الحداثة تحتاج إلى مشروع مؤسساتي وإلى رؤية واستمرارية

القاص محمد أحمد عسيري يرى أن الأدب السعودي يحاول المنافسة عربيا، ولكنه لا يزال يصنع شكله وملامحه بجهود واجتهادات فردية.
الاثنين 2019/06/24
نحتاج إلى حداثة شاملة بلا قيود

خطان متوازيان بين القراءة والقراءة في القراءة، حيث يأتي الأول إبداعيا ينطلق من السؤال أو ممّا ينتج عنه من أجوبة لم تكتمل، بينما يأتي الثاني من تلمّس الظلال التي تقود إلى الوجود وملابساته الافتراضية والحقيقية، من هنا ينطلق الكاتب السعودي محمد أحمد عسيري في كتابه “في زرقة الكتابة” الذي يلقي من خلاله الضوء على قراءاته الخاصة على مجموعة من الكتّاب حول العالم. “العرب” توقفت معه في هذا الحوار الذي تناولنا من خلاله معه الكتابة والقراءة والتحولات الأخيرة على المشهد الثقافي في السعودية.

صدر مؤخرا عن دار أثر السعودية كتاب “في زرقة الكتابة” للكاتب والقاص السعودي محمد أحمد عسيري، ويأتي هذا الكتاب بعد عدة إصدارات أدبية، منها “روائح مبعثرة” عام 2012، و“رقصة الغجر” 2014، و”يغفو الشتاء في أبريل” 2016 . ويعكف حاليا على مجموعة قصصية جديدة ينتظر أن تكتمل ملامحها لتقديمها للنشر.

تأثير الأدب

اشتمل كتاب “في زرقة الكتابة” على قراءة في سيرة ثلاثة وثلاثين أديبا ومفكرا عالميا وعربيا وسعوديا، تنوّعت طبيعة اشتغالاتهم الأدبية والثقافية بين الشعر والرواية والترجمة والصحافة، حيث تناولهم عسيري متأملا في سيرتهم التي شكّلت فوارق حادة في مجرى وعي قرائهم. وكان من ضمن من اختارهم: نيكوس كازانتزاكي وإيزابيل اللندي وأمبرتو إيكو وأورهان باموق ومارغريت دوراس وغابرييل غارسيا ماركيز، وإبراهيم أصلان وعبدالرحمن الأبنودي ومحمد الماغوط وصالح علماني ومحمود درويش وعبدالرحمن منيف وقاسم حداد ومحمد الثبيتي وعابد خازندار وفوزية أبوخالد وآخرون.

بداية، يحدثنا محمد عسيري عن مناخات كتاب “في زرقة الكتابة”، قائلا “لم يكن هناك مناخ محدد، أحيانا تراودك فكرة الكتابة بشكل مختلف عن شخصية قرأت لها وأحببتها وظلت ملازمة لك. تعددت الشخصيات واتسعت رقعة الحب. ولأعرف ردة فعل القراء نشرتها في عدد من الصفحات الثقافية فكان التفاعل مشجعا. كانت شخصيات مدهشة، ذهبت معها بعيدا في زرقة الكتابة الشاسعة والبعيدة. وحاولت أن أكتب عنها بطريقة مختلفة ترضيني أولا، وتمنح من يطالعها بعدا إنسانيا عن الكاتب. هذا الكتاب ببساطة مجرد رد متواضع للجميل”.

قراءة في سيرة ثلاثة وثلاثين أديبا ومفكرا عالميا وعربيا وسعوديا
قراءة في سيرة ثلاثة وثلاثين أديبا ومفكرا عالميا وعربيا وسعوديا

ويضيف “لا غاية لي من كتابة هذا الكتاب أكثر من أن أقول للآخرين بصوت مسموع إنني استمتعت وأنا أقرأ لكتاب صنعوا ذائقتي وأعادوا التوازن لأسلوبي وطريقتي في التفكير والقراءة. هناك دائما تفاصيل تلامسها وأنت تعيش مع الشخصية التي تقرأ لها، وتظل تتساءل باستمرار عن جانبها الإنساني. عن ذلك الوحي الداخلي الذي تخلقه الكتابة في أعماق الكاتب. أما اختياري للشخصيات فلم يكن مخططا له، كل من قرأت له وشعرت أنه منحني دهشة خالصة واستمر في ملاحقتي كنت مدينا له بالكتابة عنه”.

الحداثة المستمرة

يرى عسيري أن الأدب السعودي يحاول المنافسة عربيا، ولكنه لا يزال يصنع شكله وملامحه بجهود واجتهادات فردية. يقول “الأدب السعودي جزء من منظومة الأدب العربي ويتقاطع معه في مناطق ويؤثر عليه ويتأثر به. ولكن لتقديم أدب سعودي جاد وقوي يغري الآخر بتميزه علينا أن نرتقي بالمؤسسات الثقافية والتعليمية لصنع منجز مكتمل وثري. لدينا كتاب صنعوا لهم بصمة على المستوى العربي مثل من فازوا بجائزة البوكر، عبده خال ورجاء عالم ومحمد حسن علوان، وهذا ساهم في لفت النظر إلى الأدب السعودي”.

وفي سؤال عن رأيه في امتداد تأثيرات خطاب الصحوة بعد الموقف السعودي الرسمي من الخطاب الصحوي مؤخرا المتمثّل في تصريحات ولي العهد السعودي.

يجيب “ما حدث لم يكن في الحسبان، وخطاب ولي العهد جاء ليثأر للإنسانية ويعيد إلى الحياة ألوانها التي فقدناها في نفق الصحوة. كنا نظن أننا مصابون بمرض اللون الرمادي طيلة تلك السنوات التي خطفت من عمرنا. الآن، نحن نزيل ما علق بنا ونتطهّر. مهم أن نبني جيلا يفكر ويصنع أيامه وأحلامه بإرادته. يكفي التكبيل الذي عاشه جيلي والجيل الذي سبقني. سلب الحريات، والتفكير بالوكالة، أخرج لنا عقولا لا تفكر، وأجسادا تقاد إلى الموت والدمار. التفاؤل جميل ومطلوب، ولكن الحذر من الجمرة المختبئة تحت الرماد أمر في غاية الأهمية”.

وفي الإطار نفسه يلاحظ المتابع لأحوال السعودية أنها تشهد تغيرات كبيرة على أكثر من مستوى. الأمر الذي يجعل المثقفين في موقف محاكمة حقيقية لأعمالهم ولكتاباتهم التي لم تستشرف تحولات الواقع السعودي المفصلية الأخيرة في عهد الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي عهده مقارنة بتاريخ المملكة القريب.

عن هذا الشأن يعلّق عسيري “بكل أمانة التغيرات التي حدثت كانت متسارعة وتفوق التصور. ربما يحتاج المبدع إلى بعض الوقت كي يتجاوز الدهشة، ويتفاعل إبداعيا مع هذا التطور النوعي في كافة المجالات. نحتاج فعليا إلى مواكبة هذه التحولات على المستوى الإبداعي، وضخّ هذه التغيرات التي حدثت وترجمتها لأعمال. ربما مع الوقت واتضاح الصورة بشكل كامل تظهر لنا أعمال خارج إطار العاطفة المتسرعة تستطيع ملامسة هذا التطور الشامل عن قرب”.

الأدب السعودي تجارب فردية لكنه جزء من منظومة الأدب العربي ويتقاطع معه في مناطق يؤثر عليه ويتأثر به

ولكن، هل هذه التحوّلات الوطنية قادرة على تشكيل منظومة إنسانية مدنية ضمن مشروع مؤسساتي شامل تكون الثقافة الحرة هي الرافعة الحقيقية له، أم أن الحداثة في السعودية كانت مجرد صراع بين تيارين اجتماعيين تحت سقف محافظ واحد؟

يجيب عسيري “قد يكون الصراع الذي نشب أنهك الحداثة، ولم يمهلها لتظهر بصورتها. وبرغم الخوف والتوجس منها إلا أنها خلقت جوا من التجديد على مستوى الحالة النصية (شعرا وسردا) لا أحد يستطيع تجاهله. ولكن على المستوى المؤسساتي، وكعمل متكامل ظلت تراوح وتقف موقف المدافع ضد التيار الآخر. وربما من سوء حظها أنها بدأت تتشكل في وقت كان الصوت الآخر هو الأعلى والأقدر على التوغل جماهيريا”.

ويتابع مختتما “الحداثة تحتاج إلى مشروع مؤسساتي وإلى رؤية واستمرارية وقدرة على التجاوز المستمر. نحتاج إلى حداثة شاملة على مستوى النص والقراءة والنقد. حداثة مجتمعية بلا قيود الصحوة، وشكليات القبيلة، وسلطة حراس التراث”.

15