الحبيب السالمي: كتابتي تنفر من الحنين لأنه يجمل الماضي ويشوهه

الخميس 2014/01/16
السالمي: تجربتي مع النقد ليست سيئة

الكتابة عنده فعل حرية، لا يشغله القارئ أثناء الكتابة لأنه مقتنع بأنه موجود في مكان ما وحتما سيجد في رواياته ما هو وثيق الصلة به، رغم إقامته الطويلة بباريس مازال الروائي التونسي الحبيب السالمي يكتب باللغة العربية . رشحت روايتاه “نساء البساتين” و”روائح ماري كلير” ضمن القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية عامي 2009 و2012، وبمناسبة صدور روايته الجديدة “عواطف وزوارها” عن "دار الآداب"، كان لنا معه هذا الحوار.

في مستهلّ حديثنا، يقول الروائي الحبيب السالمي: “هناك أسباب عديدة تدفعنا إلى الكتابة. أغلبها غامض وينتمي إلى منطقة اللاوعي المعتمة. لكن يمكنني أن أقول إنني أكتب لأزداد معرفة لنفسي وللعالم الذي يحيط بي. الكتابة كما أعيها وأتمثلها هي أيضا انتصار على العابر. إنها شكل من أشكال مقاومة الموت الذي نعيش داخله وبه منذ أن نأتي إلى هذا الكون”.


شخصيات تجر تاريخها


في روايته الأخيرة “عواطف وزوارها ” هناك أكثر من محور للسرد. هناك الماضي والحاضر للشخصيات بين تونس وفرنسا، الأمر الذي يشير إلى أن هذه المستويات المتعددة للسرد تمنح العمل فرصة قراءته بأكثر من رؤية، يقول السالمي في هذا الشأن: “في كل رواياتي الماضي والحاضر يمتزجان لسبب بسيط وهو أن الحياة التي تشكل المادة الأساسية لما أكتبه تستدعي هذين الزمنين وتحيل إليهما باستمرار. لا وجود للماضي خارج الحاضر ولا حاضر بدون ماض. هناك تداخل بينهما وحركة ذهاب وإياب منهما وإليهما لا تتوقف أبدا. ولو تأملنا الأمر قليلا لاكتشفنا أن الزمن الوحيد الذي يمتلكه الروائي حقا ويستطيع أن يشتغل عليه فنيا هو الماضي لأن المستقبل هو زمن مؤجل باستمرار. أما الحاضر فهو يتحوّل بمجرد حضوره إلى ماض”.

ويضيف قائلا: “هذا التداخل بين الأزمنة وهذا السفر بين الأمكنة يتيحان بالطبع إمكانيات توسيع آفاق السرد مما يجعل تعدد القراءات ممكنا. ولكن هذا التعدد ناتج أيضا عن حضور الشخصيات وهي كثيرة في هذه الرواية وعن شبكة العلاقات التي نسجتها بينها وعن التطور الذي شهدته هذه العلاقات. هناك حب وصداقة. هناك تواطؤ وتنافس. هناك أسرار وفضائح. وبالرغم من أن هذه الشخصيات تنتمي إلى ما يمكن أن نسميه “وسط مثقفين ومتعلمين” فإن مساراتها الحياتية مختلفة. كل شخصية تجرّ وراءها ماضيها. من هنا هذا التباين في الرؤى والمواقف والأفكار خصوصا في مسائل مهمة كالهوية والدين والجنس وعلاقة الأنا بذاته وعلاقته بالآخر”.


المجتمع التونسي


كتب السالمي في روايته “نساء البساتين” عن المجتمع التونسي المعاصر من خلال عالم عائلة من الطبقة المتوسطة، حتى أن بعض النقاد ذهبوا إلى أن السالمي مغرم بالبحث في الحياة بمجرياتها اليومية لإنجاز عمل ما، ومؤمن بأن الأدب يؤثر في هذه الحياة، عن هذه المسألة يعتقد السالمي أن “البحث في الحياة بتفاصيلها ضروري في الكتابة الروائية لأن الحياة لا تتجلى في الأفكار الكبيرة فقط وإنما أيضا في التفاصيل. وأحيانا تكون هذه التفاصيل حين نعرف كيف نستنطقها ونسألها ونوظفها أكثر دلالة وأهمية من الأفكار العظيمة”.

عدد قراء الرواية بالعالم العربي في تزايد لكنه يظل أقل بكثير من عدد قراء الرواية في بلدان أوروبا

ويشرح ذلك بقوله: ’’رواية “نساء البساتين” تقارب عالم أسرة تونسية متواضعة وهي تتدبر أمر حياتها اليومية. لكن من هذا العالم الصغير تنفتح الرواية على عالم أكثر رحابة وتعقيدا تتجلى فيه أوجاع المجتمع التونسي وهمومه وتناقضاته. كتابة هذه الرواية هاجس لازمني لعدة أعوام. كان لا بدّ أن أكتبها كي أصف الدمار الذي لحق بالمجتمع التونسي بعد سنوات عديدة من حكم بن علي”. أما عن سؤال، هل يمكن للأدب أن يؤثر في الحياة؟ يجيب السالمي قائلا: “طبعا. لكن ليس بالشكل الميكانيكي السريع الذي يتصوره بعض الحالمين. وفي الحقيقة لا أحد بمقدوره أن يقول كيف يتمّ ذلك. لأن هذا التأثير بطيء جدا وله إيقاعه الخاص ويتوقف على من يقرأ هذا الأدب. ثمّ إن هذا التأثير قد يتخذ أشكالا لا نتوقعها‘‘.

الحبيب السالمي، رشحت روايتاه “نساء البساتين” و”روائح ماري كلير” ضمن القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية عامي 2009 و2012، وهذا الترشيح زاد من عدد قرائه، فهل كان للجوائز إضافات عديدة على المستوى الشخصي، وفي هذا الشأن يقول: “نعم، عدد القراء تزايد فقد صدرت هاتان الروايتان في طبعة ثانية بعد إدراجهما ضمن القائمة القصيرة لجائزة البوكر. أما بخصوص الجوائز فأنا لا أعتقد أنها تضيف شيئا مهما للكاتب على المستوى الإنساني. الكاتب الحقيقي لا تغيّره الجوائز أو التكريمات التي تكاثرت في الأعوام الأخيرة خصوصا أن الكثير من هذه الجوائز العربية فقدت مصداقيتها. وعلى أي حال المبدع الحقيقي لا يفكر بتاتا في مثل هذه الأمور حين يكتب. ما يهمه بالأساس هو الكتابة”.


قراء في الغرب


ترجمت روايات السالمي إلى عدة لغات أجنبية، حيث تعتبر هذه الترجمة مفتاح الوصول إلى قارئ مختلف خاصة وأن أعماله تدور أحداثها في أجواء عربية وأحيانا تونسية، وفي هذا الصدد يقول السالمي: “أعتقد أن الهدف الأساسي من الترجمة هو الوصول إلى قارئ جديد. والقارئ الذي يقبل على رواياتي يعرف أن أحداثها تدور في مناخات عربية وتونسية. لديّ الآن -مثل كل الروائيين العرب الذين ترجمت أعمالهم ترجمة حقيقية وصدرت عن دور نشر محترمة ومعروفة- قراء في أوروبا خصوصا في فرنسا وألمانيا. لقد ترجمت لي خمس روايات إلى اللغة الفرنسـية وثلاث روايات إلى الألمانية. وفي العديد من الندوات ومعارض الكتاب التي دعيت إليها في فرنسا وألمانيا وسويسرا والنمسا وإيطاليا التقيت بهؤلاء القراء واستمعت إلى آرائهم في رواياتي والرواية العربية عموما وأجبت عن أسئلتهم واستفدت كثيرا من ملاحظاتهم”.

روايات السالمي ترجمت إلى عدة لغات أجنبية

وعن مجال النقد الذي يرى البعض أنه يعاني من عديد الأزمات، يقول السالمي: “أعتقد أن تجربتي مع النقد ليست سيئة إذا أخذنـا بعيـن الاعتبار كونـي روائيا مغاربيا. في فترة ما كان النقد الروائي يركز على روائيي ما يسمونه “المركز". لا أتحدث بالطبع عن نقد المجاملات الذي لا أحد يعيره اهتماما وإنما عن النقد الرصين. لكن منذ سنوات قليلة تغير الأمر إلى حد ما. كل رواياتي التسع بدءا من “جبل العنز" وحتى “عواطف وزوارها” حظيت باهتمام النقاد. ومن بين الذين كتبوا عنها نقاد مثل جبرا إبراهيم جبرا ومحمد برادة ويمنى العيد وصلاح فضل وفيصل دراج”.

وحول اهتمام الإعلام الغربي بأدبنا العربي المترجم، يقول السالمي: “وسائل الإعلام في الغرب لا تهتم كثيرا بالأدب العربي المترجم. في فرنسا مثلا كل الاهتمام ينصب على أدب العرب الذين يكتبون بالفرنسية. وإن اهتموا بالكتاب الذين يكتبون بالعربية فإنهم يركزون عموما على كُتاب المشرق العربي وتحديدا على لبنان ومصر. إنهم يتصورون أن كُتاب المغرب العربي يكتبون كلهم بالفرنسية. وبالرغم من ذلك فقد كتبت عن رواياتي مقالات في صحيفة “لوموند” و”لو موند ديبلوماتيك” و”ليبيراسيون”. كما أذيعت وبثت مقابلات معي في محطات إذاعية وتلفزيونية معروفة مثل “فرانس كيلتور” و”فرانس أنتير” و”تي. في. سانك”.


الإقامة في اللغة


عن علاقة السالمي بالقارئ، وهل يفكر فيه قبل أي مشروع إبداعي، يقول: “لا يشغلني القارئ. لكني حين أكتب أعرف أن ما أكتبه سيقرؤه قارئ ما. لا أعرف بالضبط من هو وكيف هو وما هي ثقافته وكيف سيكون موقفه مما أكتب. لكن أعرف أنه موجود في عدة بلدان. عربية وغير عربية”.

هناك من يعتبر أن الروائي موجود في شخصياته الروائية، فهو يخترعها ويعيشها، فما طبيعة علاقة السالمي بشخصياته السردية، عن هذا التساؤل يقول السالمي: “من الطبيعي جدا أن يكون الروائي في شخصيات رواياته بما أن هذه الشخصيات هي من اختراعه. وهذا الاختراع يتأثر بفلسفته في الحياة ورؤيته للعالم. أعتقد أن الكثير من عالم الروائي يتسلل إلى هذه الشخصيات رغم أنفه. فالكتابة في جزء منها هي عمل لا واع ينفلت منا ولا نستطيع السيطرة عليه حتى لو أردنا. لكن ما هو جميل وعميق في الكتابة هو أن ذلك لا يحول دون خلق شخصيات مختلفة لها مزاجها ومناخاتها الخاصة”.

حول اختياره الكتابة باللغة العربية رغم إقامته بفرنسا، يقول السالمي: “أولا أنا لم أختر العربية كلغة كتابة. الكتابة باللغة العربية أمر بديهي بالنسبة إلي لأني لما بدأت أكتب كنت أقيم في تونس. كان بإمكاني فيما بعد لما انتقلت إلى باريس وصرت أقيم فيها بشكل دائم أن أغير لغة الكتابة خصوصا أن أغلب الكُتاب المغاربة الذين يقيمون في فرنسا يكتبون بالفرنسية. لم أفعل ذلك لأنه ليس من السهل أن يغير الكاتب اللغة التي يكتب بها. لا يكفي أن تتقن لغة أجنبية لكي تكتب بها. اللغة هي أعمق بكثير من وسيلة تعبير. اللغة هي الفكر. هي كل ما يحدد رؤيتك للعالم. وعندما تغير هذه اللغة فإنك تغير طريقة تفكيرك وطريقة سكنك العالم. الكتاب المغاربة الفرانكوفونيون لم يكتبوا أبدا بالعربية. إنهم يختلفون تماما عن بيكت الذي كتب بالأنكليزية قبل أن يكتب بالفرنسية أو نابوكوف الذي كتب بالروسية قبل أن يكتب بالأنكليزية. نعم، نحن بمعنى ما نقيم في اللغة. الإنسان هو كائن لغوي بامتياز. أحب الفرنسية وأقرأ لها كثيرا. لكني أعشق العربية. أما الذين يقولون إن اللغة العربية عاجزة عن التعبير عن هموم العصر أو إنها غير دقيقة فهم لا يعرفون هذه اللغة ويجهلون عبقريتها وقدراتها الهائلة”.


أزمة قارئ


يذهب الحبيب السالمي إلى نفي ما يتردّد من قول بأن الرواية العربية تعيش أزمة، ويقول: “لقد عرفت الرواية في العقدين الأخيرين تطورا واضحا إن على مستوى التيمات التي تنوعت شملت حتى ما كان يعد محرما أو على مستوى اللغة التي صارت أقل إنشائية وأكثر التصاقا بالواقع وأكثر تناغما مع التجربة الحياتية. وإن جاز الحديث عن أزمة فلنقل إنها أزمة قارئ. لا بد أن نعترف بأن عدد القراء للرواية في العالم العربي في تزايد بشكل واضح في الأعوام الأخيرة لكنة يظل أقل بكثير من عدد قراء الرواية في بلدان أوروبا”.

تعيش المنطقة العربية عديد الأحداث التي نراها مساعدة على خلق أسلوب جديد في الكتابة الروائية، وعن هذا الموضوع يقول السالمي: “ربما. لا أحد يستطيع التنبؤ بما ستصير عليه الرواية في المستقبل. من المؤكد أنها ستتأثر بما يحدث حاليا في العالم العربي وستتفاعل معه لأنها لا يمكن أن تبقى بمعزل عن التحولات التي تشهدها المنطقة حاليا”.

15