الحب أهم سلاح لمحاربة الزهايمر

الاثنين 2016/05/23

انتابتني حالة غريبة من تفلّت للأحداث من ذاكرتي ووقوع تفاصيل هامة من يومياتي تنسكب ككوب ماء فائض عن حاجة ظمآن بعد أن أعياه الري. سقوط مدوّ لعقل أنهكته السنون وتعاقبت عليه الأحداث والأفراح، ونالت منه الأتراح. لا أعاند الزمن، أعلم أنها الشيخوخة تأكل من عمري وترسم خارطة واضحة المعالم على جلدي وحتى عمودي الفقري خصمت منه بضع سنتيمترات، أسناني التي عجزت عن البقاء وأعلنت الرحيل تلكزني كل واحدة منها قبل الرحيل لتذكرني بشيخوختي. أدرك أن صحة المخ تقل تدريجيا مع التقدم في العمر، لكنني أبدا لم أكن أعرف أنه سيأتي يوم ما لا أتذكر فيه أسماء أقاربي أو رقم هاتف ابني، أو عنوان منزلي. قد أنسى اسمي ونفسي.

أمام حفيدها الحانق على جدة كانت يوما ما أما بديلة ترضعه الحب بلا حساب، وقفت المرأة التي تودع الستينات حزينة على اتهام الصغير لها بالكذب واختلاق ما لا يحدث، نظرت إليه نظرات عديدة وكأنما تستجمع صورته في ذهنها وتعيد رسم ملامحه مرة أخرى لعلها تلملم خيوط ما يقول، لتعرف من أين تبدأ الحديث. ولكنها عادت للنظر لشيء، قبل أن تبكي بحرقة شديدة وهي تهمس، أنا لا أكذب ولا أضيف تفاصيل لحكايات أعرفها وإنما أكمل أحداثا فقدت القدرة على تذكرها يا صغيري، جدتك التي كانت تقص عليك الحكايات فقدت شطرا من ذاكرتها، لست كاذبة يا ابن عمري ولكنني بعد اعتصار ذاكرتي الضعيفة لا أجد ما أقوله يكمل عقلي نصف المعطّل بتفاصيل يقنعني بصدقها، أو أن العقل الواهن يخشى افتضاح أمره وكشف السر. أنا مريضة بالزهايمر يا ولدي، أتلقى العلاج سرا حتى لا أحصد عطفا وشفقة مجانيين، أو هذا الاتهام السخيف بعينيك، ولكن ساءت حالتي حتى أنني أخشى خروجي من البيت يوما ما دون أن أعلم طريق العودة، وبعين ملؤها الحزن والانكسار ربتت على كتف الصغير تنفي ما رماها به من كذب وتمزق ستر مرضها.

كنت أنسى مواعيد دروسك ومدرستك ولا أنتبه لمرور الوقت السريع، وأنا كسلحفاة في سباق مع أرنب، لم أكن أعرف أن تاريخي وعمري أصبحا بلا قيمة.. بلا توثيق.. بلا ذاكرة ويصعب علي تذكر الكثير من الأحداث والمواقف. ضاع العمر والآن يضيع العقل.

حركت كلمات الستينية المريضة قلب الصغير ومزقت خلجاته دون أن يعرف ماذا يفعل، ولكنه احتضن جدته وظلا في عناق طويل حتى بكت، فهذا ما كانت بحاجة إليه.

حبست دموعي وأنا أستمع لما أصاب الجدة ولا أنكر حالة القلق والرعب التي انتابتني إن مر بي العمر ووصلت إلى حالة هذه الجدة خاصة أني في مشاغل الدنيا وزحمة الأحداث تضيع مني الكثير من التفاصيل الهامة في يومياتي. ظل القلق يمزقني من حين إلى أخر حتى التقيت بصديقتي الطبيبة النفسية التي قالت إن الحب أهم سلاح لمحاربة الزهايمر، والحنان والرعاية المستمرة للمريض كطفل صغير وربما تفوق، وسماع كلمات بسيطة لطيفة من شأنها أن تشعره بالتقبل.

وتقول الإحصائيات إن الزهايمر يصيب الأشخاص فوق سن الـ65 بنسب قليلة ولكنه يزداد مع التقدم في السن لتصبح نسبة الإصابة 50 بالمئة عند عمر 85 عاما.

فهناك ثلاثة أنواع منها، الزهايمر المبكر وهو نادر بعض الشيء يصيب الإنسان قبل 65 عاما ويرتبط ببعض الأمراض العصبية الأخرى، والمتأخر بعد 65 عاما، والعائلي الذي تحركه الوراثة وهو نادر الحدوث وعادة ما يصيب في الأربعين من العمر. وسمي المرض باسم مكتشفه العالم الألماني ألويسيوس التسهيمر.

والزهايمر ليس قاصرا على شريحة اجتماعية معينة فقد أصاب الرئيس الأميركي الراحل رونالد ريغان، والفنان العالمي المصري عمر الشريف، ولاعب الكرة فرينك بوشكاش، والعالم الأميركي كلود شانون.

كاتبة من مصر

21