الحب.. فقط!

الثلاثاء 2014/02/11

ماذا يغني كاظم الساهر وعاصي الحلاني وأليسا وأنغام وراغب علامة ونجوى كرم وجورج وسوف ولطفي بوشناق وشيرين ونانسي عجرم ونبيل شعيل وأحلام وعمرو دياب وديانا حداد وتامر حسني وصابر الرباعي وديانا كرزون ووائل كفوري وإيهاب توفيق وغيرهم وغيرهن؟

يُغنّون عن الحب.

كلهم؟ أجل كلهم، وفي جميع أغانيهم تقريبا.

لو كان المرء ينتمي إلى “عالم” آخر غير العالم العربي، ولو نما إلى علمه أن آلاف الأغاني العربية تدور بنسبة 99 بالمئة منها حول الحب وحده، لتشكّل لديه انطباعٌ وردي مفاده أن العرب من المحيط إلى الخليج يرفلون في نعيم مقيم، وأن شاغلهم الوحيد حتى الممات هو التغني بعاطفة الحب التي يزيدها القُرب أوارا، ويزيدها البُعد اضطراما.

وليس المطربون لدينا إلا عشاقا كبارا تُضرب بهم الأمثلة، التمسوا طريقهم إلى الغناء ليس بحثا عن شهرة أو مجد أو مال، بل للبوح بعواطفهم المشبوبة التي لا يطيقون معها صبرا أو كتمانا..

هذا الفقر في موضوعات الغناء، ألا يفسر جزئيا انصراف شرائح كبيرة من الجمهور عن الاستماع إلى الغناء، ما إن يفارقوا مرحلة الشباب من أعمارهم، وبعد أن يدركوا بصورةٍ ما، وواقعية ماهية الحب، وحيث يمكن لحياة المرء أن تمضي دونه؟

وهذا هو السبب في نجاح أصوات مثل فيروز ومارسيل خليفة ومحمد منير وماجدة الرومي والشيخ إمام وغيرهم، ممن استشرفوا آفاقا جديدة للغناء، وغادروا مربّع التغني بالحب وحده، وغنّوا للطبيعة والطفولة والأماكن ولأحلام الناس العاديين.

تتم تسمية أغاني الحب عندنا على أنها أغان “عاطفية”، وكأن الحب هو العاطفة الوحيدة التي يحملها المرء في حنايا نفسه. ثمة عواطف أخرى مثل الرحمة والنقمة والأخوة والأمومة والأبوة والصداقة والإحساس بالكائنات، وبهذا فإن الاقتصار على عاطفة الحب دون سواها، يختزل الإنسان في بُعدِ واحد وحيد، وليس غريبا بعدئذ أن يكون بين من يطربون أيّما طرب لأغاني الحب، أشخاص يجنحون إلى العنف والأنانية والبلادة، ذلك أن الأغاني هذه قلما تلامس إنسانيتهم، بل تعزلهم عن محيطهم، تُضخّم فرديتهم وتثير غرائزهم.

24