الحب في إيران يرمي الشعراء وراء القضبان

مازلنا إلى اليوم نسمع عن كتاب ومبدعين يحاكمون بسبب نصوصهم وأعمالهم الفنية وآرائهم، ومازالت محاكم التفتيش الأدبي، التي تختلف حججها الأخلاقية المتكلسة، تعمل آلاتها الرقابية لسجن الكتاب والشعراء والمفكرين، وهي ظاهرة ظنناها انتهت منذ سجن فولتير أو برتراند راسل وغيرهما منذ قرن من الزمن، لكن هذه الظاهرة تتكرر اليوم خاصة في البلدان التي تحكمها الدكتاتوريات الدينية، يسجن الكتاب بتهم ملفقة لا يمكن لعاقل أن يتخيّلها، وما سجن الشاعرين الإيرانيين مهدي موسوي وفاطمة اختصاري بتهم متعددة كـ”ازدراء المقدس” أو “العلاقة المحرمة”، إلا من قبيل مواصلة السلطة الدينية الإيرانية في اضطهاد المبدعين. وتأتي هذه الجريمة الجديدة قبل أن يجف دم الشاعر الأهوازي هاشم شعباني الذي أُعدم العام الماضي شنقا عقابا له على قصائده المفصحة عن عروبته، في ظل وضع عنصري فارسي كاره للعرب ومعاد لكل ما هو عربي.
الخميس 2015/11/05
السجن لسنوات و99 جلدة لشاعرين إيرانيين

بعد إطلاق سراحهما بكفالة في العام 2014، نتيجة المناشدات الصاخبة التي أطلقتها مختلف المنظمات الدولية المدافعة عن حرية التعبير، عادت سلطات الملالي الحاكمة في طهران مؤخرا إلى اعتقال الشاعرين الإيرانيين فاطمة اختصاري ومهدي موسوي، والحكم عليهما بـ99 جلدة بتهمة وجود “علاقة محرّمة” بينهما، ولأنّ فاطمة اختصاري قد قامت “بمصافحة الرجال” في أحد المهرجانات الشعرية التي شاركت فيها في السويد، إضافة إلى ذلك تمّ الحكم على اختصاري بالسجن إحدى عشرة سنة ونصفا: سبع سنوات بتهمة “ازدراء المقدسات” وثلاث سنوات بتهمة نشر محتوى غير مرخّص وصور غير لائقة (مزعومة) في موقع على الشبكة العنكبوتية (في إشارة إلى مشاركتها رفقة خمس شاعرات إيرانيّات أخريات في مهرجان للشعر في السويد، حيث اتهمت السلطات الشاعرة بأنها قد خالطت بعض الجواسيس الغربيين المشاركين كشعراء في المهرجان) إضافة إلى الحكم عليها بسنة ونصف بتهمة نشر “دعايات ضدّ الدولة والنظام”.

الاعتقال الأول

وقد كان نصيب الشاعر مهدي موسوي، علاوة على الجلد، تسعة أعوام في السجن: ست سنوات بتهمة “ازدراء المقدسات” وثلاث سنوات بتهمة “تخزين الغاز المسيل للدموع″، وفق التصريح الذي أعلنه محاميهما في المقابلة التي أجرتها معه محطة فردا الإذاعية، والتي تبث برامجها باللغة الفارسية من مدينة براغ التشيكية.

ألقت السلطات القبض على الشاعرين أول مرة في السابع من شهر ديسمبر عام 2013. وكانت الشاعرة فاطمة اختصاري، المولودة عام 1986، عضوا في حركة التبادل الثقافي، والتي نظمت تظاهرة ثقافية اشترك فيها ستة شعراء من إيران مع ستة شعراء من السويد لترجمة قصائد هؤلاء الشعراء من الفارسية إلى السويدية، نشرت لاحقا ضمن عدد خاص كرسته المجلة الأدبية السويدية “kritiker” للشعر الفارسي المعاصر.

فاطمة اختصاري تنتمي إلى تيّار "الغزل مابعد الحداثي"

كما كان هؤلاء الشعراء قد شاركوا في مهرجانين شعريين عقدا في كل من ستوكهولم وغوتبورغ على حدّ سواء.

وفي السادس من شهر سبتمبر من نفس العام، كان من المفترض أن تسافر الشاعرة فاطمة اختصاري إلى تركيا رفقة معلّمها الشاعر والناشط السياسي مهدي موسوي، المولود عام 1976، للمشاركة في ورشة أدبية هناك. وفي المطار تمّ إبلاغهما بأن اسميهما مدرجان على قائمة الممنوعين من السفر، وطلب منهما التوجه لاحقا لحضور جلسة تحقيق ضربت موعدها السلطات، ولكنهما لم يذهبا إلى جلسة التحقيق تلك، فاختفيا عن الأنظار خلال ساعات قليلة، وانقطعت أخبارهما عن الجميع، ليعرف أصدقاؤهما في نهاية العام بأنهما موجودان في سجن إيفين سيء الذكر في طهران. ولتبدأ بعد ذلك رحلة عذابهما الطويلة بتهم لا تليق بالشعراء: “العلاقات المحرّمة”، و”ازدراء المقدسات”.

شعر مابعد حداثي

تنتمي فاطمة اختصاري إلى تيّار “الغزل مابعد الحداثي”، وهو التيار الأكثر راديكالية في الشعرية الفارسية التي تكتب الآن، تيار يستقي وجوده من الطرائق القديمة في كتابة الغزليّات، ولكنه يعكس في طيّاته الأعمق دفاتر أحوال المجتمع وتعدّد مقاماته. نشرت مجموعتها الشعرية الأولى عام 2010. ثم في وقت لاحق تمّت مصادرة المجموعة ومنعها من النشر بتهمة قيامها بكتابة بعض الكلمات المحظورة من قبل السلطة بخط يدها في المجموعة قبل نشرها.

ولا تزال مجموعتها الشعرية الثانية قابعة في أدراج السلطات الرقابية في انتظار الموافقة على نشرها. كما عملت فاطمة اختصاري كرئيسة تحرير لمجلة “Hamin farad bud” وهي مجلة مابعد حداثيّة، سرعان ما تمّ إغلاقها على يد النظام الديني الحاكم. وبما أنها تعمل قابلة قانونيّة، فإننا نعثر في قصائدها على ثيمات اجتماعية تتحدث عن الحمل والمخاض والإجهاض. شعر فاطمة شعر نابع من التوق إلى حياة أفضل، شعر من الحياة وإلى الحياة.

شاعر غزل

وأمّا مهدي موسوي، العنصر الأبرز في تيار “الغزل مابعد الحداثي” الذي يسعى إلى تجديد الشعر الفارسي الكلاسيكي، فهو طبيب وشاعر، يسير على خطى شعراء الغزل الذين سبقوه: حسين منزوي وسيمين البهبهاني ومحمد علي بهمني.

بدأ موسوي كتابة الشعر أواخر تسعينات القرن العشرين، ونشر مجموعته الشعرية الأولى، “لقد انتحرت الملائكة”، على نفقته الخاصة عام 2002، وفي عام 2005 نشر مجموعته “لا أنشر هذي (القصائد) إلّا لكِ”، وفي عام 2010 ظهرت مجموعته “لم يكن الطائر الصغير طائرا ولا صغيرا”.

ومن ديوانه الأول “لقد انتحرت الملائكة”، نقرأ:

“هل تسمحين لي بأن أنادي اسمكِ؟

أن أطرح الشهوات السابقة لرجل ما؟

مهدي موسوي يسعى إلى تجديد الشعر الفارسي الكلاسيكي

اسمحي لي، هلّا تفعلي، أن أحبّكِ، أن أرفع روحي

وأطويها في راحتيك المبللّتين عرقا؟

أن أكون طفلا ثانية، أبكي بلا ذريعة،

ثانية، كي أقذف الأحجار على سرب من الطيور.

أن أصبح قصيدة من جديد، في الزاوية الحزينة من حجرتي،

أو، كلّا! أن أهاتفكِ.

وأنتِ جالسة هناك بثوب زفافك المبلّل،

مازلت في انتظار أن أهاتفك.

وبالنسبة إليك، وفي الفصول الأولى من حياتكِ،

كيف أستطيع الحديث عن خاتمة هذي الحكاية؟

لقد عدتِ ثانية، إليَّ كي أحبّكِ،

وأنا، يا غاليتي، لا أملك أن أمنع نفسي.

أحكام لاإنسانية.. بيان تضامني عالمي

وقّع على البيان التضامني التالي لدعم الشاعرين فاطمة اختصاري ومهدي موسوي مئة وسبعة عشر كاتبا من مختلف أنحاء العالم وأصبح متاحا لمزيد من التوقيع بدءا من 30 أكتوبر 2015، والبيان صادر عن الموقع الإلكتروني لمركز بِن الأميركي. وهو بمثابة رسالة موجهة إلى المرشد الأعلى في إيران، جاء فيه:

نحن الشعراء الموقعين أدناه ننضمّ إلى مركز بِن الأميركي في مناشدتكم الإبطال الفوري للأحكام الصادرة بحق الشاعرين فاطمة اختصاري ومهدي موسوي. وكما تعلم، فإن الآنسة اختصاري والسيد موسوي قد تلقيا حكمين بالسجن، 11.5 سنة و9 سنوات على التوالي، جرّاء تهم تتعلق بشعرهما، من بينها تهمتا “إهانة المقدسات” و”الدعاية ضد الدولة”.

أحكام لا إنسانية
كما حكمت المحكمة على الشاعرين بالجلد 99 جلدة لكل منهما لقيامهما بمصافحة غير الأقرباء من الجنس الآخر. كانت السلطات قد اعتقلتهما لأول مرة في ديسمبر من عام 2013، وقد تحملا ما يزيد على شهر من الاستجواب أثناء قبوعهما في السجن.

إننا نشعر بالقلق العميق إزاء الأحكام اللاإنسانية المفروضة على الآنسة اختصاري والسيد موسوي بسبب فعل بسيط يتمثل في التعبير عن أنفسهم من خلال الإبداع الفني. إن كتابة الشعر ليست جريمة. وحرية التعبير -وهي حق أساسي منصوص عليه في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان- تسمح للإبداع أن يزدهر وتشجِّع على خلق الأدب العظيم. إن لإيران تاريخا أدبيا مديدا لها أن تفخر به. وباعتبارك شاعرا وباحثا في الشعر، نناشدكم عدم السماح لأن تحجب هذا الإرث معاملةٌ قاسية لا مبرر لها يتعرض لها هذان الكاتبان. إن عمل هذين الشاعرين يستحق الاحتفاء به بوصفه إسهاما في ذلك التقليد الثري، وليس معاقبتهم. وهذه الأحكام القاسية تشكِّل جانبا من نمط مقلق سمته الضغط المتنامي على الفنانين والشخصيات الثقافية، فضلا عن الصحفيين، ومن بينهم الصحفي جيسون رضائیان من صحيفة “واشنطن بوست”.

إننا نحثكم على أن تلغوا على الفور الأحكام الصادرة في حق فاطمة اختصاري ومهدي موسوي.

من بين الموقعين على البيان:

كاظم علي، جون آشبيري، ميري إليزابيث بيلي، إيميلي هانت، ها جين، خالد المطاوع

إيلين باس، جون بير، مارجو بيردشيفسكي، آنسليم بيريجان، فرانك بيدارت، ميليسا برودر

ميري بين كامبل، تينا تشانج، هنري كول، بيتر كول، بيللي كولينز، مارثا كولينز، باتي كرين، ديك ديفيز.

15