الحدائق تمتد في سماء سيول

أضحى الاعتناء بالحدائق المعلقة هواية رائجة في عاصمة كوريا الجنوبية سيول، ففي هذه المدينة التي أصبحت المساحات الخضراء والأراضي غير المبنية نادرة جدا، لم يعد أمام السكان غير الأسطح لممارسة نشاط يعود عليهم بفوائد جمّة، ويسهم في تجميل مدينتهم ويزيل عنها الألوان الرمادية الباهتة.
الثلاثاء 2015/06/09
حدائق سيول، الماثلة فوق الأسطح، تكشف مدى قدرة الكوريين على التفوق في شتى المجالات

سيول - باتت مبان كانت باهتة في السابق تقدّم واحات خضراء على سطوحها، وبفضل الدعم المالي الذي تقدمه البلدية إلى أصحاب المباني صارت روائح الزهور تفوح في شوارع المدينة خلال الربيع، حتى بدت تطغى في بعض الفترات على روائح انبعاثات عوادم السيّارات.

مشروع “غاردن لايف”، ومعناه حديقة الحياة، افتتح في العام 2009. ومع أنه يمتد على مساحة توازي ثلاثة ملاعب لكرة القدم، فإنه مقام على أسطح أربعة مبان تضمّ كلا منها عشرة طوابق، ليكون بذلك أحد أكبر الأسطح الخضراء في آسيا، وليعدّ نموذجا مذهلا للحدائق المعلقة.

أما مجموعة “انتر-ام كورب” التي تصنع مواد سمعية ويقع مقرّها في عمارة رمادية اللون تمتد على سبعة طوابق، فقد قرّرت بدورها قبل بضع سنوات تغيير وجه سطحها. وموّلت البلدية نصف ميزانية المشروع البالغة 110 ملايين ون (88 ألف يورو). وتمتد الحديقة على 450 مترا مربعا وقد أنجزت الحديقة في نهاية العام 2013.

وشرح باي سونغ-سانف، المتحدث باسم المجموعة، أن الموظفين يلجأون إلى هذه الحديقة للتنفيس عن أنفسهم من الضغوط. كما أن المدراء يصطحبون الزبائن إليها لإثارة إعجابهم.

بانغ سونغ-ويون: باستحداث الحدائق على الأسطح، لا حاجة لنا لشراء أراض

ومع ذلك، فإنّ مساعدة البلدية لأصحاب المباني لا تخلو من شروط، إذ ينبغي أن يتمّ الاعتناء بالحدائق بشكل جيّد، وأن يسمح للعامّة بالدخول إليها بعد خمس سنوات من افتتاحها، لا فقط لموظفي الشركة التي أقامتها. وفي حال لم تحترم هذه الشروط، يجوز للبلدية أن تطالب باسترداد الأموال المقدّمة.

ومنذ إطلاق هذا البرنامج في العام 2002، أنفقت السلطات المحلية أكثر من 60 مليار ون، بما يعادل 48 مليون يورو، من مساعدات لمالكي المباني لإقناعهم بإنشاء أسطح خضراء على مبانيهم، واليوم بات أكثر من 650 مبنى في العاصمة الكورية الجنوبية مشمولا بهذا المشروع.

وقال بانغ سونغ-ويون، المسؤول عن برنامج الأسطح الخضراء في البلدية، “لقد أطلقنا هذا المشروع بسبب النقص في المساحات الخضراء في المدينة، ولأن ثلاثة أرباع هذه المساحات الخضراء موجودة في أطراف المدينة”.

وأوضح سونغ-ويون “نحن في حاجة إلى المزيد من المساحات الخضراء، لكن ليس لدينا الموارد المالية الكافية لشراء الأراضي اللازمة لإنشاء حدائق عامة. وفي حال تم استحداث الحدائق على الأسطح، لا تدعو الحاجة إلى شراء أراض”.

ويعيش في سيول حوالي 20 بالمئة من سكان البلاد البالغ عددهم الإجمالي 50 مليونا. وهي مدينة حديثة ونشطة تتمتع بكثافة سكانية أعلى بمرتين من نيويورك وبثماني مرّات من روما.

وقد دمّر الجزء الأكبر من العاصمة الكورية الجنوبية في حرب 1950/1953، وتم إعمارها في فترة التصنيع المتسارع الوتيرة، فكانت النتيجة مجمّعات من المباني السكنية والمكتبية المتشابهة التي تفتقر إلى حسّ ابتكاري، لكن خلال السنوات العشر أو الخمس عشرة الأخيرة، بذلت جهود لضخّ الحياة في التصاميم المعمارية ومراعاة البيئة.

هان مو-يونغ: حدائق الأسطح تجنب الفيضانات وتستخدم مياهها في تلطيف الجو

ويتباهى بانغ سونغ-ويون بالمنافع الاقتصادية والبيئية للسطوح الخضراء، فهي حسب قوله تمتصّ الحرارة وتقوم مقام عازل حرارة في الوقت عينه، وتنخفض من ثمة مصاريف الطاقة لتدفئة القاعات في البرد القارس وتكييف الهواء في الحر الشديد.

هان مو-يونغ، أستاذ محاضر مختص في الهندسة المدنية والبيئية بجامعة سيول الوطنية، وهو من كبار مؤيدي مشروع المساحات الخضراء على أسطح البنايات. وقد أنشأ حديقة تمتد على 840 مترا مربعا على سطح أحد مباني الحرم الجامعي كلفت 200 مليون ون، أي بما يعادل 198 ألف يورو، موّلها من موارده الخاصة، بالإضافة إلى دعم من البلدية وعدد من الشركات. وتضم الحديقة ست خلايا نحل ويعتني بها موظفو الجامعة وسكّان المنطقة وجمعية تساعد المعوقين.

وإضافة إلى الميزة الجمالية لهذه الحدائق المعلقة، فإنها تحقق فوائد كثيرة، في هذا السياق يقول مو-يونغ “بما أن الحدائق تحفظ مياه المطر، يساعد هذا على تجنب الفيضانات، ثم نستخدم هذه المياه في الزراعة وفي تلطيف الجو في الصيف”.

وقال الأستاذ الجامعي “ننظم حفلات هنا، ونحضر الأطباق التقليدية، ونتفرّج على النحل والفراشات، كما لو كنّا فعلا في الطبيعة”.

الجدير بالذكر أنّ سلطات سيول تعتزم تحويل طريق سريع مهجور إلى متنزه مساحته 800 متر يضمّ حوالي 254 نوعا من الزهور ومشاتل أشجار توفّر البذور للأسطح الخضراء الأخرى في المدينة.

20