الحب المرعب

الأحد 2015/03/01

عندما يردد الشخص “عادتي هذه تُرعبني أو تُخيفني” حينها تأكد أنه يقصد عادة لديه وصلت إلى حدّ الإدمان مثل الإدمان على الكحول أو المخدرات أو إدمان المشاعر كالتعلق بشخص لدرجة الإدمان.

وعادة ما يقول هذه العبارة شخص وقع في حب أو غرام شخص آخر. وفكرة الوقوع السريع في الحب مع ذلك الآخر تبدأ في إرعابه، مع أن فكرة الحب بشكل عام لا يجب أن ترعب الإنسان، لكن هذا يحدث لأن الحب هنا لا يكون الحب العادي السامي الذي يرتقي بصاحبه وبمن يحب إنما هو حب مدمر، حب مرعب ومتعب في الوقت نفسه.

اتفق الكثير من العلماء على أن من مكونات الحب بين الاثنين التعوّد، وأنا أقول إنما هو الحب بأكمله تعوّد شخص على آخر ويتحول هذا الحب مع الزمن إلى حب صحي أو ينتهي إلى حب مدمر.

الإدمان في الحب هو حين يتحول الشخص إلى مدمن لمشاعر شخص آخر هو طرف في العلاقة وهو يأخذ أشكالا وأبعادا مختلفة من السلوك والإدمان في الحب موجود عند الغالبية من العاشقين لكنهم غير واعين بذلك. لذك نرى أنه حتى طرق معالجة مثل هؤلاء تشبه كثيراً طرق علاج مدمني الجنس والكحول والمخدرات، وهي طرق علاجية معروفة ومنتشرة في الغرب مثل اللقاءات الأسبوعية لمجموعات الدعم أو العلاجات الجماعية.

لكننا يجب أن ننوه هنا إلى أن الدليل التشخيصي والاحصائي للاضطرابات النفسية والعقلية (DSM) لم يُشر أو يذكر مثل هذا الإدمان، وهناك الكثير من المختصين لم يتوصلوا بعد إلى قرار وجود ما يُسمى بإدمان الحب وحتى إن وجد لم يبحثوا في وسائل التشخيص.

تحدث الكثير من العلماء عن الحب القهري أو الإدمان في الحب لكن لم يكن بشكل مباشر ولا بمصطلح إدمان الحب، كان منهم عالم النفس سيغموند فرويد في دراساته عن “الرجل الذئب”، وغيره من العلماء مثل روبرت برتون، وساندور رادو، لكنّ الشخص الذي فتح الأبواب لمناقشة هذا المفهوم والكتابة فيه كان ستاتون بيل في كتابه “الإدمان والحب”، بالرغم من أن مضمون الكتاب كان عن الحبّ في إطار الجماعة والمجتمع. ثم جاء مؤلفون وعلماء آخرون وأخذوا ما جاء في كتاب ستاتون وطبقوا مضمونه في إطار الفرد والعشق والغرام بين الاثنين ليصبح كما نتحدث عنه هنا.

إدمان الحب يبدأ بشعور شخص يتعاطف مع شخص آخر في لحظة انجذاب قد تكون بريئة ولكن في ثوان يتحول الطرف الآخر إلى رمز للحب الأبدي واللامنتهي عند المدمن، ثم يستمر ذلك الشخص بالارتباط والالتصاق العاطفي تجاه الآخر عن غير وعي.

وأحد أكبر الأدلة على أن مشاعر الحب هنا تحولت إلى إدمان عندما لا يستطيع المدمن تحليل ما يجري في العلاقة بشكل منطقي لأنه ببساطة لديه بعض الأفكار اللامنطقية وغير الواقعية عن الطرف الآخر، كأن يؤمن أن هذا الشخص هو الوحيد الذي يمكن أن يجلب له السعادة في الحياة ولا يعي أن مثل هذا الإيمان القوي عن حبيبه غير صحيح، لذلك مثل هذا التوقع يكبر مع الزمن ليقع ويتحطم عندما لا تُقابل توقعاته بالاستجابة، والمخيف في الأمر أن هذه العملية تكون بشكل سريع.

السلبية التي تطال الحبيب (الضحية) أنه يصبح مع الوقت من دون طاقة ولا جهد لأن المدمن يعيش ويتغذى على طاقته عندما يُلح على الاهتمام والرعاية وهنا يتحول إلى مزعج يعمل على سحب كل الطاقات الإيجابية عن الآخر وربما يعطيه في المقابل كل ما لديه من طاقات سلبية.

معظم حالات الإدمان في الحب تبدأ بمحاولات للبحث عن حاجة عاطفية كان قد فقدها المدمن في طفولته، وقد تكون هذه الحاجة معروفة لدى المدمن مثل الحاجة للشعور بالأمان أو الحاجة للشعور بالاهتمام وأحيانا مثل هذه الحاجات التي لا يعيها المدمن وتكون فقط في العقل الباطن تُسيّره حتى تدمره مع الزمن.

وتماماً كما يحدث في حالات إدمان الكحول والمخدرات والجنس، المدمن في الحب أيضاً يكون غير قادر على الوصول إلى حالة الرضا التام أو حالة الرضا المرغوبة لديه وهي بالتالي تزيد من الإدمان لدى الشخص، إضافة إلى الشعور بالاحتراق الداخلي عندما لا يكتفي بمشاعر الحب المرتبط بالعطاء من الطرف الآخر والذي يجب أن يكون بشكل مستمر من وجهة نظر المدمن، وبهذه القناعة لدى المدمن فهو يدمر إنسانيته خاصة عندما يخسر الشخص الذي أدمن عليه. حتى أن طريقة نومه تتغير فتراه ينام وجسمه يأخذ شكل القرفصاء مثل الطفل المحروم من حبّ أمه.

وعندما تنتهي العلاقة يمر المدمن بحالة الانسحاب العاطفي وتكون النتيجة نموّ رغبة أكثر من قبل في الشخص أو الحبيب وفي حبه وشعوره بالألم تماما كما يشعر مدمن الهيروين عندما ينتهي منه المخدر فيضل يبحث عنه كالمجنون. ثم سرعان ما يفقد مدمن الحب السيطرة ويبدأ بالعنف الذي يضر من خلاله نفسه والآخرين من حوله ويشعر بالإحراج والاكتئاب والوحدة وفقدان الاستمتاع بالحياة.

في الآونة الأخيرة هناك بعض الدراسات التي أشارت إلى أن المنطقة المسؤولة عن إدمان المخدرات في الدماغ عند الانسان هي نفسها المنطقة المسؤولة عن الحب ومن هنا إذا كان ما توصلت إليه هذه الدراسات صحيحا لا نستطيع إلا أن نحذر من الوقوع في الحب والغرام والعشق بهذا التمادي.

وقد قال روبرت بارتون “الامتداد والاستمرار في الحب هو مجرد جنون” وقال محمود درويش “هذا هو الحب، إني أحبك حين أموت، وحين أحبك أشعر بالموت”، هكذا يشعر المدمن خلال رحلة استمتاعه وإدمانه لما يدمن عليه، حتى العاشق حين يتمادى في العشق يخسر. وإذا كان الحب يؤدي إلى إدمان وخسارة وجنون وموت فالأجدر بنا أن نعلّم ونربي أطفالنا على معنى الحب وكيفية ممارسة الحب بتوازن لا بتطرف يقضي عليهم. يقول دانتون “حاجة الشعب الأولى بعد الرغيف هي التربية” والتربية هنا يجب أن تشمل تعليم طقوس الحب بدءا من مرحلة الطفولة.


استشارية نفسية وكاتبة من الإمارات

21