الحب هو رهاني الأخير

الاثنين 2014/11/24

الحب هو رهاني الأخير، هو الباقي لي فوق زماني، عبر مسافات العمر والثقافة والجنس واللون والوضعية الاجتماعية، أرسمه خطا سميكا فاصلا بين كل المسافات.

أضعه بلون مخالف، بارز، واضح، أفترشه كأساس لخارطة حياتي، أبني عليه كافة السياسات، أضعه دائما على مائدة مفاوضاتي أبدأ به علاقاتي وأنهي به أحزاني، أخلع قلبي من بين الضلوع أضعه على طاولة المراهانات وأبدأ المقامرة بقلبي وأعلم ـ رغم جهلي بفن المراهانات ـ أنني أبدا لن أكون الخاسرة، تلقيت عدة تهديدات بأن القلوب لا يمكن المراهنة عليها.

قالوا لي إن ضاع قلبك كيف ستحيين بلا قلب، إنه الموت، لست شجاعة بهذا القدر حتى أعلن أنني لا أخشى الموت ولكنني أعلم حد اليقين أنني لست ممن يعيشون بلا قلب. فإن ضاع مني الجزء النابض في حجم كف اليد لن أحزن ولن أفرح، فقط لن أحيا.

الحب يستحق العناء يستحق إجادة المقامرة والمراهنة، والسباحة ضد التيار، حين نحب نتخفف من أحقاد وكراهية الجنس البشري نطفو على سطح العلاقات الإنسانية بخفة ورشاقة.

هالني وقوف زميلتي الصحفية المرموقة بالمؤسسة الإعلامية العريقة أمام القاضي، تشرح تفاصيل سبع سنوات وصفتها بالعجاف، تكشف عورات حياتها الزوجية والأسرية، تسقط ورقة التوت عن والد بنتيها، تصفه بالبخل والجشع والخيانة، تقول بصوت ليس خجولا إنه نذل، يعيش على راتبها، إصطحبت طفلتيها (ملك 6 سنوات، وجنى 4 سنوات) إلى قاعة المحكمة، كسرت أمامهم صورة الأب القدوة، والأغرب أنها كانت بصحبة والدتها.

خلعت عن زوجها وعلاقتها الزوجية به ومن قبلهما نفسها، غلالة الستر، مزقت الستائر السميكة التي علمتنا الأمهات أن نرخيها على أنفسنا وأزواجنا حتى لا يعلم عنا أحد شيئا، كشفت الجميلة تفاصيل مخجلة -إن كانت صحيحة وأكثر خجلا إن كانت مكذوبةـ شوهت الأب.

تحمل زميلتي شهادات عليا ودورات تزين حائط سور الصين بأكمله، ومن قبلها قصة حب وغرام دامت سنوات قبل إعلان خطبتها لذلك الزوج الذي مزقته اليوم بقلب بارد ورغم ذلك تدنت لأسفل سافلين وهي تنعت زوجها بأبشع الصفات.

لم تكن جدتي تحمل مؤهلا على الإطلاق، فقط القليل من القراءة والكتابة (للحفاظ على حجة المنزل والتوقيع بالاستلام على إيراد حديقة الموالح) ولكنها ساهمت بشكل كبير في حفاظ بناتها الخمس على بيوتهن وحياتهن الزوجية، كانت تنجز مفرشا كبيرا من الكروشيه حين دخلت عليها خالتي الصغرى غاضبة من زوجها، دون أن تجلسها نادت على ابنها قائلة له اصطحب أختك إلى بيت زوجها، انخرطت خالتي بالبكاء وهي تقول أريحيني من عناء الطريق واسمعي ما حدث، وضعت جدتي كلتا يديها على فم خالتي وهي تقول راحة المرأة في بيتها، ثم كيف أسمعك ولسانك يلوك سيرة زوجك، وتفشين أسرار بيتك، اذهبي إلى زوجك، بالحب تحلين كل مشاكلك، ومن شرفة المنزل الكبير وقفت تقول بالحب، بالحب يا ابنتي.

أشارت إلى مفرش الكورشيه وهي تقول هذا المفرش أقوم بشغله منذ شهر كامل بالصبر سيكتمل وبكل الحب سأمنحه لأي منكن، زوجك وحياتك تستحقان أكثر من ذلك، بالحب والصبر، والستر تكتمل الرحلة.

ما أجملك جدتي، وما أروع كلمات الرائع الراحل يوسف الصائغ حين قال:

ما تبقى هو الحب

هذا رهاني الأخير

زهرتان على القلب ذابلتان

وسبع شموع تنير الضمير

21