الحداثة العربية حوّلت الأفكار إلى مصالح والقادة إلى أولياء

الاثنين 2014/01/13
تخطيط: ساي سرحان

منذ أن انطلقت "العرب" في حلتها الجديدة، والثقافة جزء أساسي من شاغلها الصحفي، وتطلعاتها في حقل الكلمة؛ ولما كان من المستحيل على الثقافة أن تزدهر وتتجدد في علاقتها بالناس، من دون أن تطرح الأسئلة الشائكة في الثقافة والاجتماع، فإن الصفحات الثقافية أخذت على عاتقها، أن تتيح المجال للكتاب العرب لإثارة الأسئلة التي تشغلهم. هنا مقالة سجالية حول المثقفين العرب والشرقيين وحال التواصل بين الثقافات.

في الساحات العربية، الآن وهنا، وخاصة في ما يحدث على الساحة السورية، حيث العنف يستبيح كل المحرمات، الوطنية منها والإنسانية، والجوّ يعبق برائحة البارود، وصراخ الأطفال وعويل النساء يشقان عنان السماء، حينئذ تصبح الدعوة للعودة إلى العقل والعقلانية ضربا من الجنون، والداعي إلى الاحتكام بالمنطق أشبه بالمجنون الوحيد لدى نزلاء مشفى الأمراض العقلية، أو في ديدن تجار الحروب ومروجيها، ليس لأنه كذلك فعلا، بل لأن صوت العقل هو وحده لا غيره قادر على كشف حقيقة العنف المجنون، قولا وفعلا.

هذا القول دفعني إليه مقال الشاعر نوري الجراح المنشور في جريدة العرب (05 /01 /2014، العدد: 9429) والموسوم بـ"عرب وشرقيون في لحظة وجودية فارقة"، وأهم ما يميز هذا المقال أنه دعوة لعقلانية مشحونة بحساسية عالية، مشبعة بالصدق، هذا من جانب، ومن جانب آخر، معالجته لأكثر من موضوع وفكرة حيوية في هذه اللحظة الوجودية الفارقة على حدّ تعبيره: الخطاب العربي الشمولي، العلاقة مع الآخر؛ الآخر الغربي والآخر الشرقي، أوهام الحداثة العربية، التأسيس لخطابات مستقبلية أكثر حضارية، ودعوة النخب الثقافية للقيام بواجبها في هذه اللحظة التاريخية الاستثنائية. دعوة من الكاتب لفتح حوار شامل وجريء ومفتوح الآفاق. يشمل جوانب مهمة، ويُختتم بدعوة المعنيين بالثقافة للمشاركة فيه.


الانسحاب إلى الداخل


في مناخ الاستبداد وظلاله الحارقة يصبح من الطبيعي أن يطال التشويه كل شيء، ليس الآخر فحسب بل حتى الذات، التي تنعكس على مرآتها كل الرؤى والمواقف في صور وأشكال لا تعبّر عن حقيقة ما هو خارج عنها بقدر ما تعبّر عن طبيعتها المشوّهة، حينها لا يصبح اعتبار التركي المختلف قوميا، أو الفارسي المتمايز ثقافة هو هذا الآخر، بل يصبح الزميل في العمل، السني أو الشيعي، أو جار الدار: الكردي أو المسيحي، هو الآخر، وذلك على أساس طائفي أو مذهبي أو قومي!وذلك في حالة نكوص مرضية عن التعامل مع آخر له مشاريعه التي تتأسس على معاداة هذه الذات.

وإذا كان لمنظومة القيم التي اختلط فيها ما هو أصيل وصحيح بما هو طارئ وسلبي، وما هو حقيقي بما هو وهمي، والخرافي بالعلمي، في مجالات الحياة كلّها، من دين ودنيا، الدور في هذا النكوص الوطني الذي بدأ يصيب العملية الوطنية بنكسات متعاقبة والهوية الوطنية بالتشظي، حتى أصبح التنوع الديني والقومي والمذهبي "مصدر الثراء الكبير" كما يؤكد نوري الجراح في مقالته المشار إليها، مصدر قلق وتوتر واضطراب، بل وخراب، ليصبح هذا الثراء بالذات حصان طروادة بالنسبة للآخر المختلف مشروعا ومصالح، وربما حضارة، ولذلك يُعدّ العمل على معالجة الذات، ومن ثمّ تصحيح صورة الشريك في الداخل يتقدم على تصحيح صورة الآخر الفارسي أو التركي مثلا، على أسس قومية أو حضارية، إذ أن عملية النكوص والتركز على الذات والانسحاب إلى الداخل، وطنيا، بسبب التشوّه الذي أصاب هذه الذات ومنظومة القيم التي تتبناها، قد جعلت العربي ينفتح على الشرقي المجاور لبلده، متجاوزا كل حدود، ولكن هذه المرة ليس على أساس الحضارة الإسلامية الجامعة، أو الجغرافيا أو وحدة المصير، بل على أسس الانتماء المذهبي، ما قبل الوطني، والحضاري، في مواجهة آخر هو جار بيت بيت؛ وحي حي.

نبت شيطاني


قيل كثير من الكلام عن أسباب فشل المشروع النهضوي العربي وتعثر حركة الحداثة العربية، في مقابل نهوض المشروع التكفيري وانتشاره على سطح الخارطة السورية، في عملية تبادل للمواقع، إذ أن عثرات وأخطاء مشروع حركة الحداثة ومن قبله اليسار العربي، السياسي والقومي، الذي سقط في حفرة الأنانية والنفاق وعدم جدية التناول والاستعلاء وتهميش قطاعات واسعة من الشعب واستعداء قطاعات أخرى، وتحوّل الأفكار والعقائد والإيديولوجيات إلى دوغما، والقادة إلى أولياء، والأحزاب إلى عشائر سياسية ودكاكين لبيع الشعارات والأحلام والأوهام الثورية.. شكل تربة خصبة بذر فيها المتشددون نبتهم الشيطاني، وحصد الغرب الاستعماري أزهاره الشريرة، والعكس صحيح في بعض الحالات، لتصبح الأوطان ساحة تصفية حسابات تشغل سكانه عن ثرواته وقضاياه المصيرية ومن ثمّ تجميل صورته التي كانت قد بدأت تتشوّه في الشارع العربي بعد طول انبهار.وكل ذلك من أجل بقاء: "الشرق شرق والغرب غرب".. ولن يلتقيا.

يراهن الكاتب على الشباب الثائر على الماضي ممثلا في "المشروعات الشمولية للعهود القديمة والبالية والمؤبدة نفسها في حياتهم، على ألا يستهلكوا طاقاتهم في مقاتلة المشروع الاستبدادي وتهديمه فحسب، وإنما في التأسيس لخطابات المستقبل عبر مشروعات جديدة لمثقفين مدنيين جدد".. ويدعوهم إلى التأسيس لمشروع تنويري عربي.. وكل ذلك بالعودة إلى ثقافة الحوار والاستفادة مما في حياتهم من ثراء متنوع في كل المجالات، والسؤال الذي يطرح نفسه في ظل غياب، بل تغييب تلك الطاقات الشبابية التي نهضت بالثورة وملأت الساحات والشوارع متحدية كل آلات القمع؟ وسيادة الفكر الظلامي وانتشاره في كل أرجاء الوطن، وصمت المثقفين: لمن يتوجه الكاتب بهذه الدعوة؟! لقد قطف الظلاميون كل ما بذره الاستبداد من روح سلبية في نفوس الناس، وبنوا على حطام المشاريع القومية التقدمية واليسارية قصور الوهم التي باعوها لشباب عاطل عن العمل، وباحث عن لقمة خبز ومجال لإثبات الذات، حاجته التي فشلت القوى الداعية للتنوير والتحرر في تحقيق بعض منها خلال وقت سابق.

للنخب الثقافية دورها السلبي في ما يحدث اليوم ولذلك كان الجراح على حق حين اتهمها بعدم النضج الكافي، وبالتقصير في لعب الدور الموكول إليها

ولعل نظرة عامة على المشهد السوري مثلا، وعلى القوتين المتصارعتين؛ يزعم فيه المستبد دفاعه عن مشروع العلمانية والمدنية، ولكن بالتمترس في الخندق الطائفي، وألوية ثورية مناهضة لاستبداده مشروعها يخلو، بل يناهض، كل ما ينتمي إلى التنوير والتحرر والحرية والمستقبل بصلة، بدءا بالاسم وليس انتهاء بالخطاب وحامليه الذين جاؤوا من كل كهف عميق.


الجوع إلى الحرية


ليست الحرية ترفا ولا تقليعة أو موضة، بل نزوعا إنسانيا أصيلا لا تستقيم الحياة بمعزل عنه، وتوفيرها يحتاج إلى مناخ صحي خال من الجهل والتعصب والظلامية وسيادة القيم الإنسانية والحضارية العالية، وإذا كان الاستبداد قد فعل فعله في تخريب منظومة القيم، ونفسية المواطن العربي، وثقافته، فإن للنخب الثقافية دورها السلبي في ما يحدث اليوم، إذ أنها -وهي الحاسة السادسة للمجتمع، وزرقاء اليمامة- لم تكتف غالبية المنتمين إليها الذين كانوا يبصرون الخطر الداهم بعدم الإشارة إليه، بل ساهموا بتواطؤ في الوصول إلى هذه الحالة، ولذلك كان الجراح على حق حين اتهمها بعدم النضج الكافي، وبالتقصير في لعب الدور الموكول إليها.

وغير خاف على أحد تعامي المثقف العربي - شريحة كبيرة منه على الأقل- عن الفخاخ التي نصبها الاستبداد له وللقوى المدنية، في الداخل من خلال الكتابة عن الدم المسفوك للناس بالحبر الأبيض والسري، وبكلمات مبهمة لا تعني أحدا، وبتكريس الصورة المشوّهة للآخر، الداخلي، بمعاداته أو بتهميشه على أحسن تقدير، وذلك إرضاء للمستبد، وخير مثال على ذلك النموذج الكردي المغيب في إبداعات معظم الكتاب العرب، والشرقي أيضا، بالتركيز على ما يناسب سياسته كما أشار نوري الجراح في إشارة ذكية إلى الانتقائية في عملية التواصل الثقافي مع الشرقي المجاور خاصة، التركي والفارسي على وجه التحديد.

ورغم كل ما يحمله هذا المشهد البائس من خراب يكاد يكون عميما، وجذريا، والذي طال كل ما في الوطن من بشر وطير وشجر وطاقات وأحلام ومشاريع.. فإن ثمة مجالا مفتوحا يمكن أن تلعب فيه النخب الثقافية دورها في قراءة الصراع بعيون لا توضع أمامها نظارات مستعارة من أحد، مستبدا كان صاحب النظارات أم قوى خارجية معادية، وذلك بهدف إعادة بناء ثقافة مدنية ديمقراطية صحيحة تساعد الإنسان في الوطن والمنطقة كمقدمة لأي إعمار لا يقتصر على الحجر والإسمنت فقط، رغم ما أصابها هي الأخرى من دمار.

كاتب مسرحي من سوريا

15