الحب في مواجهة الزمن الصعب

الأحد 2015/01/04
الحب هو الغاية والأمان والبيت والسلام والحياة

مشاعر الحب تنمو دائماً في مساحات كبيرة من الحنان والرعاية والاهتمام، وحين نشعر أن الآخرين يبادلوننا عمق هذه المشاعر، نحاول أن نرعاها من خلال الاهتمام الشديد، ولا نهمل مشاعر مَنْ يحبنا ويخاف علينا، ويجب أن تكون المشاعر دافئة ومليئة بالأشواق التي لا تنتهي أبدا.

تتعقّد مشاعر الحب، حين لا تجد الاهتمام المتوقّع بين الأطراف المتحابة، وقد تتلاشى إلى حد البرود والفتور، لأن عدم الاهتمام واللامبالاة قد سيطرا عليها، وهنا يبذل العشَّاق جهداً كبيراً في استعادتها والاهتمام بها، لأنها لحظات الحياة الحقيقية.

تقول منى مصطفى، تعمل مدرسة، (30 سنة): “مسألة الحب في حياتنا أفسدها الزمن ومشاكله الكثيرة، فقد أصبحتُ مشغولة بعد أن أنجبتُ أولاداً، وكل اهتمامي موجّه إليهم، حتى نسيتُ كلمات الحب مع زوجي، فهو الآخر منهمك في العمل ويعود مُرهقاً ويحتاج للراحة، وأنا مشغولة بالبيت ومُذاكرة أولادي وحاجاتهم التي لا تنتهي أبداً، فماذا أفعل وأين الإحساس بمشاعر الحب الحقيقية؟”.

ويقول أحمد السعيد، محاسب بأحد البنوك، (52 سنة): “أين مشاعر الحب الآن؟ فقديماً كان هناك حب، لكن الآن مصالح مُشتركة، من ناحية مَنْ يملك الشقة، ومَنْ يملك السيارة، ومَنْ لديه المال، كلها مصالح مُشتركة، ولم يعُد هناك أي نوع من الحب الحقيقي في هذا الزمن الصعب، فالكل يبحث عن مصالحه الخاصة، بعيداً عن الحب أو توظيف الحب”.

أما محسن عبد العزيز، أخصائي اجتماعي، (30 سنة) فيقول: “لن أتزوّج إلا عن حب كبير، ورغم ما يُقال عن هذا الزمن، فأنا مؤمن أن الحب هو الغاية والأمان والبيت والسلام والحياة، ولن أقبل أن أتزوّج من أجل مصلحة خاصة، وإنما سأتزوّج للحب ومن أجل الحب، وسوف أبحث دائماً عمن تحبني بصدق، وأحبها دون زيف أو خداع، ولا داعٍ أن نلوم زمننا، بل نلوم أنفسنا ونصلح ما بأنفسنا، لنكون صورة مثلى للمشاعر”.

الحب أصبح قضية يعيشها الإنسان كل يوم، ودون مشاعر الحب والاهتمام يفقد الإنسان كثيراً من جماليات حياته، هكذا بدأ الدكتور يحيى الرخاوي أستاذ الطب النفسي حديثه، موضحاً أن الحب والاهتمام كانا محورين أساسيين في كتابات المفكر “إريك فروم”، حيث كان لكتابه “فن الحب”، أثر كبير في كل الدراسات التي تناولت هذا الشعور الجميل.

في أوقات كثيرة يكون المحب أنانيا، ويبحث في الحب عن مصالحه أو مُجرد التجربة المزاجية

ويقول الدكتور الرخاوي: “ولكن إذا أردنا أن نعرف ما الحب، فسنجد أن مُحاولة تعريفه هي أصعب مُهمة بالنسبة إلى أيّ إنسان، سواء كان مُفكراً أو فيلسوفاً أو شاعراً أو عالماً، كما أن هناك أنواعاً كثيرة مُختلفة وأنماطاً شديدة التنوّع للحب، حيث يوجد حب الآباء لأبنائهم وحب الوطن، إلى جانب الحب الذي نتحدث عنه ونقصده، وهو حب الرجل للمرأة والعكس.

وفي كل أنواع الحب التي ذكرناها أو تناولتها التعريفات، يظل العنصر الأساسي الذي يشملها جميعاً، والعصب الأساسي الذي يغذيها هو شيء واحد فقط، ألا وهو الاهتمام، فالاهتمام بالشخص المحبوب هو أهم الضروريات، أو على الأصح هو الحد الأدنى لأي تعريف، ودون هذا الاهتمام يصبح ما يشبه الحب مُجرد رغبة أو نزوة”.

ويضيف الدكتور الرخاوي أيضاً: “وفي أوقات كثيرة يكون المحب أنانياً، ويبحث في الحب عن مصالحه أو مُجرد التجربة المزاجية، فمثلاً من الممكن أن يصرّح مُراهق لصديقته بقوله: “أنا أحبك”، وهو في الحقيقة يحاول أن يستفيد منها مادياً أو حلّ بعض المشكلات، وفي حالات أخرى كثيرة، تكون مشاعر الحب من أجل الحصول على ثروة أو مكانة اجتماعية أو سلطة.. إلخ، تكون الرغبة في كل هذا هي التي تؤدي بالشخص إلى أن يتظاهر بحب شخص ما، لكي يصل إلى هذه الأهداف، كما عهدنا في الشعر مثل “المتنبي” وهو يمدح “كافور الأخشيدي”، فكانت العاطفة كاذبة، والمبتغى من هذا المدح العطايا التي يعطيها للمتنبي”.

أما الدكتور أسامة عبد السميع أستاذ علم الاجتماع فيرى أن تجربة الحب في عالمنا لا يرتاح لها مُجتمعنا المصري، الذي تنهشه الأكاذيب والنفاق والخداع والجرائم من أجل المال، وهناك مَنْ يوظّف الحب من أجل مصالحه الشخصية، أو ليبحث عن فرص تعوّضه كثيراً من خسارته في الحياة.

الحب علاج لكل مشاكلنا، فهو يمنحنا القدرة على الاستمرار والنضال والمواجهة، حتى نحقق أحلامنا مع من يحبنا باحترام كبير

فالحب أصبح في مفهوم الشباب، هو اقتناص الفرص والبحث عن الفتاة الثرية، التي يمكن أن يستفيد منها باسم الحب والاهتمام والتضحية، وكلها مُصطلحات ماتت من قاموس الشباب هذه الأيام، فمشاعر الحب في هذا الزمن الصعب أصبحت نادرة، لأن الحياة والأزمات الاقتصادية قتلت كل تلك المشاعر وحوّلتها إلى تجارة.

وصورة الشاب أو الفتاة الصادقة في مشاعر الحب أيضاً انتهت، فالفتاة تريد الزواج بأي طريقة، وقد يدفعها هذا إلى الكذب وإخفاء أسرار كثيرة عن الأهل، وقد تتظاهر بالحب حتى تحصل على الزوج الموعود، ولذلك أنصح الجميع أن يكونوا صادقين في المشاعر وليسوا زائفين، حتى يحقّقوا تجربة عالية في الحب وذات قيمة كبيرة.

ويقول الدكتور مصطفى الهلباوي أستاذ علم النفس التربوي بجامعة الفيوم: “إن تجربة الحب ضرورية لحياتنا، لأن الحب يُعالج فينا بعض الأمراض النفسية، مثل الحقد والكراهية والأنانية، ويمحو من أعماقنا العُنف والغضب، ويجعلنا في حالة من الثبات النفسي في مواجهة الأزمات، فالحب إذا كان ينبع من مشاعر حقيقية، ويُعبّر عن مشاعرنا دون زيف، فسوف يساعدنا على مُقاومة الظروف الصعبة التي تحيط بنا”.

ويوضح قائلا: “تذكر معي قصص الحب الجميلة التي عاشها أصحابها وأثمرت نجاحات كبيرة، مثل قصة حب عميد الأدب العربي طه حسين و”سوزان” الفرنسية، التي وقفت إلى جواره في دراسته بفرنسا وأحبته وتزوّجته، وظلت تسانده حتى أصبح وزيراً للمعارف وأديباً شهيراً ومُفكراً كبيراً، لذلك فالحب علاج لكل مشاكلنا، فهو يمنحنا القُدرة على الاستمرار والنضال والمواجهة، حتى نحقّق أحلامنا مع مَنْ يحبنا باحترام كبير”.

21