"الحب جالس في مقهى الماضي" قصائد ترثي مدن الطفولة

الخميس 2014/07/24
عليوان: منذ طفولتي وأنا أعـرف ما الذي أريده في حياتي وأسعى إلى تحقيقه

القاهرة - صدر للشاعرة اللبنانية سوزان عليوان، ديوان بعنوان “الحب جالس في مقهى الماضي”، وعليوان من مواليد بيروت سنة 1974 من أب لبناني وأم عراقية الأصل، تخرجت عام 1997 من كلية الصحافة والإعلام من الجامعة الأميركية في القاهرة. بسبب الحرب في وطنها، قضت سنوات طفولتها وشبابها بين الأندلس وباريس والقاهرة. من أعمالها نذكر “عصفور المقهى” و”مخبأ الملائكة” و”لا أشبه أحدا” و”شمس مؤقتة” و”ما من يد” و”كان اسمه الحب”.

يبدأ ديوان “الحب جالس في مقهى الماضي” بما يشبه الاعتراف، تقول عليوان: “أغني لعلني أولد/ أغني لأنني أموت. أغني كأنني لم أولد/ أغني وكأننا لا نموت”، وفي الصفحة الأخيرة بعد عشر قصائد، هي مجمل الديوان، سيكون القارئ أمام حقيقة أن “الجنود دمى من رصاص/ والرصاص رصاص/ والدم دم“.


فضاء إنساني


الديوان الجديد فضاء شعري وإنساني، يضاف إلى مجموعات شعرية، تواصل الشاعرة اللبنانية سوزان عليوان إصدارها منذ نحو 20 عاما بدأب وحنو على القصيدة. والقارئ الذي يجد الديوان الواحد أحيانا قصيدة واحدة، وربما يرى الدواوين نفسها قصائد ممتدة تحتفظ بروحها ويؤدي سابقها إلى اللاحق.

ولكن الشجن وربما الأسى يفرض مساحة نفسية أكثر اتساعا وعمقا في الديوان الجديد بداية من القصيدة الأولى “رسالة عيد الميلاد” حيث “لا مطر لأغسل سقوط العالم/ لا غربة أعمق من أن أحبك… على عكاز-بخطوتين دون الأربعين/على درب معتدة بضلوعي/ لأشياء لا تعرفني أفني/ لعلني أعرف كيف ينهض طائر من رمادك”.

وصدر الديوان بغلاف يحمل لوحة رسمتها الشاعرة “من وحي ملاك مرسوم بالطبشور الأبيض على جدار في باريس. الفنان مجهول”. ويقع الديوان في 159 صفحة من القطع الكبير وصدر كعادة سوزان عليوان على نفقتها الخاصة.

سوزان عليوان على سفر دائم، قلبها حقيبة، روحها كومة مفاتيح وأقفال، تكتب، ترسم، وتحلم أحيانا

والشاعرة التي تتكرر في قصائدها ولوحاتها تنويعات من مشاهد غربة ودهشة دائمة ولدت في بيروت، وعاشت جزءا من طفولتها إبان الحرب الأهلية التي اندلعت عام 1975.

وبروح الطفولة تصف العاصمة الفرنسية في قصيدة “الزهرات العواتم” قائلة “باريس مطر يتساقط/ ليل موحل/ شوارع ممحوة/ شجر فاحم لفرط وحشته/ بلعب الورق يتسلى… باريس مطر يتساقط/ وها هم يسقطون معا.. الطغاة والأطفال المطمورون بثلج الطريق”.

ولكن باريس ليست صورة ثابتة وجامدة لمدينة بل هي أكثر من مدينة. ففي قصيدة “ملائكة الألوان المائية” تقول عليوان: “باريس عربة هدايا تضيء أعيننا؟”

وتقول في مطلع قصيدة “كلما أهديتك كوكبا”: “الرابعة والربع فجرا/ بيروت بعد المطر.. شوارع بعيون غرقى/ ليل مورق بإشارات مرور/ كلب يتعكز على كتف ظله/ بائعة مناديل/ بسبات مصطبة على رصيف. “رق الحبيب”/ وأشواق بإلحاح أطفال متشعلقين بأكمامي”.

الأسى يفرض مساحة نفسية أكثر اتساعا وعمقا في الديوان

والقصيدة نفسها تحتفي بأغنية “رق الحبيب”، التي لحنها محمد القصبجي وكتب كلماتها أحمد رامي وكلاهما عاشق صامت لأم كلثوم، وتتضمن بيتا جميلا هو “من كتر شوقي سبقت عمري” وتستمرّ روح الأغنية مع بطلة القصيدة في تيه مدينتها فتقول في نهاية القصيدة.

“منذ مطلع الأغنية وأنا في رجاء رسالة/ والنجوم أكف على أحبار تلوح تماما كما يرسمها الصغار. من أدعو إلى طاولتي والأرق قطار فارغ؟ / لشبح القصبجي مقعد شاغر. عروش في روحي لرامي الذي عاش عاشقا ذليلا. نصف الحكاية دمعة. كل الحكاية -وجهك الذي لا يرويه نهر- وضحكة مدينة لا تتذكر أحدا”.


الحب والرسم


يذكر أن سوزان عليون فنانة تشكيلية، كتب عنها أحد النقاد:” سوزان عليوان على سفر دائم، قلبها حقيبة، روحها كومة مفاتيح، وأقفال، تكتب، ترسم، وتحلم أحيانا”.

وعن الحب، أبرز ثيمات قصائدها، تقول عليوان في أحد لقاءاتها الصحفية: لا، لم يـربكني الكائن الـذي اسمه الحب. لا أنكرُ أنّني خـفتُ قـليلا من تجربة الرسم في البداية.

وعن الرسم تقول: “أنا لست رسامة، أرسم لأنني أحبّ الرسم ولأن هناك من يحبّ رسوماتي، تماما كما يرسم الأطفال وللأسباب نفسها. شعري ورسمي يحملان رسالة واحدة، ولكن الأول ينطق باللغة فيما الثاني ينطق بالألوان. الأول يحمل قلما فيما الثاني يحمل فرشاة. الشعر والرسم يداي اللتان تحلمان بالنور وتسعيان معا، وبالحرارة ذاتها، إلى إضاءة الشموع الصغيرة في عالم مظلم وظالم”.

وتضيف قائلة: أومن بأنّ الصفاء، وجدانيّ وذهـنـيّ، ينبع من أعـماق الإنسان، ليس من ذاكرته ولا من أمله في المستقبل، وإنّـما من تـفاعـله مع لحـظته في العالم وفعالـيـته في الحـياة. هو نعمة من عـند الله بالـدرجة الأولى.
كما أنّ هـناك معادلة لا بـدّ من توازنـها كي تـشفّ الروح، أي أن يقـترب الإنسان بـقدر الإمكان من تـصورّه عـن نفـسه. منـذ طفـولتي وأنا أعـرف ما الذي أريده في حياتي وأسعى إلى تحقيقه. بـيـن ذاتي وبـيني صداقة قـديمة وحميمة. بيـننا مكاشـفة ومصارحة ومحاسبة دقـيقة”.

14