الحبر الأحمر مفقود: أيام تشاوشيسكو الأخيرة

الأحد 2014/06/22
الكاتب يصوّر في روايته حالة السأم والضجر التي سادت بوخارست عشية سقوط ديكتاتور رومانيا الراحل نيقولاي تشاوشيسكو

باريس- من النادر أن تضيع الحرية دفعة واحدة، كما يقول فريدريخ هايك في كتاب “طريق العبودية”، ومن النادر أيضا أن يزول الاستبداد دون سابق إنذار، كما يبين باتريك ماك غينيس في روايته “المائة يوم الأخيرة” عن الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي مهدت لسقوط طاغية الكربات نيكولاي تشاوشيسكو.

باتريك ماك غينيس كاتب غريب الأطوار، فقد ولد في تونس من أمّ بلجيكية وأب إنكليزي كان موظفا في القنصلية البريطانية، مما اضطر الفتى إلى مصاحبة والده حيثما وقع تعيينه، متنقلا معه من فنزويلا وتركيا وإيران إلى بلجيكا والكونغو ورومانيا. ولع باللغة الفرنسية وآدابها وأعد أطروحة عن الرمزية لدى أعلامها، ثم التحق بمعهد سانت آن بأكسفورد لتدريس الأدب المقارن. ولكن سرعان ما عاودته رغبة الارتحال إلى فضاءات أخرى، فقبل مهمة تدريس الإنكليزية للجالية الدبلوماسية في بوخارست، تلك المدينة التي كانت تلقب بباريس أوروبا الشرقية. ونزل بها في خريف 1989، وهو لا يعلم أنها تشهد نهاية مرحلة.

يركز ماك غينيس في روايته على الأشهر الثلاثة الأخيرة لتشاوشيسكو تركيزا مجهريا، في ثوب روائي وشاعر وعالم يستقصي مصائر أصغر الكائنات حجما. ويصورها بكيفية خالية من الاعتبارات السياسية، والمواقف الإيديولوجية، واصفا واقع المدينة في جو يطفح بروائح نهاية الحرب الباردة، فبوخارست بالنسبة إليه تكاد تتلخص في روائحها، روائح الغبار بعد همي المطر، والسجائر الأجنبية، وخصوصا صناديق القمامة الخاوية أو تكاد، التي تنبعث منها، لفرط خوائها، روائح مخصوصة.

يقول الكاتب: “لم يكن في بوخارست ما يشغلني، فبدأت أدور وأتشمم، لأن في العفونة ما يصلح أن يكون مادة للكتابة”. ويصور حالة السآمة والملل التي ترين على المدينة وأهلها، متلمسا الفروق الدقيقة بين ضجر الغرب الليبرالي وضجر الشرق الشيوعي، ويتساءل: “هل جُعل الضجر الكلياني لهذا الغرض؟ أن يثير حواسّ شاعر تائه في أوروبا الوسطى عشية سقوط الشيوعية؟ ربما، فقد أحسست بأني مسكون بتلك المدينة منذ أن غادرتها.

الكاتب يصف الجوّ العام الذي كان يرين على المدينة وعلى البلاد بأسرها، والعلاقات التي تعقد في غفلة من العيون

كان النظام يلفظ أنفاسه، ولكني لم أكن أعرف أني أشهد منعطفا تاريخيا هاما. حاولت نسيان المدينة حال عودتي إلى إنكلترا، ولم أقدر. طوال عشرين عاما، ظل يراودني حلم غريب، كابوس كافكاوي كان يلمّ بي مرتين أو ثلاثا في الأسبوع. أرى فيما يرى النائم أن شخصا باهت الملامح يسلمني تصميم المدينة، ولكن التصميم أبيض خالٍ من أي أثر، كل ما كان فيه قام تشاوشيسكو بمحوه.

بعد أكثر من عشرين عاما، أي عندما أحسّ أن المادة اختمرت في ذهنه بما فيه الكفاية، قرر تناولها في عمل سرديّ هو الأول في مسيرته الأدبية، لكنه كان من الجودة والإتقان ما لفت نحوه النقاد والمترجمين، وعدّ خير عمل روائي أجنبي صدر في فرنسا العام الماضي.

تبدأ الرواية بوصول مدرّس إنكليزي شاب إلى بوخارست واكتشافه وجه رومانيا الشيوعية، والأيام الأخيرة من حكم طاغيتها. ثم يتعرف على ليو زميل إنكليزي استقر بها من سنين وتمرس بتجارة البضائع المهربة، حتى صار زعيم إحدى عصابات التهريب، والطالبة سيليا نجلة أحد الدائرين في فلك السلطة، وحياة البذخ التي تحياها.

وشيئا فشيئا يقف على مظاهر البؤس اليومي الذي يعيشه شعب لا يستطيع أن يجهر بما في صدره خوفا من عيون “السيكوريتات” المبثوثة في كل مكان، ولا أن يعترض على هدم المدينة ومعالمها وآثارها وتعويضها بأنصاب تمجد “الكندوتشاتورول”، وهو اللقب الذي كان يطلق على تشاوشيسكو، وسياسته وانتصاراته المزعومة.
حياة الضجر تحت نظام دكتاتوري

والكاتب لا يؤرخ لتلك الفترة، ولا يروي الانتفاضة التي أطاحت بالطاغية، بقدر ما يصف الجوّ العام الذي كان يرين على المدينة وعلى البلاد بأسرها، والعلاقات التي تعقد في غفلة من العيون، والتمردات الصغرى التي تحدث في قاع المدينة، برغم الخوف المستحكم في النفوس، والارتياب من القريب والبعيد، ويرى أن روايته لا تأتي بالجديد سوى أن الأنظمة تتعاقب، وأن البشر يظلون هم أنفسهم، وأن تلك الاستمرارية أكثر إلغازا وإرباكا من التغيير نفسه. ومن ثَمّ جاء تركيزه على حياة الضجر تحت نظام دكتاتوري، فلئن كان الضجر في بلاد الغرب كما يقول لحظة ارتخاء، وأنغامُ الحياة تدغدغ المسامع، فإن الكلياني منه مختلف تماما، فهو حالة انتظار يحمل داخله بذور خيبته، حيث يكون الحدث واستباقه متظافرين في دائرة من التوتر المتواصل والسقوط.

فوجئ البطل أول وصوله بمجتمع يسكنه الكذب والخداع، كل شيء فيه يتم بالتقسيط، من الكهرباء إلى الثقة في الآخرين. مجتمع خال من البراءة، يخضع فيه المواطنون للمراقبة ويخضع الجواسيس أنفسهم للتجسس، وتتراوح في أعطافه البرانويا بين العبثي والمثير للسخرية. واكتشف أن العلاقات التي تحكم الناس لا تقوم على الازدواجية، بل لها بعد ثالث، يمارس فيه العارفون حريتهم فيما بينهم وفق شيفرات محددة، وأن تجارة السوق السوداء استشرت حتى صارت منظومة خاصة، لها من يسيرها من المفسدين المقربين من السلطة، والويل لمن يجرؤ على فضح منظومة الفساد تلك. فالفساد قائم ولكن لا حق لأحد أن يشير إليه. وهو ما ساهم في ظهور طُرف ومُلح تنتقد النظام بشكل موارب، ويتداولها الناس سرّا في المجالس الخاصة.

وهذا يذكّرنا بطرفة من الطرف التي جمعها سلافوي زيزيك في أحد كتبه، ومفادها أن أحدهم أوصى أصدقاءه وهو يهمّ بالسفر إلى موسكو زمنَ السوفييت قائلا: إذا وصلتكم مني رسالة بالحبر الأزرق فصدّقوا فحواها. أما إذا جاءتكم مني رسالة بالحبر الأحمر فاحملوا فحواها محمل العكس. سافر الصديق وأرسل بعد مدة رسالة بالحبر الأزرق جاء فيها: “الحياة هنا على أحسن ما يرام. البضائع رخيصة، وسائل النقل مضبوطة المواعيد، الشغل متوفر، الإيجار زهيد، حرية التعبير مضمونة. الشعب في سعادة غامرة. ملاحظة: الحبر الأحمر مفقود”.

13