الحداثة الانقلابية والمسخ القابيلي

الخميس 2013/11/07

ما من شيء مؤسف على الإطلاق، أو يدعو إلى الإحساس بالذنب في تأمل فكرة (قتل الأب) أو حتى تبنّيها. فالبطريركية الأبوية العربية قادتنا طوال القرن العشرين، وحتى اليوم، على كل صعيد، إلى كوارث ومهازل وخسارات، وأوقعت فينا الهزائم المنكرة، وأورثتنا تلك «الشيزوفرينيا» الضاربة حتى الأعماق منا، لننظر إلى الحكام العرب الذين يتمحور من حولهم كل شيء، ويتحول أكثرهم استبداداً بشخصه المعبود إلى حقل مغناطيسي لطاغية لا يهز ضميره هلاك جماعي، ولا بؤس في عيش الكثرة، ولا تخلف عن ركب الحضارة، ولا ألم مقيم في البيوت.

مثل هذا الطاغية هو الشاعر عندما يكون (نصه) هو النموذج المحتذى، والصورة المثلى والطوطم لقبيلة الشعراء. فهو المقسّم جسمه في جسوم كثيرة، ولا يشبهه في حاله إلا حال معبود الجماهير.

هذه الصورة ليست لشاعر واحد في العربية، إنها لأكثر من واحد منهم، ولكن من الطراز نفسه، فهم يريدون أن يكونوا آباء أبديين لأبناء لن يتاح لهم أن يكونوا آباء.

هذه الصورة النافرة تتناقض تماما مع فكرة الحداثة، وهي فكرة مدنية تستبعد الصياغة الواحدة لصالح الصياغات المتعددة، والنموذج الواحد لصالح النماذج المختلفة، والصوت الواحد لصالح الأصوات. فالحداثة كلما تحققت أنتجت اختلافها، ولم تنتج واحديتها، فلا عمل للشاعر خارج الإبداع، ولا مأثرة له في الجري وراء صيت أو جاه اجتماعي، وإنما تحققه يكمن في مغامرته مع المجهول، في اللغة كما في قلب الكينونة الإنسانية، وفي عميق الجرح البشري.

الحداثة، بكل تناقضاتها، قدمت، عبر تجلياتها المختلفة، في عالم الثرى بتنوعه وثقافاته صوراً للإنسان إنسانياً ضعيفاً وهشاً وقوياً وصغيراً وكبيراً، مقتدراً وفقيراً، إنسان اليوم في المدينة وقد تَسلَّطت عليه القوى الكبرى، وصنعت قدره ومأساة وجوده. ولكنها لم تقيّد طموحه الكبير في أن يكون خلاقا، مجاهرا بما يحلم به وطامحا إلى تحقيقه فردا ومجتمعات.

هناك صور أخرى للتناقضات البشرية عُنيت بها الحداثة، منها صور عن عالم النجاح الفردي الزائف، عن دنيا الاستهلاك وذلك الفراغ الروحي المرعب الذي يحوّل، بقدرة القوّة الكلّية للتسلط الرأسمالي والاستعماري، ما اتصل من أرجاء الكوكب بفعل التكنولوجيا، إلى عزلات صغيرة وجزر، في كل جزيرة يسكن إنسان. هذا التناقض بصوره الجمّة هو موضوع الحداثة بصفتها إنجازا يؤرَّخ له في الأزمنة، ويمكن تعقبه في النصوص. والآن، أتساءل:

كيف تتراءى لنا صورة الطبعة العربية الواحدة للحداثة وشاعرها النبوي، بلهجته البدوية، وصوته الطليق، وسؤاله المركزي الذي يصادر على الأسئلة الإنسانية المتكسرة، والمتباعدة هنا وهناك في الزوايا والأطراف التي يسكنها البشر الفانون؟

لقد انكسر الإجماع العربي على حاكم هو نموذجٌ مطلق، فلم لا ينكسر من حول الشاعر النموذج، الشاعر المطلق، المتنبي الحديث وقد تهلهل عليه ثوب النبوءة.

وكما يخسر الديكتاتور في كل يوم مواطنا كان يعلّق صوره في بيته، في كل يوم يخسر هذا الشاعر قارئاً، ويخسر موقعاً جديداً له. وكما يولد في كل يوم متظاهر جديد ومعه شعار جديد، في كل يوم تولد أصوات جديدة، وأسئلة جديدة تقتسم المشهد الشعري، لكن التناقض الجارح أن حركة الشعر العربي الجديدة ما زالت لم تكرس أخلاقا جديدة، وطرائق جديدة في القراءة. النص الجديد، يسبق القارئ ويغترب عنه، وكذلك الحال في علاقة المتظاهر بالمظاهرة، وهي العنوان الجديد للشباب العربي. وفي تدوير هذه المسألة يصيبُ الشاعرُ اغتراباً جديداً يضاف إلى اغترابه الوجودي الأول، وأعني به، عزلة نصه، وتيه قارئه، لكن الثورة مخرج للجميع. وإلى أن يهتدي قارئ إلى ذائقته الجديدة ليمكنه أن يقرأ قصيدة جديدة، ستظل هذه القصيدة مهما كانت قدرتها الإبداعية، نصا مجهولا في عالم يضاعف من مجهولية الجمال، نصاً غائباً، وبالتالي نصاً لا طاقة له على التأثير في ذائقة عصره. إنه الثورة المبكّرة أو المتأخرة، لكنها الثورة المنتظرة.

في وجه منها، لابد من النظر إلى الانتفاضات العربية وطبعتها السورية خصوصا على أنها تمرد كامل، على البطرياركية الأمنية التي حكمت ثقافتنا، وتكشفتْ عن استبداد دموي، أتى من الموبقات بما لم تأت به الأوائل. عمل «الأب القائد» الذي هو رائد ألوهي «خالد» ما لم يعمله رأس للمجتمع بجسمه وأطرافه؛ سيَّج الجمهورية وسماها باسمه، وأباح لنفسه الفتك بخصومه، بوصفهم رجعيين نكوصيين معادين للحداثة العربية الواحدة، تارة، وعملاء للأجنبي منخلعين من ثقافتهم تارة أخرى، لكن هذا «المزارع الإنقلابي»، الأشبه بمسخ قابيلي كان قدر سوريا معه أن ينقض بدبابته وأشباحه الأمنيين على طبقة بلهاء من المثقفين المدينيين من ثرثاري الأفكار والمقاهي، وسرعان ما صمتت عنه «الحداثة» بشعرها ونثرها وألوانها الزيتية، وهي نفسها، في طبعتها العربية، حادثة اغتصاب كاملة الأوصاف داخل ثقافة ضربها رهاب الغرب وأيقظ فيها دونية عصابية لم تستمهلها لتؤسس نهضتها الأدبية والفكرية والاجتماعية بعيدا عن سطوة الموضة وأزيائها العصرية، لا في الأدب والفكر والفن، ولا في الاقتصاد والعمران، فبدت نسخة استهلاكية مشوهة من نسخ مترجمة ومستهلكة حتى قبل أن تترجم. صورة ثقافية من صور الانقلاب العسكري.

هبت الانتفاضات العربية، لتكشف القناع عن «المسخ المتأله»، الحداثي «الضيعجي»، بتحالفاته المافيوية المباشرة وغير المباشرة مع أمراء حروب الطوائف في الجوار اللبناني، ومقاوماته المزيفة المتمثلة في حزب يسوق شعبا إلى نحره أمام قوة احتلال- حداثية هي الأخرى- وصار الآن قوة مرتزقة تقاتل دفاعا عن الطغيان. لكن المقاوم المعمم بأعلامه المذهبية غارق في قيح التاريخ ووخمه، لاطم للصدر، ممزق للقمصان وشاج للرؤوس بأنصال الذنوب، ثأره الأصلي ليس مع الاحتلال، وإنما مع ذاته وقد ألبسها لبوس التاريخ، ورأى من هامشه المضطرب أن صراعه يجب أن يكون مع المتن وتاريخه. وما الاحتلال بالنسبة إليه سوى رمز وتقية.

وقد كرس هذا المسخ العسكري القابيلي في نموذجه السوري حداثة ينطبق عليها كل ما في قاموس الفساد والانهيار الأخلاقي من مصطلحات. استهلاك كل شيء من قبل نخبة لصوصية متسلطة وعدم ترك الأمة تنتفع بشيء، سوى مواصلة حياة القطيع المصفق المبتهج بمآسيه. حداثة الهامش الناجي بهامشيته المترفعة وقد قيض لها أن تسخر من المتن وتهزأ بثقافته الشعبية، بينما المتن يغرق في الظلم والظلام، ويغوص عميقا في لاوعي جمعي خائب ومدمَّر. إذ ذاك الشعراء والمفكرون يدبجون أجوبتهم عن شتى الأسئلة، ويتجنبون السؤال الأصلي حول الطغيان. وفجأة احترق كل شيء واحترقت معه كل أوراق النخبة. خرج الشباب إلى الشوارع، وأشعلوا الساحات، أسقط في يد النخب، اهتز المركز والهامش معا، واختلت الموازين. وما إن لاحت علامات العلاقة بين المسجد والتظاهرة المطالبة بالحرية والكرامة، حتى ارتاب بها وكفَّرها جنباً إلى جنب «الشاعر الحداثي» الذي اغتصب السياق الثقافي، و»الطاغية الحداثي» الذي اغتصب المدينة والريف وبات حارس العلمانية بقيافته الأمنية وزيه العسكري.

وعندما بدا أن الأصوات الغاضبة تقترب من قصر الطاغية انهمر الرصاص غزيرا وارتدَّت الانتفاضة من الشوارع الكبرى إلى الأحياء والأزقة الخلفية. وهكذا ولدت «العصابات» في خطاب السلطتين الأمنية والثقافية. ولم يلبث الوريث الحداثي لـ«الأب القائد» أن جعل من الشعب كله خصما له، وتحول إلى «رئيس» ينتفض عليه مجتمع الأكثرية، ويعتبره خارجيا. ومن قبر إلى قبر صار «المسخ القابيلي» رئيسا لشعب يسكن القبور.

وهكذا ولدت سوريا جديدة، بلاد كل شعبها صار خائنا للرئيس. ورئيس صار عميلا لبلد أجنبي، وأمير حرب يستعين بمرتزقة وعصابات طائفية ليخضع شعبا أخرجه هو وعائلته من رأسه وخياله.

هل ستعترف الثقافة العربية الحديثة في يوم قريب بأدوارها الكارثية في تأبيد الاستبداد الحداثي القروسطي الذي جاء بانقلاب عسكري وسياسي على المتن يشبه انقلاب السياب على عمود الشعر؟ ولكنه بدلا من أن يحدّث الحياة حدّث آليات السيطرة وأدوات التعذيب؟

هل ستعترف هذه الثقافة العربية الحديثة الشائهة بأدوارها الكارثية في تمجيد صورة «الشاعر الكبير الخالد» جنبا إلى جنب مع صورة «القائد الكبير الخالد»؟

هل سيقيض لها أن تعيد النظر بمسلكها اللاتاريخي الشائن في الصمت على الطاغية والطغيان ومقاسمته احتقار المتن لصالح الهامش والشعب لصالح النخبة الحاكمة؟

هل ستعتذر هذه النخب الثقافية العربية الأنانية من المستقبل عن حربها الصامتة ضد كل جديد جاء بعدها، كما لو أنه جاء ليقصيها لا ليكمِّلها، فأقصته قبل أن يفعل، ومارست عليه عقدتها المركبة في قتل الأب وقد تحولت إلى عقدة متأصلة لديها في قتل الإبن، أي قتل المستقبل؟ أم أن هذه الانتفاضات الغارقة في دمائها، وعلى رأسها الانتفاضة السورية ستودي بالآباء والأبناء معا وتعفي هؤلاء وأولئك من كل الأسئلة؟


شاعر سوري

8