الحب القاتل

ناقوس الخطر دق بالإعلان عن انتخابات وشيكة في جزْأَين غير لصيقين، إذ تفصل بينهما أرض مصنفة كصحراء، واحتلال يصعب معه على الناس أن تتدفق من هذا الشطر إلى ذاك.
الأحد 2021/03/21
العشوائي يمضغ ولا يبتلع

كان هناك محض سور يفصل برلين الشرقية عن الغربية. في الأولى كان الحكم الخشن يتعلل بأيديولوجيا، أما في الثانية فقد استند الحكم إلى رأسمالية متقنة. وبحكم أن الفاصل كان مجرد سور فقد تولى الفقراء والميسورون هدمه. لكن الأيديولوجيتين لم تتصالحا على الرُغم من الجوار.

في الضفة وغزة، الفلسطينيتين، هناك نظامان اثنان للحكم، أحدهما مستبد ويعتمد سياسة عشوائية وبلا ملامح أيديولوجية، والثاني أيديولوجي التعليل، خشن وبلا ملامح سياسية. وعلى الرغم من غلاظة الطرفين إلا أن الواحد منهما يحسب كل صيحة عليه، ويجزع من صفير الصافر.

دق ناقوس الخطر بالإعلان عن انتخابات وشيكة في جزْأَين غير لصيقين، إذ تفصل بينهما أرض مصنفة كصحراء، واحتلال يصعب معه على الناس أن تتدفق من هذا الشطر إلى ذاك. لكن الانتخابات التي أُعلن عنها ستُجرى على أساس أن الجزأين يمثلان وحدة سياسية وجغرافية واحدة!

ولأن الطرفين يتطيران من الانتخابات وتعمدا تعطيلها خمسة عشر عاما فقد اضطرا إلى الأخذ بتدبير اندماج انتخابي بينهما، على أمل موازنة النتائج مع ناقمين سيصوتون ضداً، في الشطرين.

في التعرض السياسي للتصالح بين الأيديولوجي المدبب والسياسي العشوائي يصح أن يلجأ واحدنا إلى شيء من خارج السياسة والأيديولوجيا. ولن يجد أقرب إلى هذه الحكاية العجيبة مما يجري في حياة مملكة النحل. يمكن أن يلتقط كتاب العالم الأميركي بروغان تاوتز بعنوان “طنين حول النحل”، وفيه ما ينذر بعظائم الأمور. يقول العالم إن جلالة الملكة في ذلك العالم الحائر تختار طريقة نكاحها بنفسها، وتشترط أن يكون في الأعالي أثناء الطيران. تُقلع ومعها سرب من الإناث العقيمات العذراوات اللاتي يحرسنها، وتطير عكس الريح. فلا الأرض تليق بمضاجعتها ولا اتجاه الريح يليق بالذكور طلاعي الثنايا. هناك، فوق، تصطفي الملكة ذكرًا فتُنعم عليه بشرف الاقتران بها، على أن يكون مقابل هذا الإنعام أن يلقى الذكر الطامح حتفه عند الذروة، إذ ينفصل جهازه التناسلي مصحوبًا بفرقعة انفجار في جوفه، ثم يهوي ما تبقَّى منه ليتخطفه الطير في الهواء!

في السياسة عندما ينكح الأيديولوجي العشوائي -أو العكس- تحدث في “الأعالي” مشكلة أكبر. فالعشوائي يمضغ ولا يبتلع، والأيديولوجي يتسمم.

يُعد الكتاب أهم وأوثق المراجع عن نحل العسل، لكن بروغان تاوتز على الرغم من وفرة معلوماته عن الموضوع كمتخصص في علم الحشرات أقر بأنه يجهل الكثير من تفصيلات الغواية، أو سر ودوافع التزاوج القاتل بين ذكور النحل والملكات العذارى. فوقائع هذا الحدث الدرامي لا تزال تخضع للتخمين، لأنه تزاوج يتم بعيدًا وعاليًا، في الهواء، ومن ذا الذي سيلاحق كل تفصيلاته في عليائها؟

قال الكاتب في أحد تخميناته: إن العاملات العقيمات اللائي يشكلن سربًا من الحرس الخاص الذي يرافق صاحبة الجلالة المنطلقة إلى أعلى وعكس اتجاه الريح هن اللائي يصطفين ذكرًا معينًا لكي يُصار الإنعام عليه بنوال شرف الاقتران، ثم الموت، في لحظة اللذة القصوى. وقال موفياً الذكر بقايا حقه: إن بعضاً من حميم جسده المفتت يظل متصلًا بحميم جسد الأنثى المنتشاة، ويُسمى ذلك “علامة التخصيب”.

عندما تناول النقاد كتاب تاوتز بالتحليل قالوا إن هذا الجهبذ لم يوضح لنا شيئا عن عنصر الغيرة بين الذكور الملتحقين بركب الملكة طلباً لنوع من الحب ثمنه الموت. ومن ذا الذي في مقدوره أن يرصد النوايا والدواخل؟ بل من الذي يمكن أن يطابق بين الحكاية وما يجري في السياسة؟

24