الحب لا يفسد أحدا

الخميس 2014/10/16

منذ سنة تقريبا كنت في القاهرة لسبب له علاقة بعملي، ولتفادي مشاكل سيارات الأجرة والانتظار والتأخر عن المواعيد، اتفقت مع “مصطفى” وهو سائق تاكسي أربعيني، أن يرافقني طوال فترة بقائي هناك مقابل مبلغ محدد. بقيت ثلاثة أيام في القاهرة، وأستطيع بحسبة بسيطة أن أجزم أن يوما كاملا منها قضيته في التاكسي، وهي فترة طويلة تعرفت خلالها على “مصطفى” وتحدثنا كثيرا في شتى المواضيع.

أخبرني أنه متزوج من إمرأتين، وله من كل واحدة طفلان وأنه لا ينوي أن ينجب أكثر، “قرار حكيم وعادل قلت”. في إحدى المرات ونحن نجلس في مقهى ننتظر أحدهم سألته وأنا أبتسم: “أي الزوجة تحب أكثر؟”، قال: “ولا واحدة، أحترمهما وأعاملهما بالحسنى، لكن، أعذريني، الحب في مفهومي شتيمة، أنا لا أعرف الحب!”، ألححت عليه، قلت: “لا أصدقك، لابد أنك تميل إلى واحدة أكثر من الثانية”، فقال “ربما، في أوقات، ومواضع معينة، فهمت منه أنه قد يشعر أحيانا بميل جنسي لواحدة أكثر من الثانية، أما الميلان العاطفي فلا وجود له.

بعد فترة من التدقيق في عينيه، صدقته، كانتا مطفأتين بالكامل وباردتين لا توحيان بأن خلفهما روح خبرت الحب أو عرفت طعمه.

قابلت في حياتي كثيرين على غرار “مصطفى”، لم يعرفوا الحب أبدا، بينهم مثقفون ومتعلمون، بل وحتى كتاب وشعراء يملكون دواوين في الحب والغرام، ومنهم شبان منفتحون ومقبلون على الحياة، ولديهم علاقات منفتحة مع المرأة. بعضهم يعي مشكلته ويتألم، وقد يتخذ خطوات عملية للتخلص من هذه العقبة التي تحرمه متعة الحياة، وبعضهم لا يعيها تماما. أحدهم، وهو صديق خمسيني يعيش في بلد أوروبي منذ أكثر من عشرين عاما قال لي: “نحن ضحايا تربية آبائنا، نُربى على عدم الحب، ثم نقضي عمرا كاملا في التخلص من هذه التربية (undo)، وعندما ننجح، إن نجحنا، يكون الوقت قد فات”.

الحب تربية وثقافة، ومن لم يُرب على الحب لن يعرفه، لكن كثيرا من الأسر العربية، لا تزال تربي أطفالها الذكور على عدم الحب، أي على الخشونة والصلابة وكبت الأحاسيس، اعتقادا منها أن الحب يضعف الرجل، ويذهب هيبته، ويهز شخصيته، ويحوله إلى “مسخرة”، على عكس المرأة التي يزيدها الحب رقة ونعومة وجمالا.

أذكر أنني كنت، في إحدى المرات، أداعب طفلي ذا الأربع سنوات، أمرر قفا يدي على خده، وأمسح على شعره في حركة ناعمة، وهو مسترخ في عذوبة واستسلام، فما راعني إلا وإحدى الصديقات تصرخ بي: “أتركي الولد، ستفسدينه”!، توقفت عن الحركة بسبب المفاجأة، استغرق استيعاب الموقف مني بعض الوقت، تابعت بعدها حركتي بهدوء وثقة وأنا أردد: “الحب لا يفسد أحدا”.

21