الحبر المالح

في هذا الظرف البَصْري المتحول لا أعتقدُ أنّ شهاداتِ الروائيينَ مجدية كثيراً . أو نافعة . أو ضرورية. أو مهمة.
الأحد 2018/09/09
الدمَ يعوّض ماء الحياة

نحنُ الآنَ في البصرة. وعلى مقرُبةٍ منّا شطّان / شط العرب / وشط الدّم / وكلاهما بَصْريّان. علامتان شاخصتان للمدينة تاريخياً وواقعياً.

الأول تطرّفَ في ملوحته. ثم تطرّف في سُمّيته.

والآخر لا يقلُّ عنه ملوحةً وتطرفاً في طعمه، فمِن شريان شطّ العرب تمتليء شرايين البصرة لتكتسبَ متونَها المالحة فترسمَ خريطتَها وتطْبعها في المكان قبل الزمان. ثم لاحقاً يأتي الزمان ليفسّر قُداسة المكان ؛ فهذا حبرٌ عراقيٌّلا يعرفه إلا مَن تمرّس بالوطنية والغيرة ، وقبل هذا مَن تمرّس بالمكان وأحبّه وذادَ عنه.

الحبرُ المالح يبدو وقدساحَ كثيراً في ساحات البصرة وشوارعها وبيوتها ، ليفسّرَ بوضوح طعمَ الماء البصراوي الآن ويكون الشاهدَ على أنهم قتلوا الماء - الحياة.

بين هذين الشطين نلتقي من أجل الرواية العراقية لنرى آفاقَها وتحولاتِهاوراهنَها. وهذا أمرٌ لا بأس به ؛ فالبصريون عادةً هم لمّاحون الى المتغيرات الثقافية وتحولاتِها وسبّاقون إلى احتضانها.

لكن ..

في هذا الظرف البَصْري المتحول لا أعتقدُ أنّ شهاداتِ الروائيينَ مجدية كثيراً . أو نافعة . أو ضرورية. أو مهمة.

أعتقد أن لا أهمية كبيرة لها على صعيد الواقع (الآن) ؛ فالواقع (هنا) يجري بحبرهِ المالح الجديد، وما كتبناه بحبر شارع المتنبي يبدو وكأنه  ناتج ثانوي خيالي في سردياتنا المتعددة.

ببساطة علينا جميعاً أنْ نأخذَ عيّناتٍ قليلةً من هذا الحبرِ الدموي المالح ونطابِقُها مع كتاباتنا في مختبرٍ شخصي ، لنرى مساحة الافتراق بين حبر الرواية وحبر الشهداء المالح.

هذه فرصتنا جميعاً .. أن نرى الدمَ يعوّض ماء الحياة .. الدمَ البصريّ الكثير ..ملحَ العراق الأبيض / الأحمر.

تلك هي الشهادة على الواقعة.

12