الحب والكراهية والانتقام تجتمع في مسلسل "يونس ولد فضة"

قد يولد الحب وسط أجواء الكراهية، هذه الفرضية الكلاسيكية هي من بين الإشكاليات التي طرحها مسلسل “يونس ولد فضة” للمخرج أحمد شفيق، والذي عرض ضمن موسم الدراما الرمضانية الأخير، علاوة على ما طرحه المسلسل من تشابه في البعض من التفاصيل مع سيرة النبيين يوسف ويونس.
الخميس 2016/08/25
بين يونس وفضة علاقة مد وجزر

مثلت فرضية ميلاد الحب وسط أجواء الكراهية والانتقام مجالا رحبا للبناء الدرامي في المسلسل المصري “يونس ولد فضة” للمخرج أحمد شفيق، كما العديد من قصص الحب الشهيرة في أدبيات الرواية والمسرح العالميين، وإذا أضفنا الرغبة في الانتقام كعامل مساعد على تحريك الأحداث نجد أنفسنا أمام توليفة ثلاثية متشعبة التفاصيل اتخذها كاتب السيناريو عبدالرحيم كمال وسيلة لتضمين أكبر قدر ممكن من الإثارة والتشويق داخل البناء الدرامي للمسلسل، وهي توليفة تمثل ضمانة جيدة لنجاح أي عمل درامي بشرط التوظيف الجيد لعناصر العمل.

سيرة نبيين

تدور أحداث المسلسل حول “إبراهيم” ذي العشر سنوات الذي يختفي أبوه من دون أسباب، ليصبح هو العائل الوحيد لشقيقتيه، يتورط الصبي في قضية شرف دفاعا عن إحدى شقيقتيه ويهرب على إثرها من المنزل تاركا شقيقتيه لمصيرهما المجهول.

يصل إبراهيم في رحلة هروبه إلى بيت “فضّة”، المرأة القوية التي كانت قد فقدت لتوها ابنا وزوجا، فاعتبرت أن الله قد عوّضها عن فقدها بهذا الطفل الذي سيُعرف لاحقا باسم “يونس”.

يكبر يونس ويواجه رفض المحيطين به وكراهيتهم له بمزيج من الإصرار والتحدي، فليس أمامه سوى المواجهة، كما أن عليه العثور على شقيقتيه اللتين اختفتا بعد هروبه.

وبين أجواء القسوة والكراهية يتعلق يونس بواحدة من بنات عمه (تؤدي دورها الفنانة ريهام حجاج)، كما يرتبط مع أخيه من أبيه -وهو شاب مصاب بالعمى- بعلاقة قوية ويتشاركان الوجد معا، فكل منهما يعشق من دون أن ينال القرب من معشوقته.

بطل المسلسل يتمتع بمكانة مرموقة بين قوم غرباء بعد أن فر من بلدته مرغما، وهو يتذوق مرارة التيه والظلمات الثلاث

ويدرك المشاهد منذ بداية الحلقات الأولى للمسلسل أن بطل العمل شخص محاط بالكراهية، فهو يفلت بصعوبة من محاولة قتله، وندرك من رده على والدته في تهكم حين تسأله عن الأمر أنها ليست المرة الأولى ولن تكون الأخيرة؛ فمن يريدون قتله كثر، من منافسيه في أعماله الخطرة

إلى أقاربه الذين يغارون من مكانته التي اكتسبها بينهم بفضل دهائه ودهاء والدته، وهم لا يعترفون بقرابته أو بنسبه إليهم، وينسبونه إلى والدته ترفعا عن الاقتران به وتحقيرا له.

نلتفت هنا إلى ذلك التشابه في البعض من التفاصيل مع سيرة النبيين يوسف ويونس، وهو أمر يتكرر في أعمال كاتب العمل حتى أصبح سمة تميزه، فبطل المسلسل يتمتع بمكانة بين قوم غرباء بعد أن فر من بلدته مرغما كما في سيرة النبي يوسف، وهو يتذوق مرارة التيه والظلمات الثلاث كما في سيرة النبي يونس.

يتوغل بنا المسلسل في متاهات العلاقات الاجتماعية في الصعيد المصري، حيث القسوة والثأر والخضوع والرغبة في السيطرة وبسط النفوذ، وهي علاقات تقليدية طالما ناقشتها عدة أعمال درامية متعلقة بالجنوب المصري، يزيد عليها ما استجد من تفاصيل حياتية مرتبطة بتعامل المجتمع هناك مع التكنولوجيا الحديثة ووسائل التواصل.

المسلسل يتوغل في متاهات العلاقات الاجتماعية في الصعيد المصري، حيث القسوة والرغبة في السيطرة وبسط النفوذ

بين نقيضين

يجد بطل العمل نفسه متورطا في خضم هذه الأجواء القاسية والعلاقات المتشابكة دون إرادته، فكان عليه التعامل معها والتأقلم مع تفاصيلها المربكة في الوقت الذي لم يقطع فيه الصلة مع ماضيه. يتضمن العمل عددا من النقاط المضيئة، بداية من أداء الممثلين -والبعض منهم يخوض تجربة التمثيل باللهجة الصعيدية لأول مرة- إلى التوظيف الجيد للمشاهد الواسعة، كما يضعنا المخرج أمام مباراة حامية في الأداء بين المشاركين في العمل، ففي المسلسل يتألق عمرو سلامة من جديد في دور الرجل الصعيدي القوي، وهو ينتقل في براعة بين مستويات الأداء التي تتسم بالرومانسية تارة وبالقسوة تارة أخرى.

وعاشت بدورها الممثلة هبة مجدي بيئة الكراهية والحب في دورها في أول تجربة لها في تقديم البنت الصعيدية. وعبرت مجدي عن سعادتها بنجاح المسلسل وإشادة الجمهور والنقاد به.

وتشكل الفنانة سوسن بدر التي تؤدي دور “فضة” بنية الشر على نحو مغاير لما قدمته من قبل في عدد من الأدوار، فهي تمزج بين التسلط والعناد، وتراوح بين صراعها الداخلي مع حقيقة أن يونس لا ينتمي إليها وخوفها من ضياعه، هذا الخوف الذي يدفعها إلى محاولة قطع أي علاقة تربطه بالماضي الذي يطارده.

ولا يجب أن يمر الحديث عن مسلسل “يونس ولد فضة” من دون التطرق إلى جماليات الأداء في “تتر” المقدمة الذي يؤديه الفنان أحمد سعد، فهو يجمع بين المديح الصوفي وموسيقى الملاحم العربية في آن واحد.

إحدى هذه النقاط المضيئة تتعلق بهذه العلاقة التي تجمع بين يونس والشاب الأعمى (شبل)، فالحوار بين الاثنين يحمل قدرا من العمق، ويكاد يكون حوارا فلسفيا عن الحياة والعشق.

تأخذنا هذه الحوارات الثنائية إلى أجواء مختلفة عن بنية المسلسل الملبدة بالقسوة، وتطالعنا هنا صورة يونس الأخرى، فهو يبدو رجلا حالما ومتفانيا في عشقه ومحبته، تتناقض هذه الصورة مع طبيعته القاسية التي تفرضها عليه حدة المواجهات الحامية مع عائلته الجديدة ومنافسيه في تجارته المشبوهة، فهو لا يتورع عن المتاجرة بأي شيء في سبيل بسط نفوذه وقوته.

16