عبر تلك السنوات أشبه بمنصة لإطلاق الصواريخ على أهداف لم يكن الشعب السوداني يعرف عنها شيئا.

لقد فقد السودان أهليته باعتباره دولة يمكن الوثوق بها أو التعويل عليها. كان السودان بمثابة وكر لمجرمين مطلوبين عالميا. أما حين سقط البشير فقد اختفى أولئك المجرمون وصار على السودان أن يدفع الثمن وحده. لذلك يمكن القول إن السودان في كل المعايير هو دولة فاقدة الأهلية ولا تشكل نجاتها من حكم البشير وإخوانه إلا بداية عصر جديد، يمكن أن يتعرف الشعب فيه على كيان الدولة بمقياس حديث.

لا الحكومة الحالية ولا الحكومات المقبلة يمكنها أن تعيد السودان إلى صورته بلدا منتجا، وهي الصورة التي تم تمزيقها من قبل الإخوان. لا ينفع التظاهر في تحقيق شيء من ذلك. في إمكان السودانيين أن يصنعوا مستقبلهم مستفيدين من أجواء الحرية من غير التعويل على الدولة المقيدة بديون البشير والإخوان وإرثهما الثقيل.

4