الحجز التركي على الخطوط التونسية يثير مخاوف الخصخصة

التسوية لا تنفي مخاطر خطط الاستحواذ على الناقلة الوطنية.
السبت 2021/02/20
تونس بصوت واحد ضد الاستفزاز التركي

كشف إعلان الشركة التركية “تاف” للمطارات حجزها كافة الحسابات المصرفية للخطوط الجوية التونسية لمطالبتها بتسديد ديون محاولة خطيرة للاستحواذ على الشركة، ورغم تعليق الإضراب الذي قرره الاتحاد العام التونسي للشغل بعد التوصل إلى تسوية مبدئية تمنع التفويت، إلا أن مؤشرات التفويت في المؤسسة باتت فعلية.

تونس – لم يعد الحديث عن سعي تركيا وتخطيطها لتركيع المؤسسات التونسية ومنها شركة الخطوط الجوية تمهيدا للاستحواذ عليها مجرد تكهنات أو “مخاوف غير مُبررة ناتجة عن استنتاجات خاطئة” كما يُردد وكلاء المشروع التركي التوسعي في تونس، وإنما أصبح حقيقة واضحة وجلية لا تترك مؤشراتها التي تتالت خلال اليومين الماضيين أي مجال للشك بها.

ورغم تعليق الجامعة العامة للنقل الإضراب الذي كانت قد دعت إليه مجمّع الخطوط التونسية في انتظار عقد جلسة عاجلة بين وفد حكومي يقوده رئيس الحكومة ووفد نقابي يقوده أمين عام اتحاد الشغل، يظل الحدث مؤشرا حقيقيا على خطورة التهديد التركي للمؤسسات الوطنية العامة.

نورالدين الطبوبي: معركة القطاع العام جوهرية وسنتصدى لإعادة الدولة العثمانية
نورالدين الطبوبي: معركة القطاع العام جوهرية وسنتصدى لإعادة الدولة العثمانية

وتنص التسوية على الابتعاد كل البعد عن التفويت في الشركة مع الالتزام بعدم المساس بحقوق العاملين بما في ذلك رواتبهم.

واعتبر كافة الفاعلين السياسيين والاقتصاديين الخطوة التي فاجأت بها شركة “تاف” للمطارات التركية برئاسة ساني شنر، عندما عمدت إلى الحجز على كافة الحسابات المصرفية للخطوط الجوية التونسية لمطالبتها بتسديد ديون بقيمة 28 مليون دينار (10.181 مليون دولار)، إجراء صادما واستفزازيا.

وتلقت شركة الخطوط الجوية التونسية الأربعاء الماضي مذكرة من شركة “تاف” التركية تتعلق بعملية حجز على كامل حساباتها البنكية بأمر قضائي ينص في جزء منه على أنه في صورة عدم تسديد قيمة الديون المنصوص عليها، فإنه سيتم اقتطاع تلك القيمة من الحسابات المذكورة للشركة التونسية.

وأكدت كاهنة مملوكي المديرة العامة للشركة التركية “تاف” بتونس في تصريحات أدلت بها الخميس أن ما أقدمت عليه شركتها هو إجراء يخص جزءا من ديون تجارية مُتراكمة منذ عدة سنوات لم تُطالب بها شركتها من قبل، لافتة إلى أن حجم ديون الخطوط الجوية التونسية بمختلف فروعها لفائدة شركة “تاف” التركية يتجاوز الرقم المذكور إلى أكثر من 20 مليون يورو.

وأعربت عن “استغرابها” من تسريب مثل هذا الأمر الذي تكشف التفاصيل المُلحقة به والتسريبات التي رافقتها عن وقائع تجزم في مجملها بأن ما تظهره شركة “تاف” التركية يبقى مُختلفا إلى حد كبير عما يدور من حديث داخل المجالس السياسية والاقتصادية وكذلك أيضا النقابية التونسية.

وتجاهلت مديرة شركة “تاف” التركية عن قصد الإشارة إلى أن شركتها مُطالبة هي الأخرى بتسديد ديون للدولة التونسية تُقدر قيمتها بأكثر من 50 مليون دينار (18.181 مليون دولار) موزعة على 25 مليون دينار (9.090 مليون دولار) لفائدة الديوان التونسي للطيران المدني والمطارات، و35 مليون دينار (12.727 مليون دولار) لفائدة وزارة أملاك الدولة التونسية.

ودفعت هذه المفارقة النائب مبروك كرشيد إلى اتهام الحكومة التونسية بالتهاون الشديد في حقوق الدولة، حيث اعتبر في تدوينة نشرها الجمعة أن ما حصل مع شركة الخطوط الجوية التونسية في إشارة إلى الحجز على حساباتها البنكية من شركة “تاف” التركية “ناجم عن تهاون شديد في حقوق الدولة”.

واستنكر في هذا الصدد الخطوة التي أقدمت عليها شركة “تاف” التركية بعدما تحصلت على اتفاق وصفه بالباطل وغير القانوني تنازلت بمقتضاه الدولة عن مستحقاتها المالية المثقلة بالخزينة العامة في نهاية سنة 2019، لافتا في المقابل إلى أن الشركة التركية “لم تفرط في حقوقها، بينما الدولة التونسية تُفرط في حقوقها بغباء”.

ولم يُبدد إعلان وزارة النقل واللوجستيك الجمعة عن التوصّل إلى اتفاق مع شركة ”تاف” يقضي بـ”الرفع الفوري لكل عمليات الحجز على حسابات شركات مجمع الخطوط التونسية” والبدء في مفاوضات لضبط مجمل الديون والاتفاق حول جدولتها الشكوك والمخاوف من أن تكون تركيا قد قررت المرور إلى تركيع الشركة الجوية التونسية حتى يتسنى لها الاستحواذ عليها، بل إن اختيار شركة “تاف” التركية هذا التوقيت الذي تمر فيه الخطوط الجوية التونسية بصعوبات مالية مُتراكمة وأخرى تسببت فيها جائحة كورونا التي كان لها أثر كبير على مجمل قطاع النقل الجوي في العالم للإقدام على هذه الخطوة، قد زاد في حدة تلك المخاوف.

Thumbnail

وتكثر الأحاديث عن مثل هذا السيناريو، لاسيما وأن الخطوة الاستفزازية لشركة “تاف” التركية جاءت مباشرة بعد لقاء جمع بين ألفة الحامدي الرئيس المدير العام للخطوط الجوية التونسية وعلي أونانير سفير تركيا بتونس، وهو لقاء ترافق مع سيل من الاستنتاجات القائمة في جزء كبير منها على معطيات تُؤكد سعي تركيا لوضع يدها على الخطوط الجوية التونسية.

وتأخذ تلك المعطيات شكل التأكيدات التي لا تتعارض مع تطور الأحداث في تونس، بدليل أن كل ما تم تداوله حتى اللحظة لا يخرج في مساره الأساسي عن إطار التحذيرات التي لم تتوقف رسائلها منذ العام 2012 من خطورة المحاولات التركية للتغلغل في تونس عبر التسلل إلى أكثر القطاعات الحيوية التي بدت خجولة في بدايتها ثم توسعت حتى أصبحت واقعا ملموسا.

وتؤشر تلك الرسائل المحمولة في التحذيرات المذكورة إلى واقع لا يمكن تجاهله أو التغافل عن معطياته، حيث لا أحد في تونس لديه شك في أن ما تُخطط له شركة “تاف” التركية التي استخدمت الامتيازات المؤسسية الممنوحة لها للسيطرة في وقت سابق على مطاري المنستير والنفيضة يتجاوز استخلاص ديون قديمة إلى محاولة إفلاس وتركيع الخطوط الجوية التونسية.

وتُمهد هذه الخطوة للاستحواذ على الخطوط الجوية التونسية في إطار عملية مُعقدة جعلت النقابات تتحرك للتصدي لها بكل الوسائل، حيث تم الجمعة تنظيم وقفة إحتجاجية رُفع خلالها شعار”لا تركية لا قطرية التونيسار تونسية وستبقى وطنية”، وسط تلويح جدي بالدخول في إضراب مفتوح رفضا لـ”مؤامرات” الإطاحة بالشركة والتفويت فيها.

وشارك في هذا التحرك الاحتجاجي نورالدين الطبوبي الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل، حيث ألقى كلمة أكد فيها على ضرورة التصدي لما اعتبره إعادة الدولة العثمانية في تونس مستشهدا بإغراق الأسواق بالسلع التركية ثم الشركات التي لم تحترم حتى حقوق العمال، مُشددا على أن معركة القطاع العام هي معركة جوهرية متعلقة بالسيادة الوطنية ومكانة تونس.

11