الحب علاج للانتحار

الاثنين 2017/05/15

الحب هو أفضل هدية تستطيع تقديمها للعالم من حولك، محيطك، عملك، عائلتك الكبيرة، وأسرتك الصغيرة. الحب هو المعطيات والنتيجة والبرهان. هو أول القصة ومنتصفها ونشوة نهايتها. بهجة كل الحكايا.

الحب، الحب، الحب ولا شيء سواه. أراهن به وعليه دائما. أهديه قلبي وأتقبله بلا جدال. فهو حقا صانع المعجزات ومخرج طاقات إبداعية عظيمة. لولا الحب لما كانت هذه الكلمات قناعات كونتها سنوات عمري مجموعا إليها سنوات أعمار الكثيرين من حولي.

لماذا الحب الآن؟ وهل للحديث عن الحب مواعيد ومواسم؟ لا أعتقد ولكنها حكاية قديمة كنت شاهدة عليها. زميلة دراسة التحقت بالصف الأول الثانوي وهي بالصف الثالث، ولحقتها سريعا فهي دائمة الرسوب ومن أصعب سنوات الدراسة بمصر الثانوية العامة الموصوفة في بلادي “البعبع″.

لم تكن زميلتي هذه ترتقي إلى مرتبة الصديقة المقرّبة ولا أعرف الكثير عن حياتها، ولكنها ابنة وحيدة لأب قاسي القلب وأم لا يعنيها غير إرضاء زوجها خشية أن يتركها ويتزوج غيرها، وابنة متروكة للأقدار تلعب بها وتحركها كيفما تشاء. باختصار حياة ديناميكية جافة، قفص صامت تسكنه ابنة كعصفورة زينة يلقى لها بالطعام والشراب لتصدح أمام ضيوف الأسرة. ديكور اجتماعي خال من مظاهر الحياة كزهرة بلاستيكية تزيّن الأركان بلا حراك ولا مطالب.

كانت زميلتي غارقة من طرف واحد في حب مدرّس الرياضيات الذي يكبرنا بأربعين عاما، ترى فيه صورة الأب الحنون الذي تفتقده وتتمناه. لم يكن المدرس الخلوق يستغل ثراء أسرتها، ولم يكن صاحب بطولة تغري الفتاة شديدة الحسن، فقط كان يعاملها كإنسانة، يحترم آدميتها ويشعرها بإنسانية تفتقدها، ولكنه لم يكن يعلم أنه يقدم لها كنزا غاليا تتوق إليه وتتشوق نفسها للإحساس به، يقدم لها الاحترام فتمنح نفسها في الخيال بعض الحب.

كانت تتراجع دراسيا في كافة المواد إلا مادة الرياضيات فقد كانت من النابغات فيها نبوغا يثير التساؤلات والتعجّب، إذ كيف لمن يصفها بعض المدرسين “غبية وبلهاء” وضعيفة الفهم وأوصاف أقرب للإهانة أن تتفوق في مادة بصعوبة الرياضيات.

ولكنني أرى أنه الحب والحنان اللذان كانت تفتقدهما في حياتها الجدباء. من منا لا يطلب من أبنائه إنجاز مهمات كثيرة طوال اليوم والقليل منهم من يستجيب، كلا فلا يوجد طفل لا يحب قضاء حاجات أبويه أو المساعدة في مطالب شخصية يراها قمة الاعتماد عليه وتقريبه من أبويه، ولكنها طريقتنا في طلب الأشياء، فهل وقف أحد يوما أمام مرآته يسأل نفسه، هل أقبل أن يصرخ في أحدهم كما أصرخ في أبنائي؟

ماذا لو نظرنا بسرعة إلى أنفسنا أثناء الصراخ على أطفالنا، فربما أخافنا وجهنا العبوس وجحوظ أعيننا ورحمنا صغارنا من تلك النظرة المرعبة. لو تغيّر أسلوب الطلب وصاحبه عناق طويل ومحبة، ومقولة أطلب منك لأنني أحبك، وهذا الشيء لا أريده إلا منك، لكان لتلك الكلمات مفعول السحر ويفعل الصغير ما نطلبه منه بحب واستمتاع غير مجبر عليهما.

كانت زميلة الدراسة تعاني جوعا عاطفيا في مرحلته المتأخرة. كانت تحتاج لعناق أب واتكائها على قلبه يقويها لا يضعفها. كانت تحتاج عناقا للنفس، للروح لا للجسد، لعناق يعزز ثقتها في نفسها ويشعرها بكينونتها.

مشاعر أم تحتويها لا تلفظها وتبعدها كما تفعل أمها، كل هذا لم يحدث مع الفتاة وإنما القسوة هي وحدها بطلة المشهد. وكنتيجة طبيعية لحياة مظلمة أشبه بكهوف صحراوية مكفرة كانت تهدد بالانتحار هربا من حياتها والصادم في الأمر أن الأم عوضا عن احتضانها واحتواء مشاعرها، تردد دائما هيّا انتحري، موتي وأريحيني من عناء وجودك في حياتي!

يا لقسوة قلبها، مرات عديدة الفتاة تهدد والأم تردد مقولتها الشهيرة حتى رسبت الفتاة للمرة الثالثة على التوالي وخوفا من العقاب، انتحرت بالفعل، ماتت لأنها لم تجد الحب من وجهة نظري.

ماذا لو وجدت الحنان والحضن المفقودين في بيتها؟ أقسم أنها كانت من المتميّزات. الحب يصنع المعجزات.. حقيقة مؤكدة لا جدال فيها.

النفس البشرية مليئة بالتعقيدات والتشابكات لكنها حتما تحتاج لمشاعر صادقة. الإنسان كقماش رقيق قابل للاشتعال إن احترق طرفه لا تتركه يشتعل كلية، فربما أتت عليه النار وأكله الحريق فلا يبقي منه شيئا، فقط عانق الثائر، خذه بين أحضانك ولا تتركه فريسة ليأسه وإحباطه، الحب والعناق علاجان سحريان للانتحار واليأس.

كاتبة مصرية

21