الحدث السوري يطمس القضية "المركزية"

الجمعة 2014/02/14

منذ اندلاع موجة الربيع العربي في تونس ومصر أخذ الاهتمام بالقضية الفلسطينية يتراجع شيئا فشيئا، ليس بفعل مؤامرة ما، بل نظراً للتغير الطّارئ على الأولويات. مناهضة الاستبداد الداخلي تقدمت في الأهمية على التحدي الخارجي. قوميون ويساريون رأوا في هذا التراجع الموضوعي، ذريعة للتشكيك في مقاصد الربيع العربي ومحركاته ورفع بعضهم شعارات من نوع: كل بوصلة لا تتجه الى القدس لا يُعول عليها. ورسالة هؤلاء واضحة: لا بأس بالاستبداد، فالأكثر أهمية هو مغالبة العدو الصهيوني والامبريالي دعاوياً وإعلاميا. وخصوصية كل بلد وكل مجتمع عربي ينبغي طرحها جانبا من أجل التوحد في مواجهة الأعداء الخارجيين، حتى لو كانت هذه المواجهة لفظية، وعلى أمل أن تتراكم الشروط الذاتية والظروف الموضوعية فتتحول المواجهة الشعاراتية إلى مواجهة فعلية في زمن ما.

لكن الواقع كان وما زال أكثر عنادا وصدقية من هذه الترهات الفخيمة. الشعوب التي لم تعد تطيق صبرا على الاستبداد والإفقار، هبّت ضد الطغاة وامتلكت ديناميتها الخاصة في منازلة هؤلاء والضغط من أجل رحيلهم واحتساب تلك أولوية مطلقة، تفرضها الحاجات المحسوسة ويمليها الحق الذي لا ينازع في الحرية والكرامة ضد الطغاة الذين ينتقصون من حقوق البشر على نحو ملموس يمكن ملاحظته في الحياة اليومية.

ولما كانت موجة التغيير متعددة الحلقات وذات مهام متتابعة تقود إحداها إلى الأخرى، كما حدث في تونس ومصر وليبيا واليمن، فلم يعد مستغربا أن تستغرق عملية التغيير أمدا طويلا، ها هو يستغرق حتى تاريخه ما يزيد عن ثلاث سنوات، تتسيّد خلالها الأولويات الداخلية في الانتقال إلى عهد جديد، وما يتخلل ذلك من تدافع القوى السياسية والاجتماعية، ومن تداخل واختلاط من يملكون رؤى متباعدة لمقاصد الثورة وآليات بناء نظام جديد، وهو ما حدث في البلدان الأربعة.

في هذه الغضون أخفق الوضع الفلسطيني في اجتراح ربيعه الخاص، الذي كان يؤمل منه أن يجمع بين مهمات مناهضة الاحتلال، واصلاح السلطة الحاكمة في كل من رام الله وغزة. ومن المفارقات الفلسطينية أن تم التعويل مجددا على الظهير القومي المتمثل في قوى الربيع العربي، لتعديل الموازين في الصراع مع العدو الصهيوني، وهو أمر لم يكن ممكن الحدوث إلا بصورة جزئية وبنتائج آجلة. وعلى سبيل المثال فقد كان من المؤمل أن يؤدي التغيير في مصر إلى الحد من العلاقات المصرية الاسرائيلية، وهو ما تم بصورة طفيفة فقط نظراً لغلبة الاعتبارات الداخلية على الاهتمامات الرسمية والشعبية، ولحاجة النظام الجديد لحفظ مكانته دوليا، وهو ما وقع في عهد محمد مرسي وما بعد مرسي. بينما في بلد آخر مثل تونس فقد أدى التغيير إلى تجريم التطبيع مع تل أبيب شعبيا، ومثال وزيرة السياحة التونسية التي قدمت استقالتها بعد تعيينها في الموقع الوزاري في حكومة مهدي جمعة هو نموذج على ذلك، رغم أن الوزيرة المعينة سبق أن سعت لزيارة السلطة الوطنية لا اسرائيل، حيث تعرضت إلى تضييقات شديدة من طرف الاحتلال.

أما في اليمن وليبيا فإن التحولات في الداخل استحوذت على كامل الاهتمام وتنحّت كل اهتمامات بالخارج إلى إشعار آخر، عدا العلاقة مع دول الجوار، وإلى أن يصار لإعادة ترتيب البيت الداخلي.

مغزى ذلك أن طبيعة التحديات الداخلية في أقطار الربيع العربي طغت موضوعيا على أي اعتبارات أخرى، وهو تطور مفهوم ومنطقي وان كان لا يلبي تلك المتطلبات الرغبوية لقوميين عرب وفلسطينيين في الانتقال الفوري إلى الانشغال بقضايا قومية.

تراجعت بهذا عربيا مكانة القضية الفلسطينية التي كانت تسمى قضية مركزية، ناهيك عن تراجعها دوليا، وخاصة مع استحواذ الولايات المتحدة على الرعاية الحصرية للتسوية العتيدة، ومن منظور التحالف القائم مع تل أبيب.

غير أن رسم المشهد لا يكتمل إلا بالتأشير على الحدث السوري، وهو التطور الأكثر دراماتيكية في موجات الربيع العربي. فقد اقترن هذا الحدث منذ بدايته بوحشية مفرطة أبداها وما انفك يبديها النظام الحاكم تجاه انتفاضة شعبه منذ زهاء ثلاث سنوات. كان من شأن هذه الوحشية منقطعة النظير، أن حجبت بصورة شبه كلية الانتهاكات الجسيمة للاحتلال الاسرائيلي في الضفة الغربية وقطاع غزة والجولان. وبينما يحاجج الجانب الفلسطيني، وهو محق بالطبع، بمدى ما يقترفه الاحتلال من انتهاك للشرعية الدولية والقانون الدولي ومن إنكار لحق الشعب الرازح تحت الاحتلال في تقرير المصير.

كان المشهد السوري يزخر بانتهاكات مضاعفة ضد الشعب السوري وضد اللاجئين الفلسطينيين، وهو ما صرف الاهتمام بصورة شبه تامة عما يجري في الأراضي المحتلة، حيث بدت ممارسات الاحتلال مقارنة بسلوك النظام الحاكم في دمشق أقل وحشية وصلافة، فالاحتلال الاسرائيلي على سبيل المثال يرتكب المجازر في غزة بين وقت وآخر وبين سنة وأخرى لغايات السيطرة والهيمنة، بينما النظام في دمشق يقترف المجازر ضد شعبه متلذذا بسادية مفرطة ومن أجل المجازر فقط، وهو ما جعل أنظار العرب والعالم متجهة إلى ما يجري في الشام، بعد أن نجح النظام بممارساته المشينة، في صرف الأنظار عما يقع في الأراضي المحتلة من تجاوزات وانتهاكات بما في ذلك الاستيطان غير الشرعي على أرض الغير.

لطالما تحدث العدو الصهيوني بأن القضية الفلسطينية مسألة عربية، وأنّ على الفلسطينيين أن يجدوا حلا لمشكلتهم في إطار العالم العربي المدعو إلى أن يُعنى برفاه الشعوب بدل تسخير الموارد للحرب ضد اسرائيل. وأن مشكلة العرب تتمثل في الديكتاتوريات الحاكمة لا في التهديد الاسرائيلي.

وها هو الحدث السوري المتعاقب فصولاً يقدم تزكية للطرح الإسرائيلي المخاتل والملتوي، فالنظام في دمشق يبدي من العداء تجاه شعبه وتجاه شعوب الدول المجاورة أضعاف ما يبديه العدو الاسرائيلي العنصري تجاه الفلسطينيين والعرب، حتى أن هذا النظام لم يتوان ومنذ بداية الانتفاضة السورية في مارس 2011 عن استهداف المخيمات الفلسطينية والتعامل مع اللاجئين ككائنات أقل من آدمية، ما أودى في نهاية المطاف بنحو 2000 لاجئ جلهم في مخيم اليرموك، مع تشريد زهاء 40 ألفا من أبناء المخيمات وحيث يجري استقبالهم في لبنان كحال النازحين السوريين بمختلف صنوف التنكيل والتضييق من حلفاء النظام، وبالذات من حزب الله الذي يعتبر مقاومة طغيان النظام كفراً وخطيئة لا يُغتفران.

بهذا، وإضافة إلى تدمير المدن السورية وتشريد 5 ملايين مواطن وتمزيق المؤسسة العسكرية السورية وتحطيم النسيج الاجتماعي واستنزاف الموارد الاقتصادية، فقد نجح النظام في دمشق في طمس الصراع العربي الصهيوني، وفي تلطيف صورة الاحتلال الاسرائيلي مقارنة بوحشيته التي كانت الأشد دموية في حلقات الربيع العربي والتي ساهمت في إقصاء القضية الفلسطينية واختفائها عن جدول الاهتمامات العربية والدولية.


كاتب أردني

9