الحداثة.. سلاح أكبر مدينة أثرية في العالم لوأد الإرهاب

الاثنين 2018/05/21
لا تدين خارج دور العبادة

توجه سكان أيّ مجتمع نحو مجاراة الحداثة والتخلي عن فرض عادات وتقاليد على أفراد المجتمع ووضع خطوط حمراء لما يتعلق بالأخلاق، بداية جيدة لنبذ العنف والتطرف.

الأقصر (جنوب مصر)- من بين الأسباب الرئيسية التي جعلت سيناء بيئة حاضنة للإرهاب، أن عددا من قبائلها سمح بتصاعد نفوذ العناصر المتشددة بين الناس، وأصبحوا جزءا من التكوين المجتمعي، لأن هناك تفسيرات أمنية تشير إلى أن القبلية وما تفرضه على الأفراد من عادات وتقاليد لم تعد مؤثرة.

ويقول خبراء أمن، إن توجه سكان أيّ مجتمع نحو الانفتاح ومجاراة الحداثة والتخلي عن فرض عادات وتقاليد على أفراد المجتمع ووضع خطوط حمراء لما يتعلق بالأخلاق، بداية جيدة لنبذ العنف والتطرف، وإقصاء المتشددين عن النفاذ للمجتمع، نهج عجزت قبائل سيناء وبعض محافظات الصعيد عن تطبيقه، فكانت النتيجة تصاعد التطرف الديني.

 

الجماعات التكفيرية سعت في مصر إلى خلق بيئة حاضنة في بعض المناطق بصعيد مصر، لتكون ملاذا آمنا بعيدا عن سيناء التي تشهد وجودا عسكريا مكثفا. وحاولت توظيف التشابه بين الصعيد وسيناء، من حيث الجبال والدروب الصحراوية وغلبة دور القبيلة، ونجح بعضها مؤقتا في جعل صحراء الصعيد موطنا لها، لتخفيف الضغط على إرهابيي سيناء وتشتيت جهود قوات الأمن

صحيح هناك تغيرات طرأت على الصعيد، واتجهت إلى الحداثة، لكن تظل محافظة الأقصر التي تبعد عن القاهرة نحو 670 كيلومتر جنوبا، حالة فريدة في التخلي عن العادات المقيدة لحريات الأفراد، واتجهت نحو تحرير الناس من القيود والموروثات القديمة، ما انعكس على تحصين المجتمع من التشدد.

على مدار ثلاثة أيام، تجولت “العرب” في الأقصر، وكان من النادر وجود شخص سلفي، فأكثر السكان يرفضون وجود هذه النوعية من الأشخاص داخل عائلاتهم، لأنهم يتسببون في أزمات عديدة، وسيكون كل المنتمين إليها (العائلة) تحت الرصد الأمني المتواصل، وموصومة بالعار لأنها فشلت في إصلاح وتهذيب أبنائها، وفق كلام الأهالي.

ثورة النساء

لم يكن مقبولا حتى وقت قريب، أن تتخلى النساء عن ارتداء النقاب، ويتم رفع القيود المجتمعية عن الفتاة ويصبح بإمكانها الخروج من المنزل للعمل والدراسة وشراء المستلزمات الخاصة بها وحتى الذهاب إلى مراكز التجميل، دون مرافقة أحد أفراد أسرتها، أو أن يرتدي الشباب والفتيات ملابس الموضة، وتكون بينهم صداقات علنية ويجلسون في المقاهي.

تضم الأقصر ما يقارب من ثلث آثار العالم، وتحتضن العديد من المعالم الفرعونية، مقسمة على البرّين، الشرقي والغربي للمدينة. يضم الأول معبد الأقصر، ومعبد الكرنك، ومتحف الأقصر، أما البر الغربي فيضم وادي الملوك ومعبد الدير البحري ووادي الملكات ودير المدينة، ومعبد الرامسيوم، وتمثالا ممنون.

يقول محمد سعيد، وهو مواطن خمسيني يمتلك أحد البازارات السياحية، لـ”العرب”، إن “الخطر الأمني يأتي من حدود المحافظة ونقاط التماس مع المناطق المجاورة، وليس من داخل المجتمع، لأننا اتخذنا كل ما يلزم لتحصين أنفسنا من أيّ تطرف، بعدما أدركنا أن الانغلاق الفكري خطر”.

وشهدت الأقصر حادثين إرهابيين خلال عامين، الأول محاولة استهداف معبد الكرنك بالأسلحة الآلية في يونيو 2015، وكان منفذو الحادث ثلاثة إرهابيين، من دلتا مصر، ونجحت الشرطة في إحباط الهجوم وقتلت اثنين قبل تنفيذ العملية.

وفي أغسطس 2017 هاجم مسلحون مركزا أمنيا في منطقة إسنا، جنوب الأقصر، بعدما نجحوا في الوصول إلى المنطقة، برغم أنهم من سكان محافظة الغربية، في دلتا مصر، ما عكس وجود ثغرة أمنية في تأمين الحدود الخاصة بالمحافظة.

سكان الأقصر، أول من وقفوا في وجه جماعة الإخوان المسلمين عقب وصولهم إلى الحكم، بعد قيام الرئيس الإخواني محمد مرسي بتعيين عادل الخياط القيادي السابق بالجماعة الإسلامية في منصب المحافظ (أعلى حاكم محلي).

وكانت عناصر من الجماعة الإسلامية ارتكبوا مذبحة الأقصر الشهيرة وقتلوا 58 سائحا وأربعة مصريين عام 1997، وأمام تصعيد الأهالي، اضطر الإخوان لعزل المحافظ واختيار آخر.

ضد التطرف

الأقصر تتطهر من المتشددين
الأقصر تتطهر من المتشددين

تجمع الأقصر بين الصحراء والجبال والآثار ونهر النيل والزراعات المختلفة، وتتمتع بتكوين جغرافي فريد من نوعه، لكن يظل الجبل الضخم الذي يربط المحافظة من ناحية الغرب، بباقي المحافظات الأخرى في الصعيد والوادي الجديد ومنطقة الواحات البحرية بالصحراء الغربية، أحد المخاوف التي يخشى السكان أن تكون بوابة وصول المتشددين والإرهابيين إلى المدينة.

ويؤكد محمد (ع) وهو أمين شرطة بقطاع السياحة لـ”العرب”، “المهم لدينا أن المجتمع الأقصري يعادي التطرف، لأن الأفراد إذا أقحموا الدين في الحياة سوف تترتب على ذلك ضربات قاسمة للسياحة، وهم لن يسمحوا بذلك، فما دامت الجبهة الداخلية متماسكة ورافضة لكل أنواع التطرف، فإن مهمة تأمين الحدود مهمة سهلة”.

الفارق بين الأقصر وبين محافظات أخرى في الصعيد (الفيوم – بني سويف- المنيا- أسيوط – سوهاج- قنا)، أن الدين فقط لا يحدد علاقة الناس ببعضهم أو يرسم نمط حياتهم وعلاقاتهم بالآخرين، سواء كانوا مسلمين أو مسيحيين، ما سهّل مهمة المجتمع في التخلي عن عادات وتقاليد ومورثات حياتية كانت جماعات الإسلام السياسي أكثر المستفيدين منها.

الشاب الثلاثيني، علاء محمود، الذي نشأ في محافظة المنيا بجنوب مصر، ظل يعاني لسنوات من مطاردة عناصر تابعة للجماعة السلفية في المنطقة التي يعيش بها، وكانوا دوما يخاطبونه بلغة “التوبة إلى الله” والانضمام إليهم والابتعاد عن مصاحبة المسيحيين (الأقباط)، لأن ذلك مخالف لتعاليم الإسلام، وفق اعتقادهم.

علاء، يعادي الانغلاق والتشدد الديني والمجتمعي والتمسك بالعادات والتقاليد الصارمة، ما دفعه للهجرة إلى محافظة الأقصر، (جنوب)، والاستقرار فيها بعدما رأى أن سكانها اتجهوا نحو تحطيم التقاليد القديمة، مقابل المزيد من الحداثة.

التحق علاء للعمل بأحد مقاهي الأقصر، وفوجئ أنه يتعامل مع نساء يترددن على المقهى دون خجل أو مطاردة نظرات المجتمع لهن، ولم يلتق طوال 3 سنوات شبابا يتحدثون عن الحرام والحلال، مثلما كان يسمع في المنيا.

في هذا المجتمع، لا يتم تقييّم الأشخاص وفق انتماءاتهم الدينية ولا الحرام والحلال، ولا تجد أحدا يركز نظراته على ملابس امرأة ويستوقفها لتوبيخها على ما ترتديه.

قال طايع محمود، مواطن خمسيني، لـ”العرب”، إن المنتمين إلى التيارات الإسلامية المتشددة بشتى صورهم وانتماءاتهم الفكرية، أصبحوا مرفوضين مجتمعيا في الأقصر، خاصة من الأجيال الجديدة، ما عجّل باختفائهم من المشهد برمته.

وأوضح، أن أي شخص يحمل فكرا متطرفا لم يعد يجرؤ على التدخل في حياة الناس، لأن هناك تشديدات أمنية ترتبط بكون المحافظة سياحية بالأساس، وهؤلاء على قناعة بأن ظهور أيّ منهم على الساحة، سوف يعرضهم لعقاب مجتمعي صارم.

السياحة والانفتاح

السياحة تفعل فعلها في تكريس الليبرالية ومحاربة التطرف
السياحة تفعل فعلها في تكريس الليبرالية ومحاربة التطرف

وجدت العائلات في الحداثة راحة لأبنائها، وفي الانفتاح مدخلا لإبعادهم عن الانخراط في تيارات دينية، كما أن الشباب أنفسهم أصبحوا يعادون كل ما هو متشدد يسعى لعودتهم إلى الماضي ويتحكم في مصائرهم ويقيد حرياتهم.

وساعد احتكاك سكان الأقصر لثقافات غربية عن طريق السياحة، في أن يسرّع من وتيرة انفتاح المجتمع، لأن المحافظة من أكثر المناطق المصرية التي يقصدها السياح من مختلف بلدان العالم.

ينظر الأهالي إلى القطاع السياحي، على أنه مصدر الرزق الأول والأهم، وأيّ ظهور لمتشددين، سوف تكون له تداعيات وخيمة على السياحة، لذلك يؤمن أكثرهم بأن المزيد من الانفتاح يعني صلابة حائط الصد أمام تحول المحافظة إلى بيئة خصبة للتطرف، ما يبعث برسائل طمأنة للسياح وينمي شعورهم بالأمان.

صحيح هناك مناطق أخرى نشطة سياحيا، خلاف الأقصر، مثل شرم الشيخ بمحافظة جنوب سيناء، وأسوان في أقصى الصعيد، لكن الخمسيني طايع محمود يقول “الميزة الأهم لدينا، أننا مجتمع لم يعد يفرض مبادءه على أحد، والتصدي للتطرف والإرهاب في شرم الشيخ وأسوان مثلا، تكون مهمة أولى لقوات الأمن بغرض حماية السياح”.

في الأقصر تكون الحماية الأمنية استثنائية، لأن حماية المجتمع لنفسه من التطرف والاختراق الفكري الأهم والأقوى، بغرض التحصين الداخلي، ولا يمكن أن ينجح الحل الأمني وحده في اقتلاع جذور التشدد ما لم يتحرك المجتمع لغلق الثغرات التي ينشط منها المتشددون، وأخطرها ثغرة الرجعية.

سد الثغرات

أصبح لكل أسرة طقوسها وثقافتها الخاصة
أصبح لكل أسرة طقوسها وثقافتها الخاصة

الفارق بين البيئة السكانية في الأقصر وباقي محافظات الصعيد، أنها ليست قائمة على قانون القبيلة، بل العائلة، وكانت هناك سهولة في التخلي عن بعض العادات والتقاليد والموروثات القديمة، وأصبح لكل أسرة طقوسها وثقافتها الخاصة، بعيدا عن فكرة الالتزام الصارم بتعاليم القبيلة أو العشيرة، مثل ما هو موجود في سيناء.

ويشير محمود سلامة، وهو شاب نشأ بمحافظة قنا وانتقل إلى الأقصر ويعمل سائق مركب نيلي، إلى أن تفتيت القبائل إلى عائلات، بداية مثالية للانفتاح وإطلاق العنان لكل أسرة أن تختار مسار الحياة التي يناسبها، ويحتاج ذلك لإرادة حقيقية لدى الأفراد أنفسهم ونزوع نحو الاستقلال بالذات بعيدا عن فكرة الالتزام القبلي.

وتعيش أكثر المحافظات المصرية التي يحتكم مجتمعها لقانون القبلية أزمات متلاحقة، بعدما تراجع نفوذ القبائل على أعضائها، وأصبح بإمكان العناصر المتطرفة النفاذ إليها واستقطاب أبنائها، لهشاشة وعيهم وتدني مستوى تعليمهم وشعورهم بالتهميش وغياب الاستقلالية. وهؤلاء يكونون صيدا سهلا لمن يريد استقطابهم، وهو الأمر الذي أقر به بعض شيوخ قبائل سيناء، بأن عددا من أفرادهم انضموا لتنظيم داعش الإرهابي.

ويقول خبراء علم اجتماع، أن تشدد القبيلة في إرغام أبنائها على التمسك بقانونها وفرض سطوتها وطقوسها وثقافتها ومعتقداتها، سوف يوازيه تشدد ديني. والخطر عندما يكون الرأي النافذ داخل القبيلة سلفي، هنا تصبح الثغرات عديدة أمام المتطرفين لفرض أفكارهم على الآخرين، عن طريق الحلال والحرام والتكفير، وكثيرا ما يكون الأقباط في صدارة الضحايا.

يعيش بعض الأقباط في أماكن متفرقة بصعيد مصر، مثل المنيا وأسيوط وسوهاج، أزمات متلاحقة، نتيجة للوجود السلفي، وقد يصل الأمر إلى مواجهات دموية بين الطرفين.

يكاد المشهد يختفي في الأقصر، التي يمثل الأقباط نسبة كبيرة من تكوينها السكاني، حيث تجاور المساجد الكنائس، لكن تمسك الناس بـما يمكن وصفه بـ”ليبرالية المجتمع″ انعكس على التعايش النموذجي بين المسلمين والمسيحيين، فالدين لا يمارس خارج دور العبادة.

تصوير: محمـد حسنين

13