الحجامة ممارسة طبية تقليدية شوهتها العشوائية وأحيتها العلوم الحديثة

شهدت الحجامة انتشارا واسعا في الدول العربية والإسلامية بعد أن أصبحت ممارسة شعبية توارثتها الأجيال بوصفها طبا بديلا، وتناقلتها الحضارات والثقافات بين دول مختلفة اعترافا بجدواها في العلاج. هذه التقنية القديمة ترجع إلى آلاف السنين، وهي اليوم أحد اختصاصات الطب التي تدرس في الجامعات العربية والغربية.
الاثنين 2015/06/15
ممارسة الحجامة في المجتمعات العربية تحتاج إلى توفير مراكز استشفائية خاصة بها

الرياض- لقيت الحجامة اهتماما علميا وبحثيا في أوروبا، وأميركا، وآسيا، لتصبح من تقنيات الطب القديم التي تم إحياؤها وإعادة العمل بها في الطب الحديث مع ضبط شروط وقواعد ممارستها، وذلك لأن البحوث الحديثة في الدول الغربية أثبتت جدواها في علاج العديد من الأمراض، مما أدى إلى إثارة جدل واسع بين مختلف الأوساط الطبية في تلك الدول، حول مدى فاعليتها ومحاذيرها.

أما في الدول العربية المسلمة، فالحجامة تعتبر من الممارسات الطبية الشعبية التي تمارس من قبل مختصين أغلبهم لم يدرسوها في المدارس الطبية ولم يحصلوا على شهادات علمية في الاختصاص، بل إنهم تعلموها عن آبائهم وأجدادهم وورثوا عنهم طرق تطبيقها. وهو ما أثار جدلا في أوساط الأطباء والباحثين الذين أكدوا أن فوائد الحجامة لا يمكن أن تتحقق دون ممارستها بشكل صحيح من قبل تقنيين مختصين يراعون شروط السلامة الصحية للمرضى.

هذا الجدل العلمي دفع المركز الوطني للطب البديل والتكميلي في السعودية إلى وضع آلية تنظيمية تضبط ممارسة الحجامة في البلاد بطريقة آمنة وفاعلة ومبنية على الأدلة والبراهين العلمية، فضلا عن تطبيق ضوابط تنظيم ممارسة الأفراد للحجامة في المملكة الذين بلغ عددهم نحو 1000 ممارس عشوائي، بحسب قول المدير التنفيذي للمركز الدكتور عبدالله بن محمد البداح.

إزاء ما وجدته الحجامة من اهتمام طبي عالمي فقد تم إدراجها ضمن ما يسمى بالطب البديل والتكميلي أو الطب الاندماجي

وأوضح البداح “أن المركز منح مؤخرا مهلة لتصحيح أوضاع ممارسي الحجامة العشوائيين في المملكة، إما بالحصول على الترخيص أو تجديد تراخيصهم الممنوحة لهم عن طريق وزارة الشؤون البلدية”، مبينا أن وزارة الشؤون البلدية أوقفت مؤخرا منح وتجديد التراخيص لممارسي الحجامة بطلب من وزارة الصحة.

وإزاء ما وجدته الحجامة من اهتمام طبي عالمي فقد تم إدراجها ضمن ما يسمى بـ”الطب البديل والتكميلي” أو “الطب الاندماجي”، وإنشاء كليات ومراكز أكاديمية متخصّصة لها، تسلط الضوء على تدريس والتدريب على “الحجامة” في جميع الجوانب التي تخصّ تفاصيلها الشرعية والطبيّة، وطرق استخداماتها المثلى.

ويرجع مؤرخون وباحثون تواصل ممارسة الحجامة في المجتمعات العربية والإقبال عليها – بدرجات متفاوتة حسب الدولة – إلى ارتباطها في المخيال الشعبي وفي الثقافة العربية الإسلامية بالجانب الروحي والديني عند المسلمين الذين يقبلون عليها على اعتبارها سنة نبوية، حيث وردت في أحاديث الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) حينما قال “إن كان في شيء مما تداوون به خير ففي الحجامة”.

وذكرها في حديث آخر بقوله “ما مررت بملأ من الملائكة ليلة أسري بي، إلا قالوا عليك بالحجامة”. هذه الأحاديث النبوية إلى جانب الروايات والقصص التي تتناقلها أجيال المسلمين عن حياة الرسول تؤكد أنه حرص على التداوي بها.

وتشير دراسة حديثة إلى أن الحجامة التي تعرف باسم (كابنغ ثيرابي) تعود إلى آلاف السنين وقد استخدمت عند الفراعنة، ووجدت رسوم تدل عليها في مقبرة الملك توت عنخ آمون، وعرفها الإغريق القدماء والصينيون والبابليون، ودلت آثارهم وصورهم المنحوتة على استخدامهم الحجامة في علاج بعض الأمراض، وكانوا في السابق يستخدمون الكؤوس المعدنية وقرون الثيران وأشجار البامبو لهذا الغرض، حيث كانوا يفرغونها من الهواء بعد وضعها على الجلد عن طريق المص، ومن ثم استخدمت الكاسات الزجاجية والتي كانوا يفرغون منها الهواء عن طريق حرق قطعة من القطن أو الصوف داخل الكأس.

الحجامة تواصلت في المجتمعات العربية لارتباطها بالجانب الديني عند المسلمين

كما انتشر استعمالها في عهد أبقراط أشهر الأطباء اليونانيين قديما، وعُرفت أيضا في فرنسا، وكان الصينيون يستخدمون تقنية الحجامة في بعض أنواع العلاجات، حيث يتم تقسيم الجسم إلى خطوط ونقاط طاقة، توضع عليها كؤوس الهواء لشفط الدم المتخثر، وبالتالي تنشيط المنطقة المتصلة بالعضو المصاب، إلا أنها وخاصة في المجتمعات والدول العربية الإسلامية شهدت أوج الازدهار في العصر الإسلامي وفي عهد الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم).

وانتشرت الحجامة في الدول العربية مع انتشار الدين الإسلامي والسنة النبوية، لكن كثرة ممارسيها وجهل بعضهم بالطرق العلمية الصحيحة لتطبيقها صرفا عنها إقبال الناس وأدخلا الشكوك عند الكثيرين حول نجاعتها فنقص استخدامها وأهملت وكادت تندثر.

فمثلا في المجتمع التونسي تكاد الحجامة تكون مفقودة كما لا توجد أماكن خاصة للقيام بها، وبقيت نشاطا طبيا تقليديا محدود النطاق يتقنه الكبار في السن ويعرفهم أبناء أحيائهم فقط، ويمكن الجزم أن الحجامة في تونس تعد نشاطا طبيا تقليديا منحصرا في بعض القرى والمناطق الريفية.

غير أن رجوع العلوم الطبية الحديثة للطب البديل أو الطب التكميلي أو الطب الذي يعتمد على الطبيعة أرجع للحجامة كممارسة طبية بريقها وأحياها في العديد من الدول العربية لتصبح من الممارسات الطبية الحديثة التي تدرس في الجامعات وتخصص مراكز استشفائية للقيام بها، كما أنها تجاوزت البعد الديني وممارستها كسنة نبوية لتنتشر في جميع أنحاء العالم ولدى الشعوب غير المسلمة.

12