الحجاب كظاهرة ثقافية في مسرحية "ما يهمنا"

الأحد 2017/02/26
هل هذا ما يهم باريس حقا

يشهد مسرح “الإيشانجور” في باريس عرض “ما يهمنّا” (ce qui nous regard)، من إخراج مريام مرزوقي مع فرقتها التي تحمل اسم “الليلة الأخيرة”، أما النص فهو اقتباس وتوليف لعدة نصوص لكل من فيرجيني ديسبينتيس، آلان باديو، بيير باولو باسوليني، باتريك بوشيريون وماثيو ريبول، وفيه تطرح مرزوقي عددا من التساؤلات والمواقف المرتبطة بالحجاب، وأنواع هذا السلوك كظاهرة ثقافية، إلى جانب المقاربات المختلفة له، عبر مفهومي الذكورة والنسوية، وأشكال تغطية الرأس سواء التقليديّة منها أو تلك المرتبطة بالدين الإسلامي، لتجعل “الحجاب” رمزاً ثقافياً للمقاومة النسويّة في بعض الأحيان.

تتنوع التقنيات التي نراها على الخشبة أمامنا، إذ نرى الأداء المسرحي والفيديو والصور الثابتة إلى جانب حضور الموسيقى والرقص، فالعرض يبدأ بمقارنة بين صور لجدّتي الكاتبة تعلّق عليهما بصوتها، إحداهن أوكرانيّة والأخرى تونسيّة وكلاهما محجبتان، وكل منهما تنتمي لمرجعية فكرية واجتماعية مختلفة، أما علاقتهما مع “غطاء الرأس” فتختلف، الأولى نسويّة ملحدة، والثانية تراه كتقليد شعبي وثقافي قد لا ينتمي للمرجعيّة الدينية، لتبدأ بعدها التساؤلات عن الحجاب والبرقع، ومدى صحة توصيفهما كدلالة على خضوع المرأة وتبعيّتها للرجل، مشيرة إلى التوظيف الثقافي والأيديولوجي لِصور الحجاب، بوصفها أحياناً مفبركة ومصنّعة فيما يتعلق بصور الجهاديين ونسائهم، ومرجعيات هذه الصور التي تستخدم للتخويف فقط.

العرض يرى في الحجاب في بعض الأحيان وسيلة ثورية بوجه تسليع جسد الأنثى، لتتضاءل مرجعيته الدينيّة، أمام تعريفه كخيار شخصي بل وأداة تعبير نسويّة في بعض الأحيان بعيدة عن السياق الديني، إذ يذكّر العرض كيف قام الفرنسيون في الجزائر بفرض نزع الحجاب على السيدات، والقيام بحملات إعلامية في سبيل التخلص منه، ثم تحوّله إلى موقف شخصي لرفض سلطة الاستعمار، بل حتى أن العرض يراه أحيانا وسيلة للوقوف بوجه تعرية جسد المرأة الممنهج، وتحويلها إلى أيقونة جنسيّة، منتقداً صور مارلين مونرو وغيرها من رموز الإثارة بوصفها أيقونات جنسيّة.

العرض يتناول عدة سياقات لقضية الحجاب، إذ نشاهد فيديو لجمال عبدالناصر يسخر فيه من المرشد الأعلى للإخوان المسلمين الذي طلب منه فرض الحجاب على نساء مصر

العرض يتناول عدة سياقات لقضية الحجاب، إذ نشاهد فيديو لجمال عبدالناصر يسخر فيه من المرشد الأعلى للإخوان المسلمين الذي طلب منه فرض الحجاب على نساء مصر، كذلك نرى المشاهد الصغيرة التي تدور بين أب مهاجر إلى فرنسا وابنته التي قررت وضع الحجاب، أيضاً نتابع أداء فردياً لممثلة بوصفها مناصرة للنسويّة، ينتهي بها الأمر بالكشف عن جسدها العاري، والسخرية من الأشكال السلعية لجسد المرأة التي نجدها من حولنا في الإعلانات وشاشات التلفزيون.

فالسياقات المتعددة التي يتناولها العرض واختلاف أزمنتها ومرجعياتها، تخلق التشويش حول موقف الكاتبة من “الحجاب” وتكوين العرض نفسه. إذ نراه يدعو عبر الكليشة المتداولة دوماً إلى أن الحجاب لا يعني الإرهاب، ولا يعني أن المحجبة مقموعة، ووضعها للحجاب خيار فرديّ بحت، في حين يتجاهل الكثير من القضايا الجوهريّة المرتبطة بالحجاب كظاهرة دينيّة وخطاب سلطة وعنف.

الكثير من الملاحظات يمكن توجيهها إلى مضمون العرض، وخصوصاً تعريفات الحجاب المقترحة، بالرغم من أنها تبدو مقنعة و”تحرريّة”، وتحاول إخراج المرأة المحجبة أو التي تغطّي شعرها من السياق المتداول في وسائل الإعلام، إلا أن العرض يتجاهل الصيغة الاجتماعية والدينية المرتبطة بالحجاب، فبالرغم من أنه خيار شخصي في بعض الأحيان، لكنّ التسليم به والمرجعية التي يمتلكها في بعض المجتمعات، لا يمكن إنكار أنها تضع كلا من الذكر والأنثى ضمن تعريفات تتجاوز الخيار الشخصي، فهو يجنسن جسد المرأة بوصفها متاعاً للذة ولا بد من تغطيته، كما يحوّل الذكر إلى كائن شهواني فقط، وهو جوهر قضية الحجاب في المنطقة الإسلاميّة، نعم هو تقليد في بعض المناطق، لكن ارتباط هذا التقليد بالدوغما الدينيّة وتبنيه من قبلها، حتى لو لم يكن ينتمي للأصل المقدس، يجعل تبرير الخيار الشخصي واهياً أمام صيغة الدمغ التي يمارسها الخطاب المرتبط به.

نعم من الممكن أن تغطي الأوكرانية الملحدة رأسها كما في العرض، لكن المرأة في بعض المناطق العربيّة أو التي ينتشر فيها الإسلام حين تغطي شعرها، تتبنى أو يُفرض عليها خطاب متكامل يدين المرأة وينمذجها، مثل تقنية الاستهلاك المتمثلة بالعري تحوّل جسد المرأة إلى سلعة للّذة، والإخفاء أيضاً يمارس ذات الصيغة، بتحويل جسدها إلى صيغة إيكزوتيكيّة خفيّة.

كاتب من سوريا

14