الحجاب الإجباري في إيران: الثورة تأكل بناتها

الأربعاء 2014/12/31
هذا حال الحريات عندما يتولى المتشددون مهام الشرطة الدينية في إيران

طهرن – نظام الخميني اعتبر المرأة منذ الوهلة الأولى كائنا لا يجب أن يتحلى بالطموح أو التطلعات، ولا يجب أن يسمح له بالابتكار، لذا كان الإكراه على ارتداء الحجاب أول خطوة في رحلة طويلة من تمزيق النسيج الناعم للمجتمع النسائي الإيراني.

لا تنحصر رغبة السلطات الإيرانية في فرض الحجاب على النساء في إطار ديني أو شرعي فقط، لكنها تحولت أيضا إلى وقود لدفع عجلة نظام ولاية الفقيه بشكل عام لتستمر في الدوران.

ولا تختلف إيران في هذه السياسة كثيرا، عن الجماعات الحركية التي تنتهج التشدد الديني، السنّي أو الشيعي، كعقيدة.

ويعد الحجاب إجباريا على كل النساء الإيرانيات في الحياة العامة والدوائر الحكومية والمدارس وكل مكان، الحجاب يشمل الإناث صغارا وكبارا، الطالبات والموظفات، البنات والأمهات، الشابات وما تسميه كتب الشريعة “القواعد من النساء”.

وكانت صحيفة “بيك إيران” من أول وسائل الإعلام التي شبهت الجمهورية الإسلامية بدولة “الخلافة” في الموصل والعراق والشام.

وتقول الصحيفة “فرض تنظيم داعش الحجاب وكل قوانين الإسلام بشكل متطرف، كما هو حال النظام الإيراني دون قبول رأي الأكثرية خصوصاً في مجال الحجاب، وتعيين حتى نوع الزي واللباس للرجال والنساء، في مدينة الموصل أعلن تنظيم داعش أنه لن يسمح للنساء والرجال بلبس الثياب الضيقة ولا ارتداء التنانير أو السراويل اللاصقة، وهو قرار يطابق قرار النظام الإيراني بالكامل في هذا السياق”.

لكن أوجه التشابه وصلت إلى حد التطابق عندما أعلن داعش في وقت سابق، أنه لن يسمح للبنات والنساء بالسير لوحدهن دون محرم، وفي الأيام الماضية أصدرت جماعة متطرفة في إيران قرارا بمنع النساء والبنات من السير في الشوارع أو التواجد في أماكن وحدهن، وتقول معظم مراجع الدين في إيران إن مكان النساء في بيوتهن، وليس في أماكن العمل أو الجامعات، أو الشوارع والمتنزهات.

ولا يبدو أن النظام الإيراني يدرك أن تغيرات جمة وقعت في منطقة الشرق الأوسط والعالم بشكل عام منذ نجاح الثورة الإسلامية عام 1979 وحتى الآن.

إيران هي الدولة الوحيدة التي تتبنى هذه السياسة بحق النساء، وإن كانت قم تقترن مع قندهار فيها

وتقول شيرين عبادي، الحقوقية الإيرانية الحائزة على جائزة نوبل للسلام، “كانت أيام عصيبة”.

وتضيف السيدة التي أصبحت أول قاضية في إيران قبل الثورة، والتي ناصرتها منذ الوهلة الأولى “بعد نجاح الثورة ذهبت إلى مقر عملي في وزارة العدل، وقررت وقتها أن أهنئ المسؤولين الجدد الذين تولوا مسؤولية الوزارة في حكومة الخميني”، لكن بدلا من أن يقدم المسؤولون الشكر لعبادي طالبوها بتغطية شعرها احتراما لـ”عودة الإمام الى طهران”.

وتقول عبادي “وقتها أدركت أن هذه الثورة ستأكل بناتها”. وبعد أيام فوجئت عبادي بنقلها إلى موقع سكرتيرة المحكمة التي كانت ترأسها وبفرض الحجاب على كل النساء في المؤسسات الحكومية.

لكن الحجاب ليس هو الأداة الوحيدة التي كان من شأنها أن تجعل النظام الإيراني يشعر بأنه نجح في إخضاع النساء، لكن المتشددين بين صفوفه عكفوا على ابتكار طرق أكثر قتامة.

ويقول الكاتب الكويتي خليل علي حيدر إن ثمة ملاحظات أخرى على “الحجاب الإجباري” الذي تتبناه إيران منذ 35 عاما، فهي تكاد تكون الدولة الوحيدة التي تتبنى مثل هذه السياسة بحق النساء في العالم الإسلامي كله، وخاصة بعد أن تغيرت هذه السياسة في دول مثل المملكة العربية السعودية وربما حتى السودان، وإن كان الحال متشابهاً في مناطق هيمنة حركة طالبان بأفغانستان، حيث تقترن قم مع قندهار وإن كان “الشادور” الإيراني أكثر رحمة بالمرأة من الخيمة المتنقلة التي تجبر المرأة الأفغانية على ارتدائها تجنبا لإثارة غرائز مجاهدي طالبان.

وكانت الصحف قد أشارت في فبراير 2012 إلى أن السلطات الإيرانية قررت إلزام الموظفات، إضافة للحجاب، بزي موحد، “بما يتفق مع المعايير الدينية والثقافية الإيرانية”، غير أن القرار أثار غضب الإيرانيات اللاتي اعتبرنه خطوة أخرى في مجال التضييق على الحريات الشخصية للمرأة الإيرانية.

وقالت سيدة إيرانية تدعى مديحة محمد وتعمل في مكتب عام بطهران “الملابس التي أراها هنا ليست مختلفة جداً عما يتعين علينا ارتداؤه، ولكن علي ارتداء زي موحد إنه أمر إجباري، وأنا أبلغ من العمر 47 عاما وذاك ما يجعلني أشعر أنني غبية”.

شيرين عبادي: "بعد الثورة، بدلا من شكري على مساندتها طلبوا مني ارتداء الحجاب"

وفي 30 مايو الماضي نشرت صحيفة “القبس” العمانية ترجمة لمقال عن صحيفة “روز” الإيرانية بعنوان “من حق الغرباء اغتصاب الفتاة إذا خلعت حجابها” لأن “غير المحجبة سلعة رخيصة ولا يحق للقانون الاعتراض على اغتصابها”.

ويقول محللون إن كل هذه الإجراءات التي يتعطش النظام الإيراني إلى تطبيق المزيد منها نابعة من شعور عام بالبطركية لدى رجال الدين الذين يملكون القرار، فـ”المرأة التي لا ينبغي أن يرتفع صوتها على مائدة العشاء، لا ينبغي أن يرتفع صوتها أيضا على مائدة البرلمان”.

لكن النساء في إيران اخترن سبيل المقاومة، وإن كن لم يظهرن إلى العلن بعد. وفي الآونة الأخيرة انتشرت ظاهرة سُميت “الحرية الخفية للنساء” ، من خلال نزع حجابهن في أماكن بعيدة عن أعين قوى الأمن والمتشددين، في محاولة لإعلان رفضهن للحجاب الإجباري المفروض عليهن من جانب النظام.

ولا يبدو أن هؤلاء يكترثن كثيرا بالتهديدات التي تصل إليهن، والتي وصلت إلى حد التهديد بالاغتصاب، وهو ما يثبت صحة التقارير التي نشرها معارضون للنظام في السابق، بعد تعرض العديد من الفتيات والنساء إلى الاغتصاب، ويقول المعارضون للنظام “إن أسلوب التهديد بالاغتصاب أو حتى تطبيقه يعد نوعا من التحذير الاجتماعي من جانب الأصوليين الذين يخشون انتشار ظاهرة عدم التحجب، وتحدي مواقف مراجع الدين”، وإذا عمّت هذه الظاهرة فلا يمكن التحكم فيها أو ضبطها، لا سيما أن المتشددين يزعمون بتساهل حكومة الرئيس حسن روحاني، وعدم فرضها المزيد من القيود على حرية المرأة، “كما يؤكد ذلك الدين الإسلامي”، حسب زعمهم.

ومن بين الركائز الأساسية التي يسوق روحاني لها هو الحريات الشخصية والعامة خاصة فيما يتصل بالنساء. وبعد انتخابه في يونيو 2013 طلب روحاني من الشرطة أن تكون متساهلة أكثر في المسائل الاجتماعية خصوصا قضية ارتداء الحجاب.

وتتولى وحدات خاصة من الشرطة التحقق من ارتداء الحجاب ويمكن للمخالفات أن يتعرضن لتحذير شفهي أو غرامة أو التوقيف لعدة ساعات.

وكان قائد الشرطة الإيرانية قد أعلن في وقت سابق أنه في مـعظم الأحيان تتلقى المرأة "غير المحـجبة بشـكل مــناسب" تحذيرا شفـهيا.

ونقلت وكالة الأنباء الإيرانية الطلابية عن الجنرال إسماعيل أحمد مقدم قوله "يتم اقتياد 4 إلى 5 بالمئة من تلك النسوة إلى مراكز الشرطة وفي 0,5 بالمئة من هذه الحالات يحال الملف إلى القضاء".

لكن النساء اللاتي ينجحن في تجنب الشرطة والمرور في شوارع طهران دون حجاب "ملائم" يقعن غالبا في براثن المحافظين والمتشددين الذين عادة ما يعتدون عليهن.

12