الحبيب الصيد من مواقع الظل إلى واجهة الحياة السياسية

الأحد 2015/01/11
الصيد رئيس الحكومة التونسية الجديد ورجل الدولة

تونس - مع اختياره من قبل حزب نداء تونس صاحب الأغلبية البرلمانية بالتشاور مع عدد من الأحزاب السياسية رئيسا للحكومة التي سيعهد إليها تنفيذ برنامج لإنقاذ تونس من الأزمة التي تتخبط فيها يكون الحبيب الصيد الشخصية السياسية المستقلة قد غادر “موقع رجل الظل” في المؤسسات الإدارية والحكومية الذي شغله طيلة أربعين عاما بعيدا عن الأضواء ليتصدر واجهة الأحداث السياسية على رأس حكومة ائتلاف وطني يعلّق التونسيون عليها آمالا واسعة في مواجهة عديد التحديات وفي مقدمتها إعادة الاعتبار لهيبة الدولة ومؤسساتها السيادية وتوفير الأمن وضمان الاستقرار وإطلاق برامج تنموية كفيلة بإنعاش الاقتصاد المتهالك وتحسين الأوضاع المعيشية لفئات واسعة من المجتمع التونسي وفي مقدمتها الجهات الداخلية المحرومة والأحياء الشعبية الأشد حرمانا.

خلال أربعين عاما قضاها متنقلا بنجاح في مسؤوليات إدارية وحكومية خبر الحبيب الصيد كيفية معالجة ملفات حساسة مثل الاقتصاد والأمن في فترات أقل ما يقال فيها إنها صعبة في تاريخ تونس ونأى بنفسه عن أي انتماء حزبي بما في ذلك حزب التجمع الدستوري الذي كان حاكما في عهد الرئيس زين العابدين بن علي “متسلحا” بعقلية “رجل الدولة” الأمر الذي ساعده على مراكمة تجربة عريقة في معرفة تسيير دواليب الدولة وخاصة في المجال الاقتصادي والأمني وهما ملفان شائكان ويعتبران عمودي الاستقرار في مجتمع تعوزه الموارد الطبيعية وتعصف به من حين إلى آخر حالات من الانفلات الأمني.

يتحدّر الصيد المولود في يونيو 1949 من مدينة سوسة الساحلية معقل الحزب الدستوري الذي أسسه الزعيم بورقيبة في الثلاثينات من القرن الماضي وكان “الانتماء” إليه يعد “شرطا” لتولي المسؤوليات والمناصب في المؤسسات الإدارية فما بالك بالحكومية. غير أن الصيد مثّل حالة استثنائية حيث نأى بنفسه عن الانتماء الحزبي وفرض نفسه ككفاءة وطنية مستقلة لا تقل عطاء وتفانيا في خدمة تونس عن نشطاء الحزب أنفسهم.

وقد ساعدته استقلاليته إلى حد كبير في نحت ملامح “التكنوقراط” الذي يعالج الملفات التي توكل إليه “معالجة إدارية” على أساس المعرفة والخبرة بعيدا عن الخلفيات الحزبية التي كثيرا ما تكبل المسؤولين وتحول دون المبادرة والجرأة في اتخاذ أي قرار إلا بالرجوع إلى مركز القرار في الحزب.

كما ساعدته استقلاليته التي تمسك بها في ظل “سطوة” الحزب الواحد الحاكم في نسج علاقات وثيقة وواسعة مع السياسيين ونشطاء المجتمع المدني منتهجا في ذلك أسلوبا ممزوجا بالتكتم والحذر وهما صفتان كثيرا ما تلازمان التكنوقراط وكبار المسؤولين في الإدارة التونسية وتعدان ضمانة لتأمين مسار الارتقاء الوظيفي دون انتكاسة أو خضات.

ولم يكن توصل نداء تونس لترشيح الصيد رئيسا للحكومة كشخصية مستقلة بالأمر السهل إذ قاد الحزب الفائز بالأغلبية البرلمانية مشاورات شاقة مع عدد من الأحزاب السياسية بهدف التوافق على شخصية تحظى بالحد الأدنى من الإجماع بما يساعد على تشكيل حكومة ائتلاف وطني تكون بعيدة عن المحاصصة الحزبية ولا تستنسخ تجربة الترويكا بقيادة حركة النهضة التي حكمت البلاد عامي 2012 و2013.

ولا يخفي الندائيون أن هناك عاملين أساسيين قد حسما ترشيح الصيد من بين عدد من الأسماء الأخرى، هما استقلاليته عن مختلف الأحزاب وعلاقته الجيدة بالرئيس المنتخب الباجي قائد السبسي وهو ما من شأنه أن يضفي سلاسة في التعامل بين رأسيْ السلطة التنفيذية أي رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة.

الصيد يتمتع بصورة رجل الدولة الخبير بإدارة دواليب المؤسسات وفق منطق الدولة، لا مصلحة الحزب، ويضع الولاء للدولة فوق أي ولاء ملتقيا مع الفكر السياسي الذي يتبناه الرئيس المنتخب الباجي قائد السبسي


رجل دولة


يظهر المسار المهني لرئيس الحكومة الجديد والمسؤوليات الإدارية والحكومية التي تولاها خلال أربعين عاما أن الرجل نحت لنفسه صورة رجل الدولة الخبير بإدارة دواليب المؤسسات وفق “منطق الدولة” لا “مصلحة الحزب” ويضع “الولاء للدولة” فوق أي شكل من أشكال الولاء الأخرى وهو يلتقي في ذلك مع الفكر السياسي الذي يتبناه الرئيس المنتخب الباجي قائد السبسي الذي جعل من “إعادة الاعتبار لهيبة الدولة” إحدى أهم أولويات برنامجه خلال الفترة القادمة.

فقد بدأ الصيد عمله في دواليب الإدارة مسؤولا عن دراسات الريّ الزراعية بالإدارة العامة للهندسة الزراعية خلال 5 سنوات، في الفترة من 1975 وحتى 1980، وتمّ تعيينه مديرا عاما لمكتب تطوير المناطق السقوية بمنطقتيْ قفصة والجريد بين عامي 1980 و1990، وأصبح مندوبا للتنمية الزراعية في القيروان، إلى أن أصبح رئيسا مديرا عاما التنمية الزراعية ببنزرت عام 1989.

وفي عام 1993 عيّن مديرا لديوان وزير الزراعة، وشغل منصب مدير ديوان وزارة الداخلية بين عامي 1997 و2001، ثم عاد للزراعة ثانية ككاتب دولة لدى وزير الزراعة حتى عام 2002، ثم بالبيئة حتى عام 2003.

ثم تولى منصب مدير عام في شركة النقل بالأنابيب بالصحراء من يونيو 2003 وحتى نوفمبر 2004، ليشغل بعدها منصب المدير التنفيذي للمجلس الدولي للزيتون في مدريد الأسبانية.

ومن خلال تجربته على رأس المؤسسات الإدارية وفي مراكز حكومية سواء في وزارة الزراعة أو في وزارة الداخلية راكم الصيد خبرة ميدانية مزدوجة تتعلق بأهم ملفين كثيرا ما راهنت عليهما تونس وهي تشق طريقها نحو التنمية الاستقرار وهما الملف الاقتصادي والملف الأمني.

وقد عمقت الخبرة في إدارة الملف الاقتصادي والملف الأمني وعيا لدى الحبيب الصيد بأن المعالجة الناجعة للملفين هي المدخل لبناء دولة مدنية قوية ذات مؤسسات سيادية مهابة قادرة على قيادة البلاد وتحقيق تطلعات التونسيين إلى التنمية والاستقرار.

وعندما تولى قائد السبسي في مارس 2011 رئاسة حكومة ما بعد ثورة يناير 2010 التي أطاحت بنظام الرئيس زين العابدين بن علي وجد في الحبيب الصيد خصائص رجل الدولة القادر على تأمين سير مؤسساتها دون المساس بأهداف الثورة فعيّنه وزيرا للداخلية غير أن الوضع الذي مرت به البلاد في تلك الفترة وما رافقه من احتقان اجتماعي واحتجاجات دفعت بالصيد إلى الاستقالة في شهر ديسمبر 2011.

ولم يدم ابتعاد الصيد عن العمل الحكومي الأمني طويلا حيث عينه رئيس حكومة الترويكا والقيادي آنذاك في حركة النهضة حمادي الجبالي مستشارا له مكلفا بالملف الأمني في 2012، وهي خطة أثرت سلبا على صورته باعتبار خطورة الانفلات الأمني الذي شهدته تونس وما تخللها من أعمال عنف بلغت حد اغتيال المناضل العلماني شكري بلعيد على يد الجماعات الجهادية.

ويقول المقربون منه إن الحبيب الصيد كان متحمسا لتولي منصب وزير الداخلية في حكومة قائد السبسي بدافع أساسي يمثل اقتناعا لديه وهو أن الثورة التي قادها أبناء الجهات المحرومة قامت ضد “النظام بما هو جملة من الخيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية” ولم تقم ضد “الدولة ومؤسساتها السيادية” وأن تحقيق أهداف الثورة من حرية وكرامة “يستوجب الحفاظ على هيبة الدولة وتأمين تسيير دواليبها” حتى لا تسقط البلاد في أتون الفوضى الاجتماعية والأمنية.

لم يكن اختيار الحبيب الصيد رئيسا للحكومة بمنأى عن التحديات الحقيقية التي تواجهها تونس نتيجة الأزمة التي تتخبط فيها منذ أربع سنوات جراء مخلفات فترة حكم الترويكا الفاشلة بقيادة حركة النهضة، وفي مقدمة تلك التحديات وضع حد للانفلات الأمني ومكافحة الإرهاب الذي بات يهدد استقرار البلاد وإنعاش الاقتصاد الذي تراجع أداؤه إلى أدنى المستويات.

فقد أكد نداء تونس أن اختيار الصيد رئيسا للحكومة جاء بناء على “خبرته الجيدة في الميدان الأمني والاقتصادي” بالإضافة إلى كونه شخصية مستقلة ورجل دولة له تجربة في الحكم ومعرفة بدواليب الدولة.

ويبدو أن التجربة في إدارة الملفات الأمنية التي خاضها الصيد في وزارة الداخلية خاصة في حكومة قائد السبسي كان لها التأثير الكبير في حسم اختياره رئيسا للحكومة في وقت تواجه فيه تونس هجمات المجموعات الإرهابية وانتشار خلايا نائمة مسلحة في عدد من الجهات وفي الأحياء الشعبية إضافة إلى الأخطار التي تتهدد البلاد جراء الحرب في ليبيا.

استقلالية الصيد تساعده إلى حد كبير في نحت ملامح التكنوقراط الذي يعالج الملفات التي توكل إليه معالجة إدارية على أساس المعرفة والخبرة بعيدا عن الخلفيات الحزبية


مواجهة التحدي الأمني والاقتصادي


يمكن أن نتفهم هذا الهاجس الأمني بالعودة إلى برنامج قائد السبسي الذي وضع مكافحة الإرهاب في سلّم الأولويات وأعتبر أن إنقاذ تونس من أزمتها يستوجب قبل كل شيء توفير الأمن والاستقرار بالقضاء على الإرهاب داعيا إلى إستراتيجية إقليمية في المجال.

وينظر إلى الصيد على أنه يمتلك من الخبرة والتجربة الأمنية ما يؤهله لقيادة حكومة قادرة على وضع خطط عملية لمكافحة الظاهرة الإرهابية بحزم في إطار الخيار السياسي الذي ينتهجه قائد السبسي والذي يهدف إلى إعادة الاعتبار لهيبة الدولة والولاء لتونس دون سواها من الجماعات الجهادية التي قويت شوكتها خلال السنوات الماضية حتى أن البلاد باتت تتصدر قائمة البلدان المصدرة للإرهابيين الذين يقاتلون في صفوف تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام.

بالإضافة إلى خبرته الأمنية يمتلك الصيد خبرة في إدارة الملفات الاقتصادية اكتسبها من خلال مسيرة طويلة في وزارة الزراعة حيث تقلد مسؤوليات ومراكز قرار ساعدته في تحسس مفاصل الاقتصاد والتعرف الميداني على الآليات والخطط العملية الكفيلة بالتعاطي مع الأزمة التي تمر بها البلاد.

وسيعهد إلى رئيس الحكومة الجديدة تنفيذ برنامج قائد السبسي الذي يقوم على إنعاش الاقتصاد وتنشيط المؤسسات وجلب الاستثمارات الخارجية وهو بذلك سيواجه أحد أهم التحديات المطروحة على البلاد في ظل تدهور الأوضاع الداخلية وصعوبة الظرف الإقليمي والعالمي الأمر الذي يستوجب إطلاق منوال تنموي جديد يأخذ بعين الاعتبار حاجيات البلاد وتطلعات التونسيين من جهة، ومدى استعداد شركاء تونس لفتح أسواق جديدة من شأنها أن تدعم إصلاحات هيكلية ولا تستنسخ تجربة الترقيع التي انتهجتها حكومة الترويكا ولم تجن منها البلاد سوى تعميق الأزمة من جهة أخرى.

ويرى عدد من السياسيين وكذلك الخبراء أن الصيد يعد كفاءة اقتصادية وطنية قادر على مواجهة هذا التحدي باعتبار أهمية تجربته التي صقلتها المسؤوليات التي تولاها، وأيضا باعتبار انفتاحه على الكفاءات إذ ينتظر أن يسند حقيبة الاقتصاد إلى شخصية ذات كفاءة عالية في إدارة الملف الاقتصادي والتنموي بصفة عامة.

غير أن المراقبين يتوقعون أن تواجه حكومة الصيد صعوبات حقيقية في تعاطيها مع ملف الإرهاب وملف الأمن باعتبار أنهما ملفان خطيران ومعقدان لا تتوقف معالجتهما عند كفاءة رئيس الحكومة وإنما تتجاوزهما إلى اعتبارات أخرى تشمل طبيعة الوضع الداخلي المتسم بالهشاشة والاحتقان كما تشمل امتدادات خارجية لها تداعيات مباشرة على تونس.


ترحيب وانتقادات


على الرغم من شبه إجماع السياسيين بأن الحبيب الصيد “شخصية مستقلة” و”كفاءة وطنية” و”رجل دولة له معرفة بتسيير دواليبها” فقد أثار ترشيحه على رأس الحكومة جدلا بين مرحب ومنتقد.

فقد رحب بترشيحه عدد من الأحزاب مثل حركة النهضة وحزب الإتحاد الوطني الحر وحزب المبادرة وحزب آفاق تونس ووصفته بأنه “شخصية توافقية ومناسبة جدا لتولي مهمة رئاسة الحكومة باعتبار خبرته في مجال الاقتصاد والأمن” و”يتمتع بخبرة سياسية وإدارية هامة” و”شخصية تحظى بالاحترام خاصة وأن تونس تحتاج في الفترة المقبلة إلى حكومة وحدة وطنية موسعة”.

أمين عام حركة الشعب زهير المغزاوي يعتبر الحبيب الصيد واحدا من رموز نظام بن علي ويمثل نقطة التقاء بين حزبي نداء تونس والنهضة

غير أن عددا من الأحزاب الأخرى وفي مقدمتها الائتلاف اليساري “الجبهة الشعبية” وهي القوة الانتخابية الرابعة بالبرلمان اعتبرت أن ”تكليف الحبيب الصيد يمثل رسالة سلبية أولى للرأي العام باعتبار أن الرجل ابن المنظومة السابقة في مختلف مراحلها بما فيها مرحلة بن علي والترويكا. كما أنه من الواضح أن من بين أسباب اختياره ترضية حركة النهضة”.

وأكّدت الجبهة الشعبية أن من شروط توفّق أيّ حكومة جديدة هو استبعاد رموز الفشل من منظومة الترويكا ورموز النظام الاستبدادي البائد، كما اعتبر أمين عام حركة الشعب زهير المغزاوي أن الحبيب الصيد “هو أحد رموز نظام بن عـلي ويمثل نقطة التقاء بين حزبي نـداء تونس والنـهضة”.

ومن شأن هذه المواقف المتباينة، كما يرى كثير من المحللين، أن تعقّد مهمة الصيد في تشكيل حكومة ائتلافية تضم العائلة الديمقراطية كما أعلن عن ذلك سابقا قائد السبسي إذ يبدو من الصعب عليه إقناع الجبهة الشعبية بالمشاركة في حكومة ترأسها شخصية تعتبرها من رموز النظام الاستبدادي وتشارك فيها حركة النهضة خاصة وأن الجبهة سبق وأن أعلنت أنها لن تكون طرفا في حكومة يتواجد فيها وزراء من الحركة الإسلامية نظرا لاختلاف البرامج الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وأيضا للاختلاف حول نمط المجتمع.

وعلى الرغم من أن ترشيح الصيد “قلل” مخاوف الأحزاب من هيمنة نداء تونس على السلطة وعلى احتكار إدارة دواليب الدولة فقد أثار قلقا في صفوف الأحزاب اليسارية من عودة “النظام السابق” الذي تقلد فيه الصيد مسؤوليات إدارية سياسية هامة.

غير أن المراقبين “يقللون” من مخاوف اليسار لافتين إلى أن نداء تونس حزب علماني ديمقراطي يؤمن بحق كل التونسيين في المشاركة في الشأن العام بعيدا عن منطق الإقصاء.

وهم يؤكدون أن ترشيح الحبيب الصيد كشخصية مستقلة لرئاسة حكومة ائتلاف وطني وتكليفه بإجراء مشاورات موسعة مع الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني بشأن تركيبتها يعد دليلا قويا على أن النداء نأى بنفسه عن الحكم بمفرده ليقود تجربة ديمقراطية ناشئة هي الأولى من نوعها في تاريخ البلاد.

7