الحب وحده لايكفي في ميزان تربية الأبناء

الأربعاء 2014/04/30
السعي المستميت لتحقيق سعادة الأبناء ربما يؤدي إلى تعاسة الأهل أنفسهم

تكثر مثل هذه المشاهد في أفلام الرعب القديمة، حيث ينشأ الأطفال اليتامى وسط ملاجئ لا تراها شمس الرحمة؛ فيخضعون طيلة فترة سجنهم لأشد أساليب التربية فتكا، حتى تهجر الابتسامة ملامحهم إلى الأبد.

الرقابة المستمرة ووجبات الطعام المحسوبة بالمكاييل ولحظات الفرح والمرح المحظورة من أبرز سمات هذه التربية الصارمة. إلا أن المقارنة قد تصح هنا في واحدة من أكثر المفاجآت غير السارة التي يعرفها متخصصون في تربية الطفل، وهو أن الأهل الذين يبدون اهتماما مفرطا بأطفالهم ويقضون معظم أوقاتهم في السهر لتوفير أقصى سبل الراحة والرعاية لهم، قد يكونون في حسابات المنظرين التربويين أشد فتكا من (الوحوش) الآدمية التي كانت تشرف على تنشئة صغار أبرياء داخل ملاجئ أفلام الرعب!.

ويبدو أن السعي المستميت لتحقيق سعادة الأبناء قد يأتي بنتائج عكسية بل ربما يؤدي إلى تعاسة الأهل أنفسهم، فهذه الأفكار السوداوية طالما كانت هاجسا عنيدا لآباء وأمهات تملكتهم مشاعر العاطفة المفرطة تجاه أبنائهم، الهاجس الذي تتستر خلفه بعض علامات الاستفهام المؤرقة التي تقول؛ كيف نجعل أطفالنا سعداء وكيف نضمن لهم تربية جسدية ونفسية سليمة تعينهم على مواجهة المستقبل المجهول بشخصية قوية طموحة وصحية؟.

ترى، ما الذي يخبئه المستقبل؟ حين لا يتسنى لنا أن نكون إلى جانبهم عندما يكونون في حاجة إلينا، وربما لا يمتد بنا العمر لنحصل على فرصة أخيرة للتأكد من أن كل شيء ما زال على ما يرام؟. الأبحاث الحديثة تقر بأن سعادة الطفل لا تتناسب مع التدخل المستمر في مسار حياته بالدقائق والثواني، وعلى الرغم من محاولة بعض الأهل البقاء لفترة أطول إلى جانبه، إلا أن هذا كفيل بأن يبعد المسافة العاطفية بين الاثنين.

ويعتقد ديفيد كود، وهو معالج نفسي أميركي، بأن الأطفال الذين يخضعون إلى عناية مبالغ فيها من قبل الأهل يصبحون مع الوقت متطلبين ولا يمكن إرضاؤهم بسهولة، في ما تنتقد عالمة النفس، الدكتورة مادلين ليفين، الآباء الذين تشبّههم بالطائرة المروحية “الهليكوبتر”؛ الذين يحومون حول الطفل طوال الوقت للتحقق من أنه بخير وأن الأمور تسير معه على أكمل وجه، مشيرة إلى حق الأطفال في مساحة معيّنة من الحرية، إذا ما تم تقليصها فقد يزيد ذلك من فرص إصابة الصغار بالأمراض النفسية مثل القلق والاكتئاب الناتج عن الاهتمام المفرط.

الأطفال الذين يشاركون في الألعاب الرياضية المدرسية أكثر شعورا بالسعادة من أقرانهم الذين لا يبدون اهتماما بالنشاط البدني

أما المفاهيم المعروفة والتي تشجع الوالدين على الاهتمام بأطفالهم على مدار الساعة، فلن تحقق أهدافها المتوقعة في أغلب الحالات، حيث تفوق الخسائر المكاسب. وحين يفرض الأهل ضغوطا هائلة على الطفل لتلبية احتياجاته العاطفية، فهذا من شأنه أن يؤثر في تعطيل وعرقلة مسيرة نموه العاطفي، التي ينبغي أن تسير وفق تسلسل طبيعي وتدريجي، الأمر الذي يجعله عرضة لمشاعر متناقضة من حب ونفور بسبب رغبته في التخلص من هذه القيود، وحين يفشل فسيكون فريسة سهلة للأمراض النفسية والإخفاقات في علاقاته مع المجتمع خارج المنزل، بمجرد تجرده من غلاف مرحلة الطفولة وتحرره – الجزئي- من سلطة الحب الأبوي.

في سياق متواز، فإن تمتع الطفل بالصحة والرضا أمران لا يتعارضان مع تناول الشيكولاتة ورقائق البطاطا ومشاهدة التلفاز بين الحين والآخر؛ هذا ما خلصت إليه نتائج دراسة بريطانية حديثة.

وأشارت الدراسة التي أشرفت عليها وزارة الصحة، إلى أن الأطفال الذين يتناولون الأطعمة “المحظورة” صحيا باعتدال والتي ينصح بتجنبها في العموم، مثل الحلويات ورقائق البطاطا والمشروبات الغازية، يبدون أكثر صحة ورضا من الأطفال الذين يقتصرون على تناول الأطعمة الصحية كالخضراوات والفواكه طوال الوقت، فيحرمون من رفاهية ومتعة تناول الأطــعمة الخــفيفة بين الوجبات.

وذهبت النتائج إلى أبعد من هذا، حيث تقرر بأن الأطفال المحرومين تماما من الاستمتاع بالوجبات الخفيفة يبدون أقل سعادة من غيرهم، كما أنهم لا يتمتعون بصحة أفضل من أولئك الذين يقضون بعض الوقت في تناول الأطعمة المسلية أثناء مشاهدة التلفاز، وتبين أن الصغار الذين تقتصر مشاهدتهم على برامج التلفاز أقل من ساعة يوميا، لا يتمتعون بصحة نفسية وجسدية شأنهم شأن الصغار الذين يتعرضون لهذا الجهاز السحري طوال النهار، فالاعتدال هو الميزان الصحيح. ومن ناحية أخرى، فإن تناول أقل من خمس حصص يومية من الخضراوات والفواكه المنصوح بها لم يعد تقليدا قسريا ولا علاقة له بالصحة الجيّدة.

السعي المستميت لتحقيق سعادة الأبناء قد يأتي بنتائج عكسية بل ربما يؤدي إلى تعاسة الأهل أنفسهم

واستندت الدراسة التي أجرتها وكالة “ناتسن البريطانية” وهي مؤسسة مستقلة ورائدة في مجال الأبحاث الاجتماعية، إلى بيانات جمعت من 13.000 طفل ولدوا في العام 2000.

كما خلصت الدراسة إلى أن الأطفال الذين يشاركون في الألعاب الرياضية المدرسية أكثر شعورا بالسعادة من أقرانهم الذين لا يبدون اهتماما بالنشاط البدني؛ حيث أشار قرابة نصف الأطفال المشاركين في الاستطلاع والذين يمارسون النشاطات البدنية في المدرسة باستمرار، إلى أنهم يشعرون بالسعادة طوال الوقت.

وتؤكد جيني جانفرو، المشرفة على البحث في وكالة “ناتس” على أن الطعام الصحي قد لا يعزز الصحة والرفاهية في مرحلة الطفولة، فالواقع يرجح بأن الأطفال الذين اعتادوا على تناول بعض الوجبات الخفيفة مثل الكعك والبسكويت بصورة منتظمة، هم أكثر سعادة من أقرانهم الذين لا يتضمن برنامج غذائهم أي نوع من الوجبات الخفيفة.

ومع ذلك، ما زالت بعض الأصوات تطالب بضرورة تعزيز السلوكيات الصحية بين الصغار، إذ أن اكتساب العادات الصحية للأفراد يبدأ عند مرحلة الطفولة، ومن المهم في المستقبل أن يخضع الصغار إلى نظام صحي متوازن

21