الحج على الطريقة الإيرانية- الإخوانية

الخميس 2013/10/17

(أنا بالله وبالله أنا يخلق الخلق وأفنيهم أنا) هكذا قال قتيل النساء سليمان القرمطي في القرن العاشر الميلادي، وهو على باب الكعبة ينادي بالإجهاز على المتعلقين بأستار الكعبة ممن وصفهم بالكفار ثم يدفن بئر زمزم بجثامين الحجيج ويقتلع الحجر الأسود في يوم التروية، فلا يقف بعرفة أحد ذلك العام من هول ما حدث. وبلغ من صلفه أنه كان ينشد وهو عائد إلى موطنه:

فلو كان هذا البيت لله ربنا لصب علينا النار من فوقنا صباً

لأنَا حججنا حجة جاهلية محللة لم تبق شـرقًا ولا غربا

وإنَّا تركنا بين زمزم والصفا جنائز لا تبغي سوى ربهـا ربَّا

كانت تلك المرة الأولى في التاريخ الإسلامي التي ترتفع فيها شعارات ومعتقدات لا دخل لها بمناسك الحج وأهرقت فيها الدماء المعصومة، ولكنها لم تكن الأخيرة خلال القرون العشرة التالية ومن نفس الفريق الذي بدأها حتى بلغت ذروتها في عهد الشاه إسماعيل مؤسس الدولة الصفوية ومحاولاته العديدة التي باءت بالفشل وانتهت بهزيمته أمام السلطان العثماني سليم الأول. إلا أنها في القرن العشرين اتخذت طابعاً مختلفاً إلى حد ما، وأصبحت انعكاساً لأجواء العلاقة السعودية الإيرانية وتبعاً لها، تظهر إذا ساءت العلاقات وتختفي إذا تحسنت.

وكان العام 1987 قد شهد ثاني أسوأ عملية تسييس لمناسك الحج بعد أن قامت إيران باستغلال الموسم لاستكمال تصدير ثورتها، فحمل الحجاج الإيرانيون شعارات البراءة وبدؤوا في مسيرات ضخمة متوجهين إلى الحرم في استدعاء وقح لسليمان القرمطي ورفعوا صور إمامهم الخميني وهتفوا به زعيماً على العالم الإسلامي، ورفعوا مجسماً للمسجد الأقصى لإثارة الحجيج واستمالتهم ثم بدأوا في مهاجمة الناس بالأسلحة البيضاء حتى احتكوا برجال الأمن وبلغ عدد الضحايا نحو 400 شخص ذلك الموسم. ولم يكتفوا بذلك بل تم تنفيذ عدد من العمليات والتفجيرات في الأعوام التالية راح ضحيتها عدد من الحجاج فما أشبه الليلة بالبارحة.

المذهل هذا العام أن الدعوات لتسييس الحج صدرت من فريق طالما زعم عدم انقياده وسيره خلف إيران، والأكثر إثارة للدهشة الصمت المطبق لإخوان الخليج عن هذه الدعوات وكأنها موافقة ضمنية لهذا الأمر. التشابه الكبير في المنهج وخط السير الإخواني- الإيراني لا يجعلنا نستبعد جدية هذه الدعوة فالفريقان ينتهجان الميكيافيلية طريقاً، ولديهم أن الغاية تبرر الوسيلة وكلاهما يقدس أئمته فلكل منهم مرشداً لا يخالفونه مهما صدر عنه ومنه، وكلاهما يسعى لبسط نفوذه واستغلال العامة لتحقيق أهدافه، ولا يمتنع الطرفان عن التواطؤ مع أي دولة أو جهة ضد من يقف في طريقهم، ولكليهما ميليشيات مسلحة تعمل كمخالب للضغط العسكري لتحقيق أهدافهم السياسية هذا عدا اتفاقهما في المرجعية البعيدة عن الكتاب والسنة، فهؤلاء يرجعون لأصول البنّا العشرين وأولئك لولاية الفقيه الإمامية. لهذا لن نستغرب تعالي بعض أصواتهم لرفع شعار رابعة في موسم الحج.

الأصوات التي تعالت لرفع هذا الشعار في الموسم لم تبتعد كثيراً عن منهجها المعروف باستغلال الدين وشعائره ومناسكه في كل أمر يخص تنظيمهم الدولي. وقد رأينا حاملي شعار رابعة أو من اصطُلِحَ على تسميتهم بذوات الأربع (كناية عن الأصابع الأربعة) وقد ضجّوا وغضبوا من خطبة عرفة، لأن الخطيب لم يتحدث عن رابعتهم ولأنه نهى عن التحزب وحذر من الحزبية وانقسام الأمة وأكد على حرمة الدماء.

وكالعادة فالحجج التي يقدمها هؤلاء للدفاع عن رغباتهم ومعتقداتهم بمجموعة من المغالطات المتعلقة بحرية الرأي والتعبير لكي يمرروا بها هذا التسييس الفج للحج، وليس هذا مجال تفنيدها ودحضها رغم بطلانها الواضح.

هذه الأصوات وجدت صدى لدى بعض قياداتهم الخليجية عبروا عنها بالصمت المطبق كموافقة ضمنية أو بالتحايل على الشرع بهدف إفشال العمل المنظم وتسهيل تمرير أكبر عدد ممكن من مؤيديهم ووصولهم إلى المشاعر.

ورغم أن السعودية دأبت على توقيع محاضر مع بعثات الحج من أهم بنودها التزام البعثات بالأنظمة في موسم الحج ورغم العمل على السيطرة على تدفق الوافدين، إلا أن بعض إخوان الخليج لم يكتفوا بالصمت عن دعوات التسييس بل عمدوا إلى حث المقيمين بالتوجه للحج وتحايلوا على الشريعة بطريقة واضحة تدل على نوايا مبيتة وغير نزيهة، فأوجدوا لهم المخارج الشرعية التي تسمح لهم بمخالفة التعليمات الهادفة لتنظيم الحج وكأنما استصدروا صكاً بجواز ممارسة الشعائر التعبدية بالخديعة والمخاتلة في وقت لا تقوم فيه الحكومة السعودية بالمنع إلا بغرض التنظيم لا التضييق. إنها الغاية حينما تبرر الوسيلة.

ومن المؤسف أن بعضاً من بني جلدتنا يسعى بطريقة غير مباشرة إلى التقليل من جهود التنظيم المبذولة من كافة القطاعات، والبعض الآخر يميل إلى تشجيع المخالفين للأنظمة للاستمرار في محاولات المخالفةن فإذا تم منعهم والسيطرة عليهم اتهموا الحكومة السعودية بمنع الحجيج من الحج. جميع ما سبق يصب في مسألة التسييس التي دائماً ما تنتهي نهايات مأساوية.

إلى ساعة كتابة هذا المقال في مساء التاسع من ذي الحجة نستطيع القول أن محاولة تسييس شعائر الحج من قبل الإخوان وفريقهم المساند في الخليج قد باءت بالفشل وأن الأجهزة المعنية بشؤون الحج قد نجحت نجاحاً كبيراً في التصعيد والنفرة والسيطرة على تدفق غير النظاميين.

وسواء حدثت عملية تسييس للحج أو لم تحدث خلال اليومين القادمين فمثل هذا العمل يتناقض مع روح ومفهوم الحج، فإن أول آية في سورة الحج تحث على تقوى الله وتذكر يوم الحشر، والمشهد الذي يعيشه الحاج في تلك الأيام المعدودات أشبه ما يكون بالبعث والنشور، فهل يصح أن يصرف الإخوانُ الناسَ عن رفع أصواتهم بالتكبير والتهليل والتسبيح إلى رفع شعار رابعة والصراخ لمرسي وحزبه. للأسف الشديد ما يسعى إليه القوم هو حج لا يعرفه الإسلام ولا تقره شرائعه، حج على الطريقة الإيرَخوانية. وهذا هو الضلال بعينه.


كاتب سعودي

8