الحب لغة عالمية

الاثنين 2016/08/22

بلغت قطتي الشيرازية البيضاء الرقيقة سن الزواج وحيرتني في أمرها؛ بدت كفتاة حمقاء لا تستمع إلى النصائح ولا تستجيب لأوامري، وكل ما يشغلها هو شأن الارتواء العاطفي فقط، تبعثر طعامها وتلقي بالفضلات، وكان لا بدّ من جلب رفيق يؤنس وحشة أيامها.

استقبلت زوجا شيرازيا يشبهها، وظننت أنني سأستريح من مواء الرغبة، وألم الوحدة وبرودة المشاعر التي حولت القطة الوديعة إلى كائن شرس متمرد.

ولكن القط الأخرق فشل فشلا ذريعا في استمالة قلبها، كان يخطف منها الطعام ويتشاجر معها بصوت مزعج، يهجم عليها بشكل مخيف مما يدفعها إلى ركله والصراخ المتواصل، وينتهي الأمر بمشاجرة حادة، ولا تخفى على أحد مشاجرات القطط.

تخلصت من هذا القط الفظ غليظ القلب، معتقدة أن مشكلتي معه قد حلت بطرده من منزلي، وجلبنا آخر عسلي اللون لعله يكون الحل، وتنتهي حالة الجدل والشد والجذب، وكان القط الجديد وديعا هادئا، ولكنه يطلق أنين الاشتهاء في أوقات غريبة و”يهبش” القطة ويعضها بشكل مستمر حتى تسيل منها بعض القطرات من دم لا يسيل عن موضعه بعيدا ولكنه موجع جدا، وحملت القطة أثرا من هذا القاسي على أنفها ورفضت أن يمسها، فكلما همّ بها أصدرت أصوات عراك القطط، وأتبعتها بزفرة حارقة تضطر القط إلى الابتعاد عنها للنجاة بنفسه، ماذا أفعل لهذه الشرسة وأين وداعتها ورقتها؟

عادت الحيرة تنغص عليّ راحتي، مالي والقطط فهل هذا ما كان ينقصني؟ أخذت هدنة أو استراحة محارب لي ولها قبل اصطحاب قط آخر إلى البيت، فقد جلبنا الكثير منها دون فائدة وظللت أردد “كلكم ساقطين لم ينجح أحد”، فما بين القاسي وبين الشهواني الأهوج والعنيف والسخيف ظلت القطة “عذراء” ترفع لافتة “ممنوع الاقتراب”، فكرت في هذا الشبه العجيب بين القطط وبني البشر وكيف أن الأنثى تتشابه في كل الكائنات فلا تقبل بالإهانة أو القسوة والعنف وتستنشق الحنان من روح شريكها ولا ترضى عنه بديلا.

وأخيرا قررت ألا يدخل بيتي قط جديد لولا أن رق قلبي لحالها فجلبت لها زوجا وأقسمت أن يكون الأخير إن أخفق، وما يدعو إلى العجب أن القط كان يترك لها طبق اللبن الذي تعمدت أن يكون واحدا فقط، بعد أن كنت أضع طبقين لها وللقط الآخر، حتى الطعام ذاته كان يترك لها مكانا لائقا ومساحة رحبة تمكنها من تناوله حد الشبع، فلا يتشاجر معها على طعام أو شراب وينتظر حتى تفرغ منه ويبدأ هو بتناول ما تبقى إن لم أضع المزيد، لا يزاحمها على شيء حتى ظننت أنه لا يريد البقاء معها غير أن حالة الهدوء بينهما أراحتني كثيرا وأشعرتني ببوادر رضا في الأفق، وتهللت أساريري.

وعلى عكس المتوقع لانت له وبدأت تداعبه برقة تليق بقطة شيرازية، يا الله على الجمال، ظللت أراقب المشهد بشغف، فكيف لهذه المتمردة المتنمرة ألا يعلو صوتها ثانية ولم تعد تتشاجر مع شريكها بل كانت تطلق أنينها بلطف ومكر جعلاني أطلق على هذا القط المحنك والماهر في التعامل مع أنثاه “كازانوفا”، وللمرة الأولى أرى قطتي “لونا” تلعق وجهه وتلاطفه وتتقبل ملاطفته لها بلا حنق ولا تذمر ولا ضيق.

شغلني الأمر كثيرا وملأ مساحة هائلة من عقلي الباطن وتملك علي تفكيري في اليقظة والمنام متسائلة عن الشبه بين المخلوقات وما يجمع الكائنات في مساحة واحدة من الألم أو الحب، وهل قطتي قاعدة أم استثناء؟ فدائما لا أسمع من قطط الشوارع غير المواء يعقبه الشجار ثم التصالح وعودة الشجار في علاقة تبادلية لا يعنيني فيها أنا أو غيري من البادئ، وهل تشبه القطط النساء في الاحتياج إلى الحب والحنان والمداعبة والكلمة اللطيفة، هل كل أنثى ترغب في شبيه لكازانوفا؟ وهل حقا الحب لغة عالمية، واحدة بين الجميع، وبعيون الحسد نظرت لقطتي ولساني يردد دعوة نسائية عامة “ليت كل لونا تعثر على كازانوفا”.

كاتبة من مصر

21