الحجر على الآباء عندما يموت الإحسان والرحمة

الجمعة 2014/09/05
على القضاء التأكد بأن التصرفات المالية للمحجور عليه غير متزنة

القاهرة- قضايا “الحجر على الآباء” أصبحت ظاهرة منتشرة في المجتمع المصري، حيث أشارت الأرقام الصادرة مؤخرا عن محاكم الأسرة إلى تكدس الملفات المتعلقة بقضايا الحجر والتي تعدت حاجز الأرقام العادية.

شهدت أروقة محاكم محافظة القاهرة وحدها هذا العام ما يقرب من 400 دعوى حجر، قام الأبناء برفعها ضد أحد الوالدين، مطالبين بفرض وصياتهم على الأب أو الأم، مستندين في ذلك على ما يثبت عدم أهلية المرفوع ضده الدعوى. والهدف من هذه القضايا ابتزاز الآباء بمنعهم من ممارسة حياتهم الطبيعية، والتصرف في أموالهم بقصد الاستيلاء عليها من قبل الأبناء. وقد وقف رجال القانون للمطالبة بضرورة إصدار قانون يعاقب من يثبت عليهم من الأبناء رفعوا هذه القضايا بشكل كيدي.

قضايا الحجر تقدم إما للسفه أو الجنون، وهذا يعني نقصا في أهلية المطلوب الحجر عليه، أو انعدام الأهلية لديه تماما، بعدها تقوم النيابة بعمل تحقيق قضائي تستمع فيه إلى أقوال المتقدم بالدعوى ومعرفة السبب، ثم تقوم باستدعاء المدعي عليه ومناظرته للتأكد من صحة علته. وبعد المناظرة يتم عرضه على الطب الشرعي، أو مستشفى الصحة النفسية، وبناء على التقرير الفني يتم إحالة القضية إلى المحكمة للحجر عليه. وتتولى النيابة بعد ذلك مسؤوليتها في تعيين قائم على أموال المحجر عليه لإدارتها، ونتيجة لذلك مازالت محاكم القاهرة تكتظ بآلاف القضايا المنظورة.

يقول بهاء الدين أبو شفة أستاذ القانون والمحامي بالنقض، إن مواكبة النص التشريعي للمستجدات، التي تظهر في المجتمع أمر ضروري، فالفقه القانوني يشير إلى أنه في حالة عقوبة لا تتواءم مع الخطورة الإجرامية لفعل معين، أو عدم وجود عقوبة من الأساس، فمن الضروري أن يتم وضع قانون مناسب لذلك الفعل، ولأن هذه الظاهرة تشكّل نوعاً من الآلام النفسية وإهداراً لكرامة الآباء وسط المجتمع الذي يعيشون فيه، فمن المفترض أن يقع مثل هذا التصرف في إطار العقاب على البلاغات الكاذبة، كما أنها تشكّل جريمة سب وقذف إذا ثبت عدم صحتها، وأن أحد الأبوين معافى في فكره وتصرفه من الاتهامات الموجهة إليه.

الارتفاع الكبير في عدد قضايا الحجر ظاهرة مؤسفة تدل على انهيار منظومة القيم وانعدام الذمة

ويقول المستشار إبراهيم صالح النائب الأول لرئيس محكمة النقض الأسبق: إن الارتفاع الكبير في عدد قضايا الحجر ظاهرة مؤسفة تدل على انهيار منظومة القيم وانعدام الذمة، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم عندما ذهب له ابن يشكو والده الذي يأخذ ماله، قال له: “أنت ومالك لأبيك”، ولهذا فإن ثبوت كيدية أي دعوى حجر، يستلزم أن يقوم المشرع بإيراد النص ليواجه به الواقع المؤلم، الذي نعيشه بمعاقبة الابن إذا تأكد أن الأسباب الداعية لقيام الدعوى منتفية، وأنها مجرد إساءة وإضرار بالأب أو الأم.

ويؤكد أنه على القاضي أن يبذل قصارى جهده، ليكون على يقين بأن التصرفات المالية للمحجور عليه غير متزنة، وتهدد بخراب ما يملك، وأن يتأكد من ذلك بكل الوسائل، سواء القولية كشهادة الجيران أو الأقارب أو الفنية كالطب الشرعي، أو أن يلجأ إلى التحريات للوقوف على الحقيقة.

ويشير المستشار سليم عبد الحميد، رئيس محكمة الاستئناف، إلى أن التشريع لا يحتاج إلى وضع نص قانوني بهذا الشأن، لأنه لا يمكن تجريم أي شخص لأنه عاق لوالديه، فهذا لا يدخل في دائرة التجريم، بل هو الدائرة الأخلاقية، ولكن إذا كان قد أصيب المدعي بضرر من جراء ذلك مثل التشهير وما إلى ذلك، فله أن يطلب التعويض عن ذلك.

ويقول المستشار مصطفى الكومي رئيس محكمة جنايات القاهرة: بوضع هذا القانون الذي يتعارض مع حق المواطن الدستوري في استخدام منحة أعطاها له القانون، وهو حق التقاضي والحجر شرعه القانون والدين في حالة ما، إذا كان المحجور عليه أصيب بعلة مرضية تعجزه عن التصرف في شؤونه المادية بشكل متزن، أو إذا كان قد أصيب بـ”طيش بيّن” أو “هوى جامح”، وهو أن ينفق أمواله في طريق غير مشروع كالملاهي والملذات.

والمحكمة كما يرى الكومي قد ترفض هذه الدعوى لأحد الأمرين، إما لعدم وجود دليل، وهذا لا يمكن أن يحاسب عليه الأبناء، فقد يكون الأمر صحيحا، ولكن لا يوجد ما يثبته، أما الحالة الثانية فهي أن يكون المطلوب الحجر عليه سليماً وعاقلا، ففي هذه الحالة يعتبر الابن قد تعسّف في استخدام حقه القانوني، لكن المحكمة لا تستطيع معاقبته من تلقاء نفسها، وأمام الوالدين أن يقوما بتحريك الدعوى الجنائية بالادعاء المباشر، أو باللجوء للنيابة لتقديم بلاغ ضد الابن، وهنا إذا كان سبب رفض الدعوى أنها غير صحيحة، فستقضي بمعاقبة المدعي بعقوبة تصل إلى الحبس والتعويض، أما إذا كان لعدم وجود دليل، فإن المحكمة تقوم بالتحقيق لإثبات حقيقة سوء النية.

قضايا الحجر تقدم إما للسفه أو الجنون، وهذا يعني نقصا في أهلية المطلوب الحجر عليه، أو انعدام الأهلية لديه تماما

وعن رأي الدين في هذه الظاهرة، يؤكد محمد رأفت عثمان أستاذ الفقه المقارن بكلية الشريعة والقانون بالقاهرة، أن مثل هذه القضايا تشير إلى ضعف الوازع الديني والأخلاقي، لدى الجيل الجديد الذي استحوذت شهوة المال على أفكاره، وأصبح هدفهم هو الحصول عليه بأي طريقة، حتى ولو كانت مخالفة للشرع.

ورفع مثل هذه القضية يرى فيها الكثير من الشباب وسيلة للاستيلاء، والتصرف في هذه الأموال التي يملكها من يراد الحظر عليه، مما يدل على سوء الفطرة، لأن الفطرة السوية تمنع الإنسان من أن يؤذي أحد والديه، ولو بكلمة “أف” كما نصت جميع التشريعات السماوية.

ويؤكد الشيخ محمود عاشور وكيل الأزهر السابق، ضرورة معاقبة الأبناء على هذا الجرم، الذي يندرج تحت ذنب عقوق الوالدين، لأنه من أكبر الكبائر وعقابها جهنم، علما بأن مسؤولية هذا الجرم تقع على عاتق الوالدين، وليس على الأبناء وحدهم، وذلك نتيجة لسوء التربية التي نتبعها.

ويضيف: إن قضايا الحجر شرعت للحفاظ على أموال الشخص السفيه، والذي لا يعقل ولا يعي، وحماية لحقوق الورثة إذا كان تصرفه في المال يزيد عن ضياع الثلث إعمالا لقول الله تعالى: “ولا تؤتوا السفهاء أموالكم”.

21