الحب بعد التسعين

ريبيري غادر في أعقاب الموسم الماضي الفريق البافاري بالتتويجات وكذلك بالدموع، فحكاية الحب الصامد طويلا كان لا بد لها أن تنتهي.
الأحد 2019/08/25
قصة عشق جديدة

عش الحياة بلا تعقيد، تعامل معها كما هي، حاول أن تفتح دوما بابا للأفضل والأرقى، لا تيأس ولا تبتئس، فمهما قست الظروف وأغلقت المنافذ، سيأتي حتما نور من بعيد يضيء الدرب.

توقّع أن يأتيك الأحسن، فهكذا هي الحياة بحلوها ومرّها، بتقلباتها ومفاجآتها، والشاطر من يحسن ركوب أمواجها كي يصل إلى بر الأمان.

حياتنا أشبه بكتاب مليء بالصفحات، بالمواعظ والعبر، كتاب يتدفّق حيوية وحركية، أما الذكي فهو الذي يدرك كنه هذه الدنيا ويحسن التعامل مع خصوصياتها، الذكي هو من يعلم حتما أن الأمل والحلم لا ينتهيان أبدا.

الحياة كما الحب الذي قد يأتي بغتة ويطيل المقام وقد يتغيّر ويتقلّب بتقلّب المزاج والأحوال، الحياة كما في الحب قد تعبس في وجهك سنوات قبل أن تضحك حتى وإن كان المرء في أرذل العمر.

قطعا فالحب كما الحياة هما وجهان لعملة واحدة، وما أحلى أن تأتيك الحياة بأجمل الأشياء بعد صبر طويل، ما أحلى الحب أيضا عندما يدغدغ الفؤاد ويسكن قلب شخص توهّم أنها النهاية، لكنها كانت البداية، بداية قصة حب جديدة قد تأتي بعد التسعين.

قصة الحب بعد التسعين قد تصحّ اليوم على النجم الفرنسي الشهير فرانك ريبيري، فهذا اللاعب الذي بدأ يعيش الشيخوخة الكروية، كان يتأهّب لإعلان اعتزاله اللعب نهائيا والتفرغ لعائلته لكن كل شيء تغيّر، وها هو اليوم يقع في قصة عشق جديدة.

ريبيري قضى سنوات طويلة مع بايرن ميونيخ، حيث قدم إلى هذا الفريق من أولمبيك مرسيليا سنة 2007، ليغرم بهذا الفريق وهذه المدينة ويكتب أحلى قصص النجاح الرياضي حيث قاد الفريق البافاري للحصول على العديد من الألقاب. كان “أيقونة” في البايرن، لقد برع بشكل مبهر وتميّز كثيرا واتخذ مكانا دافئا في قلوب كل أنصار هذا النادي، لقد عشقه الجميع هناك، تماما مثلما أحب هو هذه الحياة وهذا النادي الذي خوّل له أن يكون أحد أبرز النجوم الذين مروّا على البايرن.

سنوات طويلة مع ميونيخ، لكنها مرّت سريعا، كانت مثل الحلم الجميل، كان بنعومة الفراشات، فريبيري لم يدخل أبدا في أي مشاحنات مع أي طرف كان صلب النادي، فمن أحبَّ المكان سيعشق كل ما فيه.

لقد تعاقد النجم الفرنسي كثيرا مع الإصابات، ربما عطّلته في الكثير من الأحيان، كان بمقدوره أن ينافس بكل قوة على لقب اللاعب الأفضل في العالم، بيد أن لعنة الغيابات الطويلة حرمته من ذلك خلال العديد من المواسم.

ورغم كل ذلك، فإن جذوة الحب بين الطرفين لم تنطفئ أبدا طيلة 12 سنة متتالية، قبل أن يأتي المصير المحتوم، فالأندية والفرق وكرة القدم عموما مهما عشقت وقدّمت للاعبين البارعين إلاّ أنها تكره “شيخوخة” هؤلاء اللاعبين، فتدفعهم تبعا لذلك إلى الخروج.

هذا ما حصل لريبيري الذي غادر في أعقاب الموسم الماضي الفريق البافاري بالتتويجات وكذلك بالدموع، فحكاية الحب الصامد طويلا كان لا بد لها أن تنتهي.

طبعا اعتقد فرانك، أو بلال مثلما يرغب هو بمناداته، أن الحياة الكروية انتهت بالنسبة إليه، اعتقد أن كل شيء جميل بمجرد زوال قصة الحب الطويلة.

لكن هذه الحياة تخبّئ دائما الجديد، فمهما تقدّم المرء في العمر لا يسعها إلاّ أن تُقدّم إليه أخبارا غير منتظرة بالمرّة، ويصل الأمر أحيانا إلى كتابة فصل جديد من قصة عشق حتى في زمن الشيخوخة.

هذا الأمر يحصل اليوم مع ريبيري، لقد تلقى عرضا جدّيا ومغريا من فريق فيورنتينا، هذا الفريق الإيطالي رأى في هذا اللاعب كل المواصفات التي تساعد على خطب وده، ولمَ لا الظفر بقلبه حتى وإن “بلغ التسعين”.

في بادئ الأمر اندهش ريبيري، فقد كان بصدد التحضير للتمتّع بتقاعد مريح بعيدا عن لغط الحب وتفاصيله، لكن كل شيء انقلب رأسا على عقب، فهو لم يكن يدري أن الحب الكروي قد يداهمه حتى وإن بلغ من العمر عتيّا.

ربما تذكّر ما حصل في السابق مع النجم الأسطوري أندريا بيرلو في سنواته الأخيرة على الملاعب، حيث لفظه فريقه السابق ميلان ليتلقّفه فريق “السيدة العجوز”، وهو في سن الـ35 ليعيش معه أحلى قصص الحب.

تحرّكت عواطفه من جديد، بعد أن توهّم أنه لم يعد قادرا على الحب، فاندفع بلا تردّد ليلبي نداء “المعشوقة” الجديدة.

حصل الاتفاق سريعا، ووقّع ريبيري عقدا مع النادي سيربطه لمدة موسمين، لكن ربما يقع تجديده بعد ذلك، فتم تقديمه بشكل رسمي وكأنه نجم آت من السماء، لتبدأ بذلك الفصول الأولى لهكذا قصة ستجعل اللاعب الفرنسي من أبرز اللاعبين الذين مرّوا على هذا الفريق.

في السابق احتضن فيورنتينا النجم الأرجنتيني الشهير غابرييل باتيستوتا الذي تألّق بشكل خيالي خلال حقبة التسعينات. لقد ارتبط “باتي غول” كثيرا بهذا النادي وعشقه فقدّم له الكثير، كان آخر النجوم الذين ارتبطوا بقصص “حب” خالدة مع هذا الفريق. قبل أن يأتي ريبيري الذي سيعمل بلا شك بالتمتع بكل دقائق وتفاصيل هذا الحب المفاجئ الذي أصابه بعد “التسعين”.

23