"الحايك" رداء مغربي تنازل عنه الرجال كساء للنساء

الأحد 2015/04/19
الحايك لباس تقليدي يرمز إلى حضارة مغربية عربية أصيلة

الكسوة والغطاء من الشروط الحضرية والاجتماعية للإنسان، وعلامة من علامات رقيه وتقدمه. وبمستوى كسوته ونظافته، ينال الشخص مكانة لائقة واحتراما في المجتمع. ولذلك قال الحكيم: “لباسك يرفعك قبل جلوسك، وعلمك يرفعك بعد جلوسك”.

دخلت “العرب” أنماط الحياة التقليدية للناس في المغرب، وسافرت بين مكونات الصناعات التقليدية في البلد العربي المفتوح على الحضارة الأوروبية، التي رغم تأثيرها فيه، بحكم سنوات الحماية، أو الاستعمار، بقي المغرب بلدا عربيا يحتفظ بمكوناته الثقافية والتراثية، الضاربة بجذورها في عمق تاريخه الاجتماعي المتميز.

وكساء “الحايك “، يعد من تلك المكونات الرمزية في الثقافة المغربية، بل وبلاد المغرب الأقصى عموما، التي تضم تونس والجزائر وليبيا، لكن سيتنازل الرجال عن ارتدائه، وسيهدونه كساء للنساء، اللاتي التففن وسطه تعبيرا منهن عن وفائهن للرجل الذي حماهن من بطش الأيام وصان كرامتهن..

كان المغرب في نهاية القرن الثامن عشر وبداية التاسع عشر، كما العديد من بلدان المعمورة العربية والأوروبية، هدفا ثمينا من أهداف الاستعمار المتربص للانقضاض والسيطرة على مستعمرات جديدة، وكان الإنسان المغربي، كما شقيقه العربي في البلاد العربية الشاسعة والغنية، عنيدا يرفض الانصياع وإنحاء هامته إلا لخالقه، وكانت المرأة، وما تزال، رفيقة درب الرجل الذي يسكن إليها وتسكن إليه، تخدمه وتعمل على إسعاده، راكنة إلى مشغلها المنزلي تعمل على إعداد وصناعة المادة الأولية لكسوته، “حايكه”، بنسج خيوطه الصوفية وحياكتها بفن ومقاس الحايك رداء الأجداد.

استمعت “العرب” في المغرب للسيدة السعدية، وهي اليوم عجوز يقارب عمرها الـ90 عاما، تنتمي إلى منطقة دكالة المغربية، حيث توجد مدينة الجديدة، على بعد حوالي 100 كلم غرب الدار البيضاء، التي تحكي أن أمها كانت تحدثها عن ذكريات زمان، وأن جدها الحاج بلعيد العبدي، الذي كان بعد جزه قطيع غنمه كل عام، يضع نصيبا أوفر من صوف الغنم المجزوزة جانبا لينسج منها رداءه الذي هو عبارة عن حايك قطعة واحدة من الصوف المنسوج، منه الخفيف لفصل الصيف والقيظ، ومواسم الفروسية ومباراتها الرياضية، ومنه الثقيل السميك المخصص لأيام البرد والشتاء.

الحايك هو قطعة واحدة من الصوف المنسوج، منه الخفيف لفصل الصيف والقيظ، ومواسم الفروسية ومباراتها الرياضية، ومنه الثقيل السميك المخصص لأيام البرد والشتاء

كان الأجداد في المغرب، تعلق السيدة السعدية، يجعلون من رداء الحايك لباسا فخما يلتفون به مفخرة في المناسبات والأعياد، أو حين يمتطون صهوات الخيل الدهمة العاديات، فكان رداء جميل يرمز للجاه والنبل، ويصنف صاحبه في مصاف علية القبيلة وكرامها، هذا إذا صاحبه الخنجر الفضي المعقوف النقوش باعتماد العاج في تركيبة مقبضه.

بعد تجميع الصوف وغسله وتركه للشمس على أشجار السدر الشوكي حتى يجف بلله، ويزول ما علق به من شوائب، تجلس سيدة البيت، كلما أنهت شغلها اليومي المعتاد، إلى ركن الصوف وسط الدار تنفشه وتباعد بين شعيراته الرقيقة، وتنهي تلبدها المشدود إلى بغضه بآلة “القُرشال” اليدوية، ذات الأسنان الحديدية المسطرة، ثم بعدها تستعمل “المُشط”، وهو آلة يدوية خشبية من طرفين اثنين، تباعد بها الحاذقة بين أجزاء الصوف الدقيقة جدا حتى يلين ملمسها، وبالمِغزل الخشبي التقليدي تقوم السيدة كل يوم بغزل خيوط الصوف وتجميعها كرات مختلفة الأحجام، تهييئا لها ليوم موعود، تضرب فيه أعمدة المنسج في الغرفة الكبيرة للدار، وتبدأ عملية تصفيف الخيوط على “المرمة”، وهي اسم مشتق من كلمة: الترميم، أي البناء والإصلاح. وفعلا هو كذلك ، فحياكة الحايك تحتاج إلى بناء وترميم لصناعته.

تحكي المصادر العارفة بشؤون الدرازة وبناء مناسج الحياكة في المغرب، لـ”العرب”، وأغلبها مصادر مراكشية نسبة إلى مراكش، المدينة المغربية التي لها صيت وشهرة في الصناعات التقليدية وضمنها النسيج والدرازة التقليدية، أن الحايك كان في زمنه رداء الرجال المتميزين، لقد ارتداه القادة والساسة، والقضاة والحكام، والشعراء والأدباء، فكان يرمز لليسر وسعة الرزق، في زمن كانت فيه الأثواب نادرة وقليلة جدا، وما كان يصل منها إلى مراكش وسلا وفاس والرباط، يتم جلبه من المشرق وبلاد الشام إبان موسم الحج، فيتم شراؤها ممن نجا من قطاع الطرق ولصوصها، فعاد سالما إلى بلاده من رحلة حج أو تجارة إلى تلك البلاد البعيد، التي كان الوصول إليها يعتمد السفر بقوافل الجمال والخيول والبغال، وسفن البحر وعباراته لمن زاد رزقه. وكان لتلك الرحلات طقوس وعادات يتميز فيها التاجر المغربي بالتفافه برداء الحايك الصوفي والخنجر الفضي المعقوف، والمصر، كيس النقود، وقرن مسحوق البارود، وبندقية تقليدية مرصعة بالفضة من نوع طلقة واحدة .. وهي نفس مواصفات اللباس التي يتقاسمها تاجر القبيلة مع فارسها، الذي غالبا ما يكون التاجر نفسه، الذي كان يمارس التجارة و”التبوريدة”، الفروسية التقليدية، في آن.

الحايك كان في زمنه رداء الرجال المتميزين، لقد ارتداه القادة والساسة، والقضاة والحكام، والشعراء والأدباء، فكان يرمز لليسر وسعة الرزق

بعد أن تباهى به الرجل المغربي مدة طويلة من الزمن، سيتنازل للمرأة عن رداء الحايك باستعماله الجلباب، اللباس الوطني للمغاربة اليوم، الذي برع الخياطون في رسم أشكاله وأنواعه، بين المراكشي والفاسي، السلاوي والرباطي، الجبلي والريفي.. وامتد الإبداع فيه حتى اليوم، فتم تقصير طوله لينسجم شكله التقليدي مع السروال العصري الوافد من فرنسا التي استعمرت المغرب لسنوات، فأثر بعض من حضارتها في مجتمعه.

وفي مدن الصويرة وآسفي، والجديدة والدار البيضاء، ستظهر المرأة المغربية في الدروب، وفي الشارع العمومي بعد ذلك، مكتسية بالحايك الذي سترها وزادها جمالية، خصوصا مع النقاب، فكان علامة بين الرجال على أن مرتديته سيدة متزوجة من رجل محترم، منحها رداءه فزادها به احتراما ووقارا. ومنذ ذلك الحين، حوالي 1940، لم يعد للحايك علاقة بصاحبه الرجل، إلا خلال مواسم ومهرجانات الفروسية التقليدية، حيث لا زال الفارس يحافظ على ارتدائه لباسا تقليديا يرمز إلى حضارة مغربية عربية أصيلة، أصل اللباس فيها ستر وحشمة ووقار.

21