الحبيب السالمي: الكتابة فعل حرية وسفر ضد الموت

الكاتب والروائي التونسي يرى أن الجسد في الرواية والشعر ليس غائبا لكنه مغيب في الدراسات لأسباب مرتبطة بالدولة.
الأحد 2019/03/03
لن ندخل عصر الحداثة مادمنا لم نحل مشكلة البكارة

الحفر في رخام التفاصيل الصغيرة المهملة كقادح والتدرج شيئا فشيئا للوصول إلى الأحداث الكبيرة المؤثرة، لنخلص وننفتح على أسئلة الأدب العميقة وقضايا الفكر الكبرى، تلك ثيمة أعمال الكاتب التونسي الحبيب السالمي وخصوصيته التي تميزه عن باقي كتاب جيله. وقد ولدت وكبرت هذه التقنية في كل أعماله الروائية لتصبح أسلوبا فنيا خاصا به يحاول من خلاله رسم أحداث الرواية في ذهن القارئ وحفر أخاديد من الوعي المتلبس بالقص السلس المرح.

وربما نجاح ونجاعة لعبة التفاصيل هذه وتواصلها وتكرارها تؤصلها في مشروع أدبي متكامل يحاول السالمي بناءه، وقلعة فنية متراصة تتشكل جدرانها وأرضيتها نصا بعد آخر.

ولكل ذلك ليس غريبا أن تستدرج راويته الجديدة الموسومة بـ”بكارة” والصادرة حديثا عن دار الآداب، القارئ العربي إلى متاهات واستيهامات وعوالم الجسد والأنثى والبكارة والجنس عبر لعبة التفاصيل المخاتلة حيث تحاول معالجة مواضيع الحب والصداقة والجنس وبكارة جسد المرأة وعالم الأنثى الخفي عبر تفكيك هذه الظواهر الاجتماعية المعقدة وتحليلها وفضح المستور والخفيّ منها بطريقة موحية تحفر في الوعي الجمعي العربي.

وتعتبر هذه الطريقة الطريفة في القص وهذا الحفر رجع صدى فني للثورة التي تتوق لكسر الطوق وتعرية الفساد وفضح الكذب والنفاق والظلم وافتضاض بكارة الدكتاتورية، لنقرأ من وراء السطور ونتعثر بهذه العلاقة المتداخلة والمتناقضة بين الفنان والكاتب والمبدع والمثقف الذي يحاول تغيير الواقع بالحفر بمعول الفن غير المباشر في الوعي الجمعي، وبين الثائر الذي يسعى إلى التغيير والثورة بمعاول المواجهة والصدام والخطابات المباشرة في الجماهير. 

ولأن “الرواية ليست حكاية فهي ما يأتي بعد الحكاية لأنها ليست كيسا من الأحداث” مثلما يؤكد الحبيب السالمي في هذا الحوار، فان رواية “بكارة” تنفتح على موضوع البكارة والجنس الذي يحيلنا بدوره إلى الجسد العربي الذي لم يتحرر بعد ومازال يقبع في كهوف الظلام وأقبية المخابرات ورطوبتها وتحت التعذيب ولعبة تقليم الأظافر لكل سجان ودكتاتور جديد يأتي من الغيب.. هذا الجسد الذي يقبع في غياهب النسيان العربي حتى في الدراسات الأنثربولوجية والبحوث الفلسفية ولا يحضر إلا وهو عورة ومقيد ومكبل ومعذب وصامت ومكبوت ومحرم ومغيب ومفعول به وفيه.. في المخيال الشعبي والمخيال الديني والتراث. ولذلك فإن “الثورة العربية لن تكتمل إلا بتحرر الجسد العربي، لأن الكتابة هي فعل حرية وفعل امتلاء إنساني وسفر ضد الموت وضد الجمود، يضيف صاحب رائعة “روائح ماري كلير”.

و”بكارة” هي رواية السالمي العاشرة بعد روايات “جبل العنز″ 1988، “صورة بدوي ميت” 1990، “متاهة الرمل” 1994، “حفر دافئة” 1999، “عشّاق بيه” 2001، “أسرار عبدالله” 2004، “روائح ماري كلير” 2008، “نساء البساتين” 2010، و”عواطف وزوارها” 2013. أما في القصة القصيرة فقد صدرت له مجموعتان هما “مدن الرجل المهاجر” 1977 و”امرأة الساعات الأربع″1986. وقد اختيرت روايتاه “روائح ماري كلير” و”نساء البساتين” ضمن القائمة القصيرة للجائزة العالميَّة للرواية العربيَّة “البوكر” في دَوْرتي 2009 و2012، وتُرجمتْ رواياتُه إلى الكثير من اللغات.

أول مرة التقيت فيها الروائي الصديق الحبيب السالمي كانت في العاصمة الفرنسية باريس وقد فاجأني بلطفه وكرمه الكبير، وبعد حديث مستفيض عن الأدب والفن والثقافة والإبداع دعاني إلى جولة جميلة في ضاحية الجمهورية أين يقيم، ومع كل زقاق وشارع وتمثال نمرّ به كان يشرح لي تاريخه وحكايته وأدق التفاصيل المتعلقة بالمكان والإنسان والزمان بطريقة سلسة وبسيطة ومكثفة زادت من تعميق يقيني أنني أمام حكاء وروائي كبير. وبعد أن اتفقنا على تفاصيل إجراء لقاء طويل عن مسيرة هذا المبدع التونسي المتميز، تهنا في زحمة المدن والأيام.. وتأجل اللقاء أكثر من مرة إلى أن جمعتنا الصدفة المرتبة من القدر أخيرا في تونس العاصمة أين كان هذا الحوار الطويل والمشوق الخاص بمجلة “الجديد” حيث انفتحت شهية السالمي للحديث فتكلم بتلقائية وصراحة كبيرة كما لم يتكلم من قبل.

الجديد: روايتك “بكارة” الصادرة حديثا تعالج مواضيع الحب والصداقة والجنس وبكارة جسد المرأة، وتحاول تفكيك هذه الظواهر الاجتماعية المعقدة وتحليلها وفضح المستور والخفيّ منها بطريقة موحية تحفر في الوعي الجمعي العربي. فإلى أيّ مدى يعتبر هذا القص وهذا الحفر رجع صدى فني للثورة التي تكسر الطوق وتعرّي الفساد وتفضح الكذب والنفاق والظلم وتفتض بكارة الدكتاتورية؟

الحبيب السالمي: يمكن أن نعتبر هذه الرواية شكلا من أشكال فضح الفساد ولكن ليس بالمعنى الرائج لكلمة الفساد. الفساد الذي تناولته الرواية إذا نظرنا إليها من هذه الزاوية هو النفاق الذي يسود العلاقات الاجتماعية والذي ساد إلى فترات طويلة وأتت الثورة ففضحت هذا النفاق. الرواية كما تعرف تقوم على حكاية بسيطة جدّا كأغلب رواياتي وهي أن أحد أعيان القرية انتشرت بشأنه إشاعة مفادها أنّه لم يقدر على فض بكارة زوجته ليلة عرسه.

هذه الإشاعة ظلت داخل النفوس لمدّة عشرين سنة بحكم أنّ هذا الشخص كانت له سلطة وكان النّاس يحترمونه لحدّ ما وكان أيضا غنيا لحدّ ما وبالتالي كانوا يعتمون على هذه الحقيقة وأتت الثورة التي عرّت كل عيوبنا وفضحت تناقضاتنا وكانت مجالا لبروز هذه الإشاعة التي هي مبنية على حكاية قديمة يمكن أن نعتبرها حتّى مختلفة تماما. لا نعرف بالضبط هل فض بكارة زوجته فعلا أم لم يفضها.

لأن "الرواية ليست حكاية فهي ما يأتي بعد الحكاية لأنها ليست كيسا من الأحداث" مثلما يؤكد الحبيب السالمي في هذا الحوار، فان رواية "بكارة" تنفتح على موضوع البكارة والجنس الذي يحيلنا بدوره إلى الجسد العربي الذي لم يتحرر بعد ومازال يقبع في كهوف الظلام وأقبية المخابرات

أنا أستغلّ هذه الفرصة وأعرّج على مسألة الجنس وهو موضوع هذه البكارة الذي مازال يشغل العالم العربي إلى حد الآن وبرأيي هذا الموضوع من المفترض أن نكون قد تجاوزناه ليس تجاوزا أخلاقيا فقط وإنّما لأنّ طبيعة المجتمع الذي نعيش فيه الآن وطبيعة العلاقات التي تربط بين الذكر والأنثى في العالم العربي المفروض أن تختفي نوعيّة هذه العلاقات التي أحببنا أم كرهنا تطوّرت إلى حدّ ما، فمن المفروض أن تختفي مثل هذه الأشياء ولكنّنا للأسف مازلنا متمسكين بها.

أنا أرى أنّ التخلف العربي من هذه الناحية يتجسّد في مسألة البكارة وأنا دائما أقول متحديا قليلا بعض الأخلاق إنّنا لن ندخل الحداثة طالما لم نحل مشكلة البكارة. كل المجتمعات التي تطوّرت حلّت هذه المشكلة وتمثلتها وتجاوزتها نفسيا وفكريا وعقائديا. نحن مازلنا مرتبطين بهذه المسألة وهي مسألة بسيطة جدّا وكلنا يعلم أنّ هناك بعض النفاق لبعض الفتيات اللاتي يتزوجن وقد فقدن بكارتهن لكنّهن يستعدنها عند الطبيب. يعني هي موضوع يحوم حول الفساد والنفاق والكذب الذي عرّته الثورة من هنا أردت أن أربط المسألة بالثورة.

الجديد: وفي نفس هذا السياق، أيّ علاقة بين الفنان والكاتب والمبدع والمثقف الذي يحاول تغيير الواقع بالحفر بمعول الفن غير المباشر في الوعي الجمعي، وبين الثائر الذي يسعى إلى التغيير والثورة بمعاول المواجهة والصدام والخطابات المباشرة في الجماهير؟

الحبيب السالمي: في الحقيقة المبدع يكتب لا ليغيّر، المبدع يكتب لأنّه يريد أولا أن ينشئ شيئا ما ولكن هذا الشيء بما أنّه يعيش في مجتمع ما وله أفكار وآراء وهو أيضا مواطن مثل أغلب المواطنين ويعيش في ظرف تاريخي معين ويعيش في مكان معين وينتمي إلى ثقافة معينة، فمن الطبيعي جدا أن يتأثر بهذه الأشياء وتكون له مواقف مثل الثائر ومثل السياسي لكن هو يختزن هذه الأشياء ثمّ بعد ذلك يخرجها في شكل إبداع. هنا إذن تثير مسألة تأثير الإبداع في المجتمع هذا السؤال الذي دائما ما يطرح.

أنا أعتقد شخصيا أنّ الإبداع يؤثر، وأنّ العمل الإبداعي يؤثر لكن تأثيره ليس ميكانيكيا وليس آنيا خلافا لما نتصور، وكثير من النّاس يقولون إنّ الإبداع لا تأثير له إطلاقا وهم ينطلقون من حقيقة أعتبرها خاطئة وهي أنّهم يريدون أن يروا آثار ذلك التغيير بسرعة ومتجليا بطريقة واضحة جدا مثل السياسة وهذا غير صحيح تماما. لا ندري الطريق الذي يشقه النص الأدبي إلى القارئ وإلى وعي القارئ لأّنّ النص الأدبي يحفر مجراه مثل النهر ويصل إلى القارئ ويؤثر عليه ولكن أحيانا لا يعرف القارئ أنّه قد تأثر.

فعندما ننظر إلى المجتمعات العربية نجد أنّ هناك كتابا يكتبون عن الحرية وعن الديمقراطية وعن التحرر الجنسي وعن مقاومة الفساد وعن مقاومة الدكتاتورية فهناك ركام كامل لهذا الأدب منذ بداية القرن. فهل يعقل أن هذا الأدب لم يؤثر، صحيح هو لم يؤثر فنحن نتصور أنّه سيؤثر في كل مواطن. لا، هو أثّر في النخبة وفي أجيال وهي التي ستؤثر في المجتمع وتصبح غير قابلة للدكتاتورية وحتّى وإن قبلتها تقبلها إلى حدّ ما ثمّ تثور. لذلك في رأيي أن الإبداع له تأثير كبير جدّا لأنه هو الذي يصنع الإنسان، والإنسان هو الذي يثور لكن ليس هذا التأثير كما قلت واضحا وميكانيكيا إنما يأتي على مدى طويل، يعني يأتي نتيجة تراكمات.

الجديد: كيف ينظر الحبيب السالمي إلى الإبداع، هل الإبداع مهمّته طرح الأسئلة والتحفيز على السؤال والتفكير أم مهمته إيجاد الحلول؟

الحبيب السالمي: أعتقد أنّ الحلول بيدي السياسي، لماذا؟ لأنّ السياسي هو الذي لديه اتصال بالواقع وهو الذي يستطيع أن يغيره. أقدّم لك مثالا بسيطا: بعض المفكرين منذ عصر النهضة اقترحوا أفكارا، لكن هذه الأفكار لم تتحول إلى شيء ملموس وتمسّ بنية الدولة وبنية المجتمع العربي إلاّ عندما تبناها السياسيون العرب. فمثلا فكرة القومية العربية التي أصبحت فكرة بائسة اليوم وقديمة، فعبد الناصر ليس مفكرا، وإنما ساطع الحصري هو الذي وضع الأسس الفكرية للقومية العربية.

المثقفون هم الذين يأتون بالأفكار دائما، فحرية المرأة أتى بها قاسم أمين والطاهر الحداد وبورقيبة هو الذي طبقها. فالمثقف له تأثير عندما تستمع إليه النخبة السياسيّة لأنّها هي الوحيدة التي تمتلك أدوات التأثير والتغيير الحقيقي الفعلي لأنّ الكاتب لا يستطيع التغيير المباشر للواقع، حتّى وإن كان يطمح إلى أن يغيّر في النهاية كلامه يبقى لا قيمة له ولا يتحوّل إلى أفكار تطبّق في الواقع إذا لم يتبنّ السياسيون تلك الأفكار لأنّهم هم من يمتلك أدوات السلطة، لذا فإنّ الكاتب لا يقترح حلولا إطلاقا، الكاتب يجب أن يكتب ويكتب بشكل جيد فقط.

فمثلا عندما اندلعت الثورة التونسية كانت روايتي “نساء البساتين” قد صدرت قبل سنة تقريبا، ورغم أنه في تونس لم يقع الاهتمام بها صراحة إلاّ بنسبة قليلة، فالكثير من القراء والنقاد في الشرق العربي خاصة احتفوا بها جيدا واعتبروا أنني تنبأت بهذه الثورة، وكل الصحف كتبت هذا. قالوا لي هل تنبأت بهذه الثورة؟ فقلت لهم أنا لست نبيا، والكاتب ليس نبيا ولا يجب أن يكون نبيا ولا عرّافا. فقالوا لي ماذا حدث إذن حتى تنبأت بهذه الأشياء.أنا لم أفعل شيئا سوى أنني أصغيت إلى الواقع. والكاتب الحقيقي هو الذي يصغي إلى نبض واقعه. أن تعرف كيف تصغي لواقعك تلتقط ما يحدث بداخله وكل شيء سوف يأتي في ما بعد.

إذن في النهاية الكاتب لا يقدّم حلولا ولا يجب عليه أن يقدّم حلولا، وربّما حلوله ستكون تافهة. الكاتب هو الذي يشخص الوضع والواقع ولكن بطريقة فنيّة إبداعية وهو الذي ينبه إلى أشياء معينة.

الجديد: يحيلنا موضوع البكارة والجنس والجسد إلى الجسد العربي الذي مازال لم يتحرر بعد ومازال يقبع في كهوف الظلام وأقبية المخابرات ورطوبتها وتحت التعذيب ولعبة تقليم الأظافر لكل سجان جديد يأتي من الغيب وكل دكتاتور.. هذا الجسد الذي يقبع في غياهب النسيان العربي حتى في الدراسات الأنثربولوجية والبحوث الفلسفية ولا يحضر إلا وهو مقيد مكبل ومعذب وصامت ومفعول به وفيه.. في المخيال الشعبي والمخيال الديني والتراث.. فلماذا حسب رأيك كلما حفرنا في بنية الجسد العربي وتاريخه تعثرنا بجهلنا الكبير والتغييب المقصود له؟ ولماذا ارتبط مفهوم الجسد العربي بمفهوم العورة والكبت والمحرّم؟ ومتى يتحرر هذا الجسد العربي ويقوم بثورثه الخاصة ويصبح فاعلا؟

الحبيب السالمي: صحيح نحن عندما نتحدث عن تحرر الجسد نحن نتحدث عن تحرر الذات يعني تحرير الجسد ضمن تحرير الذات وضمن تطوير الذات وضمن تنمية الذات وضمن اكتشاف الذات، فبالتالي العربي ظلّ جسده سجين تصوّرات وخرافات وفلكلور وشعوذة وعادات وتقاليد بالية. فمن الطبيعي جدّا ألاّ يتطوّر الإنسان لأنّه في النهاية جسد. نحن نفصل نظريا بين الجسد والروح لكن في الواقع الجسد والروح هما شيء واحد، فبالتالي إذا كان الجسد مكبلا فكيف تريد للإنسان أن يمارس ذاته؟ كيف تريد أن يعيش حريته بامتلاء؟ وكيف تريده أن يثور؟ من الطبيعي جدّا أنّ الثورة لا تكتمل إلاّ بهذا التحرر.

 مرّة أخرى أقول إنّ المجتمع العربي يعيش حالة نفاق رهيبة في ما يخصّ الجنس، قلت لك في موضوع البكارة وخاصة في مجتمعات المغرب العربي البنات يمارسن الجنس قبل أن يتزوجن ولكن بما أنّ المجتمع يرفض هذا لا يريد أن يمارس الجنس إلاّ داخل مؤسسة الزواج فيحدث نوع من النّفاق عند البنات.

وأنا هنا مع حقّها أن تمارس هذا النفاق مع هذا المجتمع الغبي فتذهب إلى الطبيب فيخيط لها هذه البكارة وهذا الرجل العربي الأبله التافه يقبل هذا ويعرف أنّها هي خدعته ولكنّه يقبل هذه اللعبة. نحن للأسف نعيش أكذوبة، أنا دائما أتحدث عمّا أسميه النفاق الذي لا يوجد في العلاقات الإجتماعية بل النفاق بمعناه العام، النفاق الفكري، النفاق الاجتماعي، النفاق العاطفي. أقصد أنّك تعيش ما لا تفكّر فيه وتفكّر ما لا تعيشه.

المجتمع الغربي منسجم مع نفسه لذلك لا تجد نفاقا وحتّى إن وجدت فبدرجات قليلة. العالم العربي كلّه يقوم على النفاق ومسألة البكارة تندرج ضمن هذا السياق.

رواية "بكارة"  تحرر الذات
رواية "بكارة"  تحرر الذات

الجديد: هل يمكن أن نتنبأ بحدوث ثورة جسديّة في المجتمع العربي؟ هل سيأخذ هذا الجسد حظّه؟

الحبيب السالمي: على مدى طويل أعتقد نعم، فالجسد له حكمته الخاصة وسيثور بشكل ما. الآن صحيح تكبّله التقاليد وخاصّة يكبّله ما أسميه أنا بالتدين وليس الدين، هناك فرق بين الدين والتدين أي الطريقة التي نعيش بها هذا الدين وأنا حسب ما أرى أنّ الطبقات الشعبيّة لا تزال تفهم الدين بشكل قروسطي وشكل متخلف جدّا وبالتالي هذا ما يحول دون تطوّر الإنسان العربي.

هذه المجتمعات العربية تعيش اليوم الموجة الدينيّة وكان لا بدّ أن تعيش هذه المرحلة كي تعرف حقيقتها وستتجاوزها مثلما تجاوزت القومية العربية وستصير تنظر إلى الإسلام بطريقة مختلفة. أنا متفائل في الحقيقة بالمستقبل، وأرى أنّ الإنسان العربي مثله كمثل أي إنسان في العالم يصغي إلى صوت جسده وهذا الصوت هو الذي سينتصر في النهاية لأنّ الحياة لها حكمتها الخاصة. الحياة أقوى من كل شيء، فبعض النبات يفلق الصخور ليعيش. الحياة أقوى من كل شيء أقوى من الدين، إلاّ أنّ الدين يسيطر على الحياة لكن في فترة قريبة في العالم العربي، على مدى قرون، الحياة ستنتصر على الدين. وعندما تنتصر الحياة على الدين فإن الإنسان العربي سيكتشف جسده من جديد.

الجديد: لماذا حسب رأيك هذا التغييب للجسد في الأعمال الأدبية رواية وشعرا ودراسات أنثروبولوجية؟

الحبيب السالمي: للأسف الجسد مازال في مجتمعاتنا العربية أحد المحرّمات والجسد في أذهاننا العربية مرتبط بالجنس والجنس هو أحد المحرمات الكبرى. لكن رغم ذلك كله هناك بعض التطوّر فعندما تأخذ الرواية مثلا في العقود الأخيرة صارت تتناول هذا الموضوع بكثير من الجرأة. هناك تطوّر، هناك أشياء نكتبها الآن ما كان لنا أن نكتبها قبل 30 سنة، كان النّاس الذين يكتبونها يدخلون السجن ويثيرون فضائح كثيرة، والعالم العربي تطوّر أيضا وأنا لا أؤمن أنّ العالم العربي تراجع وتقهقر إلى الوراء. وطبعا هناك مقابل ومرحلة لا بدّ أن نمرّ منها لنصل إلى التطوّر الحقيقي.

الجسد في الرواية والشعر ليس غائبا، لكنّه في الدّراسات مغيب لأنّ الدراسات تتمّ ضمن مؤسّسات أكاديميّة جامعات بحوث هذه طبعا مرتبطة بالدولة ورسميّة إلى حدّ ما. فبالتالي يتحاشون هذه المواضيع إلى حدّ ما. أعتقد أنّ هذا هو السبب.

الجديد: متحدثا عن رواية “بكارة” نجدك تقول “إنها تمثل الانطلاق من حدث صغير للوصول إلى بناء عالم روائي، ولها علاقة بالثورة التونسية،.. أي الانطلاق من موضوع البكارة الصغير من أجل التطرق إلى حدث تاريخي كبير كالثورة التونسية”، الحفر في التفاصيل الصغيرة كقادح والتدرج شيئا فشيئا حتى الوصول إلى الأحداث الكبيرة العميقة، لنخلص وننفتح عن أسئلة الأدب والفكر الكبرى. هل تعكس هذه التقنية أسلوبا فنيا خاصا بالحبيب السالمي يحاول من خلاله حفر أحداث الرواية في ذهن القارئ وحفر ورسم أخاديد من الوعي المتلبّس بالقص السلس المرح؟ الشكل والتقنية كيف تخدم المضمون وما هي الأهمية التي يعيرها الحبيب السالمي لذلك؟

الحبيب السالمي: في الحقيقة لا أدري هل هي خاصيتي أنا فقط، وأنت هنا أصبت لأنّها فعلا هي طريقتي في تناول الأشياء وفي مقاربة المواضيع.

أنا أؤمن ومازلت أنّ الرواية ليست حكاية، يعني أنّ الرواية ليست كيسا من الأحداث كل فصل فيه أحداث كبيرة وشخصيات جديدة. هناك أناس يكتبون هذه الروايات وأنا أحترمهم وأقدّرهم، لكن أنا دائما لديّ تصوّر خاص للرواية، طبعا هناك حكاية للرواية لأنّه لا يمكنك أن تكتب رواية دون حكاية. لكن عموما الرواية هي ليست حكاية هي ما يأتي بعد الحكاية، أي أنّ الحكاية آخذها ذريعة لكنّني أذهب في الحفر في أشياء أخرى ثمّ أستطيع أن أبني عليها شيئا فشيئا وأذهب إلى ما هو أساسي وهو ما تستطيع أن تتوصل إليه من أفكار ومن أحاسيس وانطباعات ومن رؤى ومن تصورات لهذه الحياة.

أعتقد أنّ هذه طريقتي في كتابة الأدب وأنا معجب بالروائيين الذين يكتبون بهذه الطريقة. خذ مثلا ألبير كامو نأخذ المثال المشهور جدّا “الغريب” ما هو الحدث إنّه بسيط جدّا فرنسي أحسّ بحرارة الشمس وكان يتجوّل على شاطئ في الجزائر فقتل عربيا. الأحداث هي هذه فقط أنظر إلى كامو ماذا صنع من هذه الأحداث البسيطة فقد لامس مواضيع تهمّ البشريّة كاملة ولها علاقة بالفلسفة يعني بفلسفة الإنسان بشكل عام بحياة الإنسان وبالوجود الكوني وطرح فيها قضايا كبيرة جدّا مثل علاقة الإنسان بنفسه، علاقة الإنسان بالطبيعة، علاقة الإنسان بأفعاله، أحيانا يفعل أشياء هو ليس مسؤولا عنها، أي ركّز على مسؤوليّة الإنسان وهذه كلّها قضايا مهمّة جدّا أثارتها الكثير من الفلسفات خاصّة الفلسفة الوجوديّة.

نأخذ مثالا آخر هو مارغريت ديراس في “مرض الحب” انطلقت من حدث بسيط جدّا لكنّها تبني منه عالما آخر وأنا أحبّ كثيرا هؤلاء الكتّاب. أنا أنتمي إلى فصيلة هؤلاء الكتّاب لا أدب الكتّاب الذين يثرثرون كثيرا. مرّة أخرى الرواية ليست حكاية وليست “حدوتة” فالروائي ليس حكواتيا. الرواية فيها فكر وليست فن خطط أي أنت تصل من خلال هذه الحكاية إلى أفكار وهذا هو الأساس.

الجديد: هنا نتحدّث عن العلاقة بين التقنية والشكل والمضمون أيّ أهميّة يوليها الحبيب السالمي في رواياته وفي أعماله وفي مشروعه الأدبي عموما لهذه التقنية وهذا الشكل بعلاقته بالمضمون؟

الحبيب السالمي: في الحقيقة أنا أيضا لا أحب الرواية التجريبيّة وأعتقد أنّ هذه الرواية رائجة في المغرب العربي، فالرواية التجريبيّة راجت في فرنسا لفترة معينة، ثمّ أصبح الفرنسيون يكتبون مثل ما أكتب، واقرأ “le plaisir” لترى أنّها كلّها ما أسميه أنا الرواية الهادئة أو ما يسمونه الرواية الواقعيّة.. كل أدب واقعي هو لاواقعي في الآن ذاته. إلا أنّ الواقعيّة اعتبرت في فترة ما كمدرسة لها أصولها وسماتها وخصائصها وظهرت في فترة معينة فقط، لكن ليس كل من يكتب عن الواقع يسمّى واقعيا، غير صحيح أنا أسميها الرواية الهادئة ولكنّها في الحقيقة هادئة ظاهريا لكنّها من الدّاخل ضاجة. هي صافية مثل نهر هادر بالتالي أنا أحب مثل هذا النّوع من الرواية.

الجديد: لفتت انتباهي هذه العلاقة الوطيدة بين قرية جبل العنز في الرواية التي تحمل نفس الاسم والقرية النائية في القيروان التي تحمل أحداث رواية “بكارة” وكأنهما وجهان لعملة واحدة دون أن ننسى تحرك الشخصيات ومنطوقها وتعاملها مع العادات والتقاليد التي تعشش في المخيال الشعبي وتتحكم فيه وتسيره، وهذا يحيلنا إلى علاقة رواياتك ببعضها البعض ونقاط الالتقاء والاختلاف بينها، فهل تعتبر نفسك تشتغل على مشروع أدبي متكامل وقلعة فنية متكاملة تتشكل جدرانها وأرضيتها نصا بعد آخر؟

الحبيب السالمي: أولا، لا تستطيع أن تقول إنّ نفس الشخصيات الموجودة في رواية “جبل العنز″ موجودة في “بكارة”، هناك شخصيات أخرى والشخصيات في “عشاق بية” شخصيات أخرى أيضا مختلفة. ذكرت هذه الروايات الثلاث لأنّه يبدو أنّ الفضاء الذي تتحرّك فيه هو نفس الفضاء وهو فضاء البساطة. أعتقد أنّ كل كاتب حقيقي عندما تقرأ أعماله ستجد أنّ هناك نقاط التقاء كثيرة وأنّ هذه الأعمال تشكّل مشروعا ما. أنا عندما كتبت “جبل العنز″ (كتبتها في محافظة باجة بالشمال التونسي عندما كنت أدرّس الأدب العربي قبل سنوات وقبل أن أنتقل إلى فرنسا)، لم أخطّط لذلك ولم أقل هذا عالمي، أنا كتبت كما أحسّ الأشياء وكنت صادقا مع نفسي وفي ما بعد لاحظت وانتبهت لما يكتبه النقاد، فعلا إنّ لديّ عالما متكاملا. لكن أنا واع بالجانب الفني وأنا دائما أحبّ التفاصيل لأنّي أعتقد أنّ التفاصيل مهمّة جدّا ولكن هذه التفاصيل يجب أن تراكمها بطريقة ذكية جدّا.

المسألة تبدو بسيطة ولكنها غير ذلك لأنّ التراكم لا بدّ أن يعطي دلالة تماشيا مع معنى الرواية. هذا هو أسلوبي أنا في النهاية. والبعض يفكّر أنّ الأسلوب هو تلك الكلمات والجمل لكن في الحقيقة الأسلوب هو الطريقة التي تقارب بها العالم.

الجديد: تعتبر مقاربة حدث كبير كالثورة التونسية والرجة القوية التي أحدثتها في الوطن العربي، في عمل أدبي روائي بعد ست سنوات فقط من انبلاج هذا الحدث مغامرة محفوفة بالمخاطر خاصة وأن الثورة في وجه من وجوهها مازالت متواصلة؟

الحبيب السالمي: في الحقيقة إذا أردنا أن نقرأ رواية “بكارة” قراءة متأنية فسيتبيّن لنا أنها ليست عن الثورة. والكثير من الذين كتبوا عن الرواية يقولون إنّها عن الثورة وهي ليست عنها، هي رواية عن موضوع اجتماعي نفسي فكري وهو أسير البكارة والجسد. لكن أنا وضعتها في سياق ثورة، في الحقيقة الثورة تشكّل خلفيّة لهذه المسألة.

يعني أنّ الرواية ليست عن الثورة بصفة مباشرة لكن للأسف الكثير من الصحافيين وبما أنّ الثورة لفتت الانتباه ويتصورون أنني سأتحدث عن الثورة يذهبون إلى قراءة معينة والقراءة قراءات كما تعرف. فذهبوا في اتّجاه الثورة وساد هذا الاتّجاه في الكثير من المقالات التي كتبت عن الرواية واعتبروا أنّ الرواية عن الثورة وهي في الحقيقة هي ليست كذلك.

لو تقرأ مثلا الكلمة التي كتبت على الغلاف لوجدتها تقول إنها رواية تتناول مسألة لها علاقة بالجسد والبكارة وكل ما يثيره هذان الموضوعان في وعي العربي وفي ذاكرته لكن الأحداث تقع على خلفيّة الثورة لأنّ الثورة ساهمت في تفجير هذه الإشاعة.

كلنا يعلم أنّ هناك بعض النفاق لبعض الفتيات اللاتي يتزوجن وقد فقدن بكارتهن لكنّهن يستعدنها عند الطبيب. يعني هي موضوع يحوم حول الفساد والنفاق والكذب

هناك من يقول إنّ الثورة منجز ومن المبكّر أن نكتب عنها، أنا لا أؤمن إطلاقا بهذا المنطق، فلا توجد قواعد في الفن نستطيع أن نكتب عن الثورة وهي تنجز ونستطيع أن نكتب عنها بعد إنجازها بعشرات السنين. الكتابة عن الثورة يمكن أن تكون بألف طريقة، يمكن أن نكتب عن الثورة مثلا لكن نبرز الانطباعات الأولى عنها ونكتب عنها أيضا لكن نبيّن كيف تفاعلنا معها.

القراءات متعدّدة والذي يريد أن يكتب عن الثورة ليحاسبها أو ليقيمها ويقرأها قراءة نقدية فهذا طبعا يحب أن يترك فاصلا من الزمن.

في الحقيقة في العالم العربي نجد أن العديد من النقاد والباحثين كرّسوا مفاهيم بحاجة إلى إعادة القراءة وإعادة الدراسة من بينها أنّنا لا نستطيع الكتابة عن شيء إلاّ عندما يكتمل، بالعكس نستطيع الكتابة عنه وهو مازال منقوصا ما المشكلة في ذلك.

الجديد: كيف يختار الحبيب السالمي عناوين رواياته وأيّ أهمية يوليها لهذا الجانب؟

الحبيب السالمي: طبعا العنوان مهم جدّا وأقضي وقتا طويلا في اختياره. عنوان “جبل العنز″ أتى صدفة وهو اسم مكان، وبعض العناوين الأخرى أخذت مني وقتا، وعادة ما أبدأ الرواية بعنوان مبدئي لأنني لا أستطيع أن أكتب الرواية إذا لم يكن لديّ عنوان رغم يقيني أنّ هذا العنوان هو عنوان وقتي وسيتغير في النهاية. وكلّما تقدّمت في الكتابة يتغيّر العنوان. وعندما أنتهي أكون عادة أمام عدد من العناوين وفي النهاية أختار واحدا. مثال “نساء البساتين” وهو من العناوين التي أرهقتني لأنّي لم أجده في البداية.

وجدت صعوبة كبيرة في إيجاده وكل العناوين التي وضعتها لم تعجبني وأخيرا وجدت “نساء البساتين” وفرحت جدّا به. “عواطف وزوارها” نفس الشيء أيضا فقد قضيت وقتا طويلا كي أجده، “روائح ماري كلير” نفس الشيء، في البداية كان”رائحة ماري كلير” ثم استعملت كلمة روائح لأنّ الجمع أفضل في اللغة العربية وأكثر إيحاء ثمّ أدخلت اسم العلم، كنت مترددا في البداية. صراحة أنا أتعب كثيرا في اختيار العناوين ولا أستهين أبدا بقيمتها، أنا لا أستهين بأيّ شيء في الرواية، منذ أول كلمة أكتبها إلى آخر كلمة فأنا أركّز كثيرا وأكتب ببطء وأفكّر كثيرا عندما أكتب.

الجديد: هل يحدث أن تخاتلك بعض الشخصيات وتأخذك إلى مسار آخر وقدر آخر غير الذي قررته لها في البداية؟

الحبيب السالمي: هناك من يخطط للكتابة، أنا لا أؤمن بذلك. لماذا؟ لأنّ الرواية تتوالد من بعضها البعض. ماذا يعني تتوالد من بعضها البعض؟ يعني أنّ الفصل لا أستطيع أن أحدّده ما لم أنته من الفصل الذي قبله، لأنّه مثلا عندما ينتهي الفصل الثاني وأكون راضيا عنه فهو ما يحدّد ملامح الفصل الثالث. فنحن عندما نقف أمام شاطئ وننظر إلى موجة قادمة من بعيد، وإذا ما ركّزنا عليها سوف لن تصل إلى الشاطئ لأنّها ببساطة تتأثر بالموجة التي قبلها وبالموجة التي بعدها. وفصول الرواية هي نفس الشيء فهي مثل الموجات.

الجديد: كم صفحة تكتب في اليوم؟

الحبيب السالمي: أكتب قليلا وحتّى وإن كتبت كثيرا أعيد ما كتبت. أكتب بأرقام الحاسوب مثلا 500 كلمة على أقصى تقدير. أنا أكتب ببطء شديد وأحب التفكير أثناء الكتابة، ما يعني أنني لا أستسلم للحواس كثيرا وهذه هي صعوبة الكتابة عندما تزاوج بين التلقائيّة والتفكير في آن واحد وهذا رأيي. وهي خلطة صعبة ولكن عندما تنجح ستشعر بمتعة رائعة. ولا يجب أن أستسلم للتلقائيّة، أزاوج بين التلقائية والتحكم في ما أكتب. وفي بعض الأحيان أنهي شيئا وأنا أرقص من الفرح فأحس أنّ ما كتبته جميل جدا، ولكن عندما أعود إليه من جديد أجده تافها جدا. فأمحو ما كتبت حتّى ولو كان فصلا كاملا.

الجديد: تحضر في رواياتك الكثير من المقاطع والجمل الشعرية، فهل هو الاهتمام الخاص باللغة والقاموس الشعري، أم أنّ هذه الشعريّة تأتي تلقائيا؟

الحبيب السالمي: اللغة شيء أساسي جدّا في العمل الأدبي، فكل شيء يبدأ باللغة وكل شيء ينتهي باللغة. كل شيء يتشكل من اللغة وباللغة وداخل اللغة. اللغة هي الأداة الأساسية في الكتابة لذلك أعيرها اهتماما كبيرا جدا. في اللغة أركّز على شيء لا يركّز عليه كثيرون وهو الدقة. أنا أحب الكلمات التي تذهب مباشرة إلى الأشياء التي أسمّيها لأنّ الرواية حسب تعريفي هي فن التسمية بامتياز، إذا كان الشعر فن الإلقاء بامتياز فإنّ الرواية هي فن التسمية بامتياز.

نحن نكتب لكي نسمّي العالم وعندما نسمّيه ندخله وعندما ندخله نتعرّف عليه وعندما نتعرّف عليه نتعرّف على ذواتنا، فالرواية هي أداة معرفة وبالتالي فاللغة شيء أساسي جدّا.

وفي خصوص الجمل الشعرية أنا أتصوّر أنّ هناك أشياء تأتي تلقائيّا وفي كل واحد منّا يرقد شاعر ما. وقد أعطيك سرّا حينما أقول إنني أكتب الشعر إلى حد الآن. أنا أكتب الشعر وأرسم، لم أتوقف يوما عن كتابة الشعر، وربما قد لا يكون شعرا ولكنه ليس قصصا ولا رواية.

لديّ نصوص أكتبها من حين إلى آخر. أشعر بشيء ما فأكتبه، هي أشياء أكتبها لنفسي لا أفكر في نشرها، وهي من قبيل التدرب على اللغة. وهي مثل الرسم الذي أمارسه من حين إلى آخر ولديّ الكثير من اللوحات في بيتي وهذا طبعا لا يخصني أنا فقط فالكثير من الأدباء يرسمون. هناك لحظات لا تستطيع أن تكتب فيها رواية بل تعبرّ فيها بطريقة أخرى كالشعر والرسم.

ولكن هناك كتّاب يدخلون ما يسمّونه شعرية الرواية، فيكتبون روايات بنفس شعري وهذا نجده في القصيدة الغنائيّة في ستينات القرن العشرين. وفي رأيي إنّ ارتفاع نبرة الشعرية في الرواية تضرّ بها. الشعر شيء جميل يجب أن نتحكّم فيه في الرواية إذا تجاوز مقدارا معينا يسيء إلى الرواية ولا يعصبح شعرا وبذلك فإن الرواية لا تصبح رواية لأنّ تعريف الرواية لا يأتي من هذه الجمل الشعريّة التي تنتمي إلى القصيدة الغنائيّة في ستينات القرن الماضي كما كتبها عبدالوهاب البياتي، الشعرية الحقيقية تأتي من النسيج الدرامي للرواية، تأتي من المواقف وهي تتصادق مع بعضها البعض وهنا تأتي اللغة لتكملها.

الجديد: علاقة المثقف بالسلطة والسلطان، هل برأيك انتهى زمن المثقف العضوي بالمفهوم الغرامشي وأصبحنا نعيش زمن المثقف المدجن “العظمي” الذي يرضى بعظمة صغيرة من السلطة في شكل منصب صغير مقابل صمته؟

الحبيب السالمي: ربّما، ليس بالمعنى الغرامشي لكن هناك مثقفون طبعا في العالم العربي، وهناك مثقفون صامدون وصمود المثقف هو في ابتعاده قدر المستطاع عن المؤسّسات الثقافيّة الرسمية لأنّ الواضح أنّ هذه المؤسسات في أيّ بلد عربي هي فخاخ متحركة. وهي مؤسّسات لتدجين المثقفين كما هو الحال مع اتحادات الكتّاب. هذه المؤسّسات خلقتها الأنظمة الشيوعية ومن المفروض أن تختفي لأنها لا قيمة لها أصلا.

هناك مثقفون في العالم العربي يعيشون على هامش السلطة، والمثقف الحقيقي يجب أن يظلّ مستقلا وعندما يتعامل مع السلطة الحاكمة يفقد كل شيء. ونفس الشيء لمن يتعامل مع سلطة المعارضة. أرى بعض المثقفين يدخلون في أحزاب ويتبنّون مواقفها كمواطنين وأتفهّم موقفهم لكن ليس كمثقفين.

المثقف يجب ألاّ ينتمي إلى أيّ حزب، حزبه الوحيد هو ثقافته. هو حزب كامل في حد ذاته ويجب أن يتكلّم بلغة المثقف. طبعا المثقف يجب أن يظلّ موجودا يدافع عن قيم الحرية والعدالة الاجتماعية وخاصة ألاّ يتواطأ مع مؤسّسات الدولة لأنّ مؤسّسات الدولة في بلداننا تدمّره.

الجديد: ما هي أهم التحديات التي تطرح على المثقف العربي خاصة بعد التغييرات السياسية الأخيرة والحراك الاجتماعي الكبير وما صار يعرف بالربيع العربي؟ هل اللحظة المعرفية ما تزال نفسها حسب رأيك قبل الحراك وبعده؟

الحبيب السالمي: طبعا المثقف في كل عصر أمامه تحديات، ومرّة أخرى فالمثقف هو الذي يجب أن يقول ما يعتقد أنّه الحقيقة، لأنّ الحقيقة عند المثقف ليست مثل الحقيقة عند السياسي. خطاب السياسي ليس مثل خطاب المثقف، السياسي خطابه لا علاقة له بالواقع وإنما يخطب لكي يبقى ممسكا بالسلطة. المثقف يقول ما يعتقد أنّه الحقيقة رغم نسبيّة هذه الحقيقة وتغيّرها. المثقف يجب أن يقول كل شيء بوضوح وبجرأة وخاصّة أن يكون مستقلا عن المؤسّسات الثقافيّة الرسمية لأنّ المؤسّسات الثقافيّة تلتهمه وتبتلعه وتقتله وتحوّله إلى مجرّد بوق وهذا ما نراه في عديد من البلدان العربية. وكمثال على ذلك نرى الكثير من المثقفين اليساريين عندما يمرض يطلب من الدولة أن تتكفل بعلاجه، هذا خطأ كبير. أنا مستعد أن أموت مهملا وأن لا يعتني بي أحد ولست مستعدّا لأن تعالجني وزارة الثقافة. المثقف إنسان حر وثمن الحرية غال. من اختار أن يكون مثقفا حرّا يجب أن يضحي كثيرا فلماذا يريد أن يعالجه حزب نداء تونس مثلا؟ وهذا ما عبته وأستغربته من الشاعر أولاد أحمد الذي ارتبط بحزب وطلب العلاج من السلطة ومن وزارة الثقافة.

الجديد: ما مدى تأثير تجربة الغربة و”المنفى” الاختياري الذي تعيشه في باريس منذ أكثر من ثلاثة عقود في كتاباتك، وهل أضاف لك إنسانيا وأدبيا وفنيا؟ وهل صحيح أن تجربة “المنفى” الإجباري أو الاختياري ضرورية لكل كاتب حتى يكتب بعمق؟ بين المنفى الخارجي الجسدي والمنفى الداخلي النفسي ما هي الاختلافات وهل تغيرت أسئلتك الأدبية والوجودية؟

الحبيب السالمي: صراحة أنا لا أعتبر نفسي منفيا. لقد قررت ذات يوم أن أغادر تونس وأقيم في باريس وأعيش حياتي ومن حسن حظّي أني وجدت عملا بسرعة وواصلت الكتابة ورافق هذا نضجي العقلي والفني فصرت مستقرّا وهذا ساعدني على الكتابة.

وطبعا استفدت كثيرا من هذه التجربة. أنا لم أعد ذلك الإنسان الأول، لقد خضت تجربة جميلة جدّا وتعرّفت على أناس آخرين وقرأت نصوصا وشاهدت لوحات فنية لم يكن بإمكاني مشاهدتها وسافرت كثيرا وتعرّفت على نساء ورجال كثيرين وقرأت كتبا كثيرة فمن الطبيعي جدا أن تتغير حياتي وتصير أغنى. وهذا التغير كان في الاتّجاه الإيجابي طبعا. ولذلك فأنا لست نادما على خوض هذه التجربة. أما بالنسبة إلى السفر ففي الحقيقة هو ليس شرطا للإبداع، نجيب محفوظ لم يسافر وهو مبدع كبير، وهناك من سافر وظلّ تافها جدّا. لا توجد قواعد كل هذا مرتبط بالشخص وبعزيمته وقدرته وموهبته.

الجديد: كيف يهرب المبدع عموما من ربقة الإطارين الزماني والمكاني ويتحرر من أغلال الواقع لينبعث من جديد ومع كل عمل أدبي جديد كطائر الفينيق؟

الحبيب السالمي: أنا أحب الأمكنة وأحب الأزمنة، الأزمنة والأمكنة مختلفة في أعمالي وفي حياتي. أنا سافرت كثيرا وأقمت في عدّة أماكن وعشت أزمنة عدّة في وقت واحد. وأحيانا يخيل إليّ عندما أضع رأسي على الوسادة أنني عشت حياتين الحياة التي كنت أحياها في مدينة “العلا” بمحافظة القيروان التونسية وحياتي الآن في شقتي في قلب باريس. المهم أن يكون الإنسان ممتلئا بحياته صادقا ويعيش اللحظة دون أيديولوجيات ودون نظريات.

الجديد: ترجمت أغلب رواياتك إلى عدة لغات عالمية فإلى أيّ مدى تعتبر الترجمة طريقة فنية ناجعة ومهمة في الحوار مع الآخر وبين الثقافات والحضارات خاصة في ظل هذه الحروب وفي ظل الصراع والعنف المتفشيين اليوم؟

الحبيب السالمي: صحيح رواياتي ترجمت إلى عدّة لغات وخاصّة الفرنسيّة، وأستطيع أن أقول إلى حدّ ما إنه لديّ قرّاء وجمهور خاصّة في فرنسا وألمانيا. أعتقد أنك أشرت إلى شيء أساسي جدّا ومهم وهو كيف تساهم الترجمة في حوار الحضارات، فلا شيء يمكن أن يخلق حوارا بين الحضارات عدا الترجمة، لماذا؟ لأنّك إذا أردت أن تعرف شعبا ما وثقافته يجب أن تقرأ أدبه، كل المؤتمرات التي أنجزت في حوار الحضارات إفادتها محدود جدّا. الفرنسيون مثلا الآن يعرفون العالم العربي معرفة حقيقيّة من خلال أدبه. ولا تستطيع أن تعرف شعبا وثقافته إلاّ من خلال أدبه إجمالا ومن خلال فنونه، المسرح، السنيما، الرسم. هذا هو الأساسي وبالتالي حرية الترجمة برأيي هي التي تخلق الحوار ولا شيء آخر عداها يخلق الحوار.

الكتابة عن الثورة يمكن أن تكون بألف طريقة
الكتابة عن الثورة يمكن أن تكون بألف طريقة

الجديد: في روايتك “عواطف وزوارها” تحاول مقاربة إشكالية الهوية والجذور والوطن الأم والأصالة والمعاصرة وحوار الإنسان مع ذاته ومع الآخر والصراع بين شمال المتوسط وجنوبه، فهل استحضار هذه القضايا هو محاولة منك لمسايرة النبرة الاجتماعية التي ارتفعت بعد الثورة في المجتمع التونسي والعربي حول سؤال الهوية والتجذّر ومثل هذه القضايا؟

الحبيب السالمي: في الحقيقة سؤال الهوية حاضر في ذهني باستمرار، ليس لأنني أعيش في الغرب ولكن لأنّني إنساني بكل بساطة. على فكرة سؤال الهوية في الغرب يطرح دائما باستمرار لأنّه لا توجد إجابة نهائيّة وتامة خاضعة لكل زمان ومكان. يجب أن تعيد النظر في سؤال من أنت؟ ما موقعك في هذا العالم؟ ماذا تعني كلمة عربي الآن في القرن الـ21؟ ماذا تعني كلمة عربي مقيم في فرنسا اليوم؟ وأؤكد لك أنّ كل المثقفين يطرحون هذه الأسئلة لأنّ لها علاقة بالذات.

لا توجد هوية ثابتة، الهوية متحركة ثمّ الهويات تتلاقح وتتقاطع. فبالتالي سؤال الهوية سؤال أساسي جدّا وسيظل دائما حاضرا ليس في أعمالي فقط وإنّما في أعمال الكثير من الكتّاب الذين ينتمون إلى عدّة ثقافات. الهوية مثل الحب، فهل نستطيع أن نقول إنّ الحب موضوع انتهى؟ كتبت عشرات الروايات عن الحب ولكن سنتحدث من جديد عن الحب لأنّ الحب ليس كما كان وكما سيكون لكل زمان حبّه والهوية نفس الشيء.

الجديد: هل يندرج تشبثك وإصرارك على الكتابة باللغة العربية رغم إتقانك الكبير للغة الفرنسية في إطار التشبث بالجذور والدفاع عن هوية الذاكرة وروح النص الإبداعي باعتبار أن اللغة هي روح وهوية وفكر قبل أن تكون ألفاظا وصواتم ومجرد وسيلة؟

الحبيب السالمي: أكتب بالعربية أولا لأنّي أحب اللغة العربية وأجدها لغة جميلة. وقد بدأت الكتابة بها ولا أفهم لماذا سأتوقّف الآن، فمن الطبيعي جدّا أن أواصل بها. ثانيا ربّما لو شعرت برغبة حقيقيّة وصارت اللغة الفرنسية تسكن جسدي وعروقي لفكرت في الكتابة بها لأنّه لا يكفي أن تتقن اللغة لتكتب بها يجب أن تكون هذه اللغة في جسدك وروحك وأنفاسك وهناك تناغم وعشق بينك وبينها، مثلما هي العربية، حتى تتقن وتنجح في الكتابة بها.

أنا لا أفكر في الكتابة بالفرنسية وهذا طبعا ليس موقفا خارجيا أتّخذه. لا بد أن تكون رغبة الكتابة بلغة ما نتيجة رغبة داخلية جامحة. وفي الحقيقة أنا بدأت أكتب بعض النصوص القصيرة بالفرنسية ولكنني أحتفظ بها لنفسي مثلها مثل محاولاتي الشعرية.

ككاتب أحب اللغة العربية وأعشقها وكمثقف أدافع عنها عندما يهاجمها البعض من الكتّاب المغاربة. لأنّ اللغة العربية جميلة وعميقة، حتى وإن افترضنا أنها لغة متخلفة هل نتخلى عنها لأنّها متخلفة؟ هل يمكن أن يتخلى أب عن ابنه المتخلف ذهنيا ويرمي به للذئاب مثلا؟ لا بل يجب أن يحاول تطويره. العربية لغتنا الجميلة ويجب أن نحاول تطويرها مثلما تفعل بقية الأمم مع لغاتها.

الجديد: يقول خورخي لويس بورخيس″نحن لا نسكن إلا الأماكن التي نغادرها”، تحضر هذه القولة في كتابات الحبيب السالمي من خلال الاشتغال على مسبار الذاكرة واستحضار الأحداث البعيدة في القرى التونسية. فهل هذا التناقض الغريب بين الجسد المقيم والروح الطائرة المجنحة بالخيال، تفسره وتؤصله هذه العلاقة الدقيقة والحساسية الخاصة منذ القديم بين المبدع والمكان؟

الحبيب السالمي: أولا، ليس هناك شيء أكرهه مثل الحنين. الغربة والحنين كلمات أكرهها تماما ولا معنى لها لديّ، هل تعرف لماذا؟ لأنّ الحنين يشوّه العمل الأدبي ويجمّل الواقع، والإنسان عندما يريد استعادة واقع ما يجمّله فيقع في فخ التجميل. كل النّاس الذين كتبوا عن الحنين كتبوا نصوصا رديئة.

لكن أنا أكتب عن الماضي، الماضي شيء آخر غير الحنين وتحضرني قولة أخرى لبورخيس يقول فيها “الزمن الوحيد الذي نمتلكه هو الماضي” لأنّ المستقبل هو زمن قادم باستمرار لم يأت والحاضر بمجرّد أن يحضر يتحوّل إلى ماض.

وأنا أكتب عن الحاضر لأنّه الزمن الوحيد الذي أمتلكه والكتابة عن الماضي تختلف عن الحنين. الماضي نكتب عنه وكلّما سافرنا فيه صرنا نعرف ذاتنا أكثر. فالعودة إلى الماضي هي لمعرفة الآن لأنّه مرتبط بالحاضر في حين أن الحنين شيء جامد ينتهي إلى زمن مؤسطر لا يفيد إطلاقا. أنا أكتب عن قريتي “العلا” لأنّها جزء من طفولتي وهي جزء منّي أحملها في جسدي وروحي ولن أتخلى عنها أبدا.

الجديد: لكن ما مدى الاطمئنان إلى أمانة هذه الذاكرة في الاشتغال على واقع متغير ومتحول بصفة سريعة؟

الحبيب السالمي: عندما أكتب عن الذاكرة لا أبحث عن الاطمئنان، الكتابة كلّها سؤال وعذاب، والكتابة نسف لليقينيات، هي إعادة طرح أسئلة، لا توجد حقيقة مكتملة نهائيّة. الأدب ليس شيئا نهائيا، فما هو حقيقي قد لا يكون كذلك بمرور الوقت.

نحن لا نعبر النهر مرتين لأنّنا نعتقد أنّنا عبرناه. لكن مياه جديدة قد أتت ولأنّ المياه الجديدة قد أتت إذن فهو ليس نفس النهر.

ينشر الحوار بالاتفاق مع "الجديد" الشهرية الثقافية اللندنية

12